; عمر يرقع جبته برقاع من أدم وهو أمير المؤمنين؟ | مجلة المجتمع

العنوان عمر يرقع جبته برقاع من أدم وهو أمير المؤمنين؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1983

مشاهدات 44

نشر في العدد 637

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 13-سبتمبر-1983

عمر يرقع جبته برقاع من أدم وهو أمير المؤمنين؟

يحكي التاريخ أن الخليفة الناصر لدين الله كان مهتمًا بعمارة الأرض وإقامة المعالم وتخليد الآثار الدالة على قوة الملك وعز السلطان.. فاقتضى الإغراق في ذلك، أن اتخذ لسقف القبب في قصر الزهراء، قراميد مغشاة ذهبًا وفضة، فجاءت آية في الفخامة والأبهة..

‏وذات يوم جلس الناصر بعد إتمام البناء يستقبل بها أهل مملكته.. فسأل حاشيته مفاخرًا بما صنع: هل رأيتم أو سمعتم ملكًا قبلي.. فعل مثل ما فعلت أو قدر عليه.

‏قالوا: لا.. وإنك لواحد في شأنك كله..‏ وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه.. ولا انتهى إلينا خبره!...

فابتهج الناصر لهذا الثناء... وبينما هو كذلك، دخل عليه القاضي منذر بن سعيد، وأخذ مجلسه وهو واجم.. فشاء الناصر أن يذهب عنه وجومه، فسأله عن رأيه في السقف المذهب.. فكان جواب القاضي دموعا غزيرة انهالت على لحيته.. ثم قال بصوت متهدج: «والله يا أمير المؤمنين، ما ظننت أن الشيطان -لعنه الله- يبلغ منك هذا المبلغ.. ولا أن تمكنه منك هذا التمكين، مع ما أتاك الله من فضله ونعمته، وما فضلك به على العالمين؟ حتى ينزلك منازل الكافرين؟

‏فانفعل الخليفة لقوله وقال غاضبًا: أنظر ما تقول.. كيف أنزلتني منزلتهم؟

فقال القاضي: نعم.. أليس الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ (الزخرف: 33).

‏-فأطرق الخليفة مليًا.. ثم أخذ يبكي بهدوء.. ثم أقبل على المنذر، وقال له: «جزاك الله يا قاضي عنا وعن نفسك خيرًا.. وعن المسلمين والدين من أجل جزائه.. وأكثر في الناس أمثالك، فالذي قلت هو الحق».

‏وقام الخليفة من مجلسه، وأمر بنقض سقف القبة، وأعاد قرميدها ترابًا على صفة غيرها.

ودار الزمن دورته وعاد حكام الأندلس لعمارة الأرض والتفاخر بها، ناسين عمارة القلوب والأرواح، فكان الضياع، وكانت الهزيمة والسقوط والخسران في الدنيا والآخرة.

لقد فهم حكام المسلمين في صدر الإسلام دعوة الإسلام للاعتدال والبساطة على حقيقتها، وطبقوها تطبيقًا عمليًّا على أنفسهم أولًا باعتبارهم قدوة لأفراد الرعية، وكانت نتائج ذلك التطبيق من قبل الراعي والرعية عزةً وسيادةً في الأرض، والتاريخ يشهد على ذلك.. ففتوحاتهم وصلت أقصى الأرض خلال فترة وجيزة، بعد أن هزموا أقوى دولتين في ذلك الزمن.. ولنترك ابن عمر رضي الله عنهما يحدثنا عن تلك البساطة في العيش تلك البساطة التي فتحوا بها الدنيا.. يقول ابن عمر:

والله ما شمل النبي صلى الله عليه وسلم في بيته ولا خارج بيته ثلاثة أثواب، ولا شمل أبا بكر في بيته ثلاثة أثواب، غير إني كنت أرى كساءهم إذا أحرموا. كان لكل واحد منهم مئزر ومشمل، لعلها كلها بتمن درع أحدكم.. لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرقع ثوبه، ورأيت أبا بكر تخلل العباءة جمع بين طرفيها بخلال من عود أو حديد - ورأيت عمر يرقع جبته برقاع من أدم وهو أمير المؤمنين».

‏فهل يعود مسلمو اليوم إلى حقيقة ما دعا إليه الإسلام، فيعمرون الدنيا والدين دون تفاخر بالأطيان، أو تكاثر بالمال؛ ليحققوا عندها العزة والسيادة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 41

125

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

لعقلك وقلبك (41)

نشر في العدد 34

65

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

لا... يا أمير المؤمنين

نشر في العدد 297

47

الثلاثاء 27-أبريل-1976

من شذرات القلم (عدد 297)