; عمل الإنسان نتائج وآثار | مجلة المجتمع

العنوان عمل الإنسان نتائج وآثار

الكاتب توفيق علي

تاريخ النشر السبت 10-أبريل-2010

مشاهدات 53

نشر في العدد 1897

نشر في الصفحة 56

السبت 10-أبريل-2010

المجتمع التربوي

المسؤولية الفردية في ضوء القرآن (٢-٣)

عمل الإنسان .. نتائج وآثار

المرء ليس مجبوراً على فعل بعينه فهو متمكن من الخير والشر معا.. والقرآن الكريم خير شاهد

جهاد العدو في حقيقته خير لصالح الإنسان 

الذين يتبعون المستكبرين يحشرون في النار معهم. ولن يشفع لهم أنهم كانوا ذيولا وإمعات

المسؤولية الفردية في الإسلام دعوة مفتوحة لكل مسلم لكي يسارع في العودة إلى الله

د. توفيق علي

تناولنا في المقال السابق أن الله عز وجل كرم الإنسان

 بأن وهبه الإرادة المستقلة

 التي تختار الطريق إن

 اهتدى فلنفسه، وإن ضل

 فعليها، وما من نفس تحمل

 وزر أخرى، وما من أحد

 يخفف حمل أحد ، إنما

 يُسأل كل عن عمله، ويجزي

 كلاً بعمله، واستعرضنا عدداً

 من أفعال الإنسان وأثرها على نفسه، وهي الإيمان

 والدعاء والاستغفار والمكر

 والبغي والنكث.

وفي هذا العدد نتناول بعضاً من أفعال الإنسان التي تعود آثارها عليه من واقع مسؤوليته الفردية وهي الهدى والإحسان والشكر والتزكية والجهاد والعمل الصالح والبخل.

سابعاً: الهدى

قال تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء: 15]، يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واقتفى آثار النبوة، فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه(۱)، قال الكعبي: "الآية دالة على أنَّ العبد متمكّن من الخير والشر، وأنه غير مجبور على فعل بعينه أصلاً ؛ لأنَّ قوله تعالى جلّ ذَكَرهُ: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء: 15] إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكن منه، كيف شاء وأراد"(٢). فهي التبعة الفردية التي تربط كل إنسان بنفسه؛ إن اهتدى فلها .

ثامناً: الإحسان

قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: 7]، أي نفع إحسانكم عائد عليكم(۳) ، فإن أحسنتم بفعل الطاعات فقد أحسنتم إلى أنفسكم، حيث إن ببركة تلك الطاعات يفتح الله عليكم أبواب الخيرات والبركات. 

وهذه هي: القاعدة التي لا تتغير في الدنيا وفي الآخرة والتي تجعل عمل الإنسان كله له بكل ثماره ونتائجه، وتجعل الجزاء ثمرة طبيعية للعمل، منه تنتج، وبه تتكيف؛ وتجعل الإنسان مسؤولا عن نفسه، إن شاء أحسن إليها ، وإن شاء أساء، لا يلومن إلا نفسه حين يحق عليه الجزاء.

تاسعاً: الشكر

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: 12]، "ومن شكر نعمة الله عليه، وفضله عليه، فإنما يشكر طلب نفع نفسه؛ لأنه ليس ينفع بذلك غير نفسه؛ لأنه لا حاجة لله إلى أحد من خلقه، وإنما دعاهم إلى شكره تعريضا منه لهم للنفع، لا لاجتلاب منه بشكرهم إياه نفعا إلى نفسه، ولا دفع ضرّ عنها"(٤). 

فكل متقرب إلى الله بعمل صالح يجب أن يستحضر أن عمله إنما هو لنفسه يرجو به ثواب الله ورضاه في الآخرة، ويرجو دوام التفضل من الله عليه في الدنيا، فالنفع حاصل له في الدارين ولا ينتفع الله بشيء من ذلك(5).

عاشراً: الجهاد

قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 6]. 

ومن يجاهد عدوه من المشركين فإنما يجاهد لنفسه؛ لأنه يفعل ذلك ابتغاء الثواب من الله على جهاده والهرب من العقاب فليس بالله إلى فعله ذلك حاجة، وذلك أن الله غني عن جميع خلقه، له الملك والخلق والأمر(6).

"فإذا كتب الله على المؤمنين الفتنة وكلفهم أن يجاهدوا أنفسهم لتثبت على احتمال المشاق فإنما ذلك لإصلاحهم، وتكميلهم، وتحقيق الخير لهم في الدنيا والآخرة. والجهاد يُصلح من نفس المجاهد وقلبه.

فلا يقفن أحد في وسط الطريق، وقد مضى في الجهاد شوطا ، يطلب من الله ثمن جهاده؛ ويمن عليه وعلى دعوته، ويستبطئ المكافأة على ما ناله، فإن الله لا يناله من جهاده شيء، وليس في حاجة إلى جهد بشر ضعيف هزيل، وإنما هو فضل من الله أن يعينه في جهاده، وأن يستخلفه في الأرض به، وأن يأجره في الآخرة بثوابه(۷). 

حادي عشر: التزكية 

قال تعالى: {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } [فاطر: 18].

أي: ومن يتطهر من دنس الكفر والذنوب بالتوبة إلى الله، والإيمان به، والعمل بطاعته، فإنما يتطهر لنفسه، وذلك أنه يثيبها به رضا الله، والفوز بجنانه، والنجاة من عقابه الذي أعده لأهل الكفر به(۸).

ومن زكى نفسه بالتنقية من العيوب، كالرياء والكبر والكذب والغش والمكر والخداع والنفاق ونحو ذلك من الأخلاق الرذيلة، وتحلى بالأخلاق الجميلة، من الصدق، والإخلاص، والتواضع، ولين الجانب، والنصح للعباد، وسلامة الصدر من الحقد والحسد وغيرهما من مساوئ الأخلاق، فإن تزكيته يعود نفعها إليه، ويصل مقصودها إليه، ليس يضيع من عمله شيء(9).

ثاني عشر: العمل الصالح

قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [الجاثية: 15]، أي: من عمل بطاعة الله في هذه الدنيا، فائتمر لأمره وانتهى عما نهاه عنه، فلنفسه عمل ذلك الصالح من العمل؛ لأنه يجازى عليه جزاءه، فيستوجب في المعاد من الله الجنة، والنجاة من النار(10).

قال ابن عاشور- يرحمه الله: "العمل الصالح: هو العمل الذي يصلح عامله في دينه ودنياه صلاحاً لا يشوبه فساد، وذلك العمل الجاري على وفق ما جاء به الدين"(۱۱).

ميادين العمل الصالح

العمل الصالح واسع الدائرة إلى حد يشمل كل شيء في الحياة تباشره باسم الله، ولقد عد الإسلام أعمالا كثيرة صالحة لم تكن تخطر ببال الناس أن يجعلها عملا صالحا وقربة إلى الله تعالى، فجعل كل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون، أو يخفف به كربة مكروب، أو يشد به أزر مظلوم، أو يقيل به عثرة مغلوب، أو يقضي به دين غارم مُثْقَل، أو يهدي حائرا أو يعلم جاهلا، أو يدفع شرا عن مخلوق، أو أذى عن طريق، أو يسوق نفعا إلى كل ذي كبد رطبة .. جعل كل ذلك عملا صالحا ما دامت النية فيه خالصة لوجه الله الكريم"(١٢). 

وإن الله- تعالى - إذا نبه عباده إلى أن الأرض يرثها عباده الصالحون، فإن معنى ذلك الصلاح أوسع من ركعات تُؤَدى، أو أيام تُصَام، إنه علم رحب الآفـاق بكل شيء في مقدور البشر ، وعدل محدود الرواق لا يشقى معه ضعيف، ولا يقهر معه مظلوم، وأمان ضد الجوع والقلق، وطوارق اليوم والغد وكفالة لحرية العقل والضمير تنمو فيها المواهب وتتضح الملكات وتكمل الشخصية، وتُصَان المرافق العامة والخاصة"(١٣).

ثالث عشر: البخل

قال تعالى: {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ } [محمد: 38]. أي على نفسه، أي يمنعها الأجر والثواب(١٤)، والآية تحتمل احتمالين الاحتمال الأول: فإنما يبخل عن نفسه إذ يتمكن عدوه من التسلط عليه فعاد بخله بالضر عليه الاحتمال الثاني: فإنما يبخل عن نفسه بحرمانها من ثواب الإنفاق(١٥).

فما يبذله الناس إن هو إلا رصيد لهم مذخور، يجدونه يوم يحتاجون إلى رصيد، يوم يحشرون مجردين من كل ما يملكون. 

من نماذج الانتكاسة البشرية

قال تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ} [غافر: 47] .. إن الضعفاء إذن في النار مع الذين استكبروا لم يشفع لهم أنهم كانوا ذيولا وإمعات، ولم يخفف عنهم أنهم كانوا غنما تساق لا رأي لهم ولا إرادة ولا اختيار، لقد منحهم الله الكرامة كرامة الإنسانية وكرامة التبعة الفردية وكرامة الاختيار والحرية، ولكنهم هم تنازلوا عن هذا جميعا، تنازلوا وانساقوا وراء الكبراء والطغاة والملأ ،والحاشية لم يقولوا لهم : لا . بل لم يفكروا أن يقولوها، بل لم يفكروا أن يتدبروا ما يقولونه لهم وما يقودونهم إليه من ضلال، { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} [غافر: 47] وما كان تنازلهم عما وهبهم واتباعهم الكبراء ليكون شفيعا لهم عند الله، فهم في النار، ساقهم إليها قادتهم كما كانوا يسوقونهم في الحياة سوق الشياه، ثم ها هم أولاء يسألون كبراءهم: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ} [غافر: 47] كما كانوا يوهمونهم في الأرض أنهم يقودونهم في طريق الرشاد، وأنهم يحمونهم من الفساد، وأنهم يمنعونهم من الشر والضر وكيد الأعداء .

الهوامش

(۱) تفسير ابن كثير ٥٢٥ . 

(۲) اللباب لابن عادل ١٠ ٢٥٣ .

(۳) القرطبي ١٠ / ٢١٧ .

(٤) الطبري ١٩ / ٤٦٩ . 

(٥) مدارج السالكين ٢/ ٢٥٢ . 

(٦) الطبري ١٩ / ١٠.

 (۷) في ظلال القرآن ٥/ ٤٥٣ .

(۸) الطبري ٢٠/ ٤٥٦ .

(٩) السعدي ص ٦٨٧

(١٠) القرطبي ٢١ / ٤٨٧

(۱۱) تفسير التحرير والتنوير، ص ۳۸۱۸ 

(۱۲) العبادة في الإسلام د يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة - مصر ط. الخامسة عشرة ، ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م، ص بتصرف يسير.

(۱۳) سر تأخر العرب والمسلمين: محمد الغزالي دار الصحوة، ط. الأولى ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م، ص ١٩٨٥م، ص ۱۲۳، بتصرف يسير.

(١٤) القرطبي ٢٥٨١٦

(١٥) التحرير والتنوير ١٣/ ٤٤١ .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 83

92

الثلاثاء 26-أكتوبر-1971

غداً تشرق الشمس

نشر في العدد 185

139

الثلاثاء 29-يناير-1974

الصبر.. ضرورة لحياة الدعاة

نشر في العدد 241

115

الثلاثاء 18-مارس-1975

الابتلاء في سبيل الله