; عندما تتعانق البنادق في الجنوب اللبناني | مجلة المجتمع

العنوان عندما تتعانق البنادق في الجنوب اللبناني

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أكتوبر-1984

مشاهدات 65

نشر في العدد 689

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 30-أكتوبر-1984

المجاهدون الإسلاميون هم العمود الفقري للمقاومة في لبنان

«الجبهة الوطنية الديمقراطية» هل هي التفاف حول عنق المقاومة؟ الأحزاب اللبنانية المسماة بالوطنية تركب موجة المقاومة.

أطراف عديدة تنسب لنفسها شرف المقاومة وهي منها براء!

المقاومة في جنوب لبنان إسلامية الطابع.

الشيخ سعيد شعبان: المطلوب دعم المقاومة.

مر عامان أو يزيد على اشتعال المقاومة اللبنانية لجنود الاحتلال الإسرائيلي في لبنان منذ خروج المقاومة الفلسطينية واقتحام القوات الإسرائيلية لغرب بيروت. 

وإذا كان السادس عشر من أيلول 1982م يمثل اليوم الأول الذي انطلقت فيه أول رصاصة للمقاومة اللبنانية لتصرع ضابطًا إسرائيليًّا كان يجلس على مقهى في قلب بيروت الغربية، فإن المقاومة المسلحة لجنود الاحتلال سرعان ما انتشرت في بيروت، وعندما تراجع الإسرائيليون إلى الجبل لاحقتهم المقاومة بضرباتها، وعندما انسحبوا من الجبل لاحقتهم المقاومة إلى الساحل الجنوبي والبقاع الغربي وراشيا. 

ورغم انسحاباتهم التكتيكية فيما بعد إلى ما وراء نهر الأولي، إلا أن ضربات المقاومة لم تتوقف، بل ازدادت عنفًا ودقة أذهلت المراقبين وشدت انتباه الأحزاب اليسارية والقيادات الطائفية التي وجدت لها في ظل الاحتلال كيانًا لم تكن تحلم به من قبل.

محاولات اليساريين

وصارت كثير من الجهات المفلسة والمتسلطة تحاول أن تنسب إلى نفسها أعمال هؤلاء المجاهدين الأبطال لترد إليها الاعتبار المفقود، ولتستفز أولئك الأبطال العاملين بصمت حتى يخرجوا عن صمتهم ويظهروا إلى حيز الأضواء والضوضاء فيحترقوا ويتساقطوا، وبذلك يخلو الميدان لأدعياء الوطنية وتجار السياسة المرتبطين عقيدة ومصيرًا بجهات جعلت من الوجود الإسرائيلي في فلسطين وفي لبنان ورقتها الرابحة. 

وتشكلت قيادات وهمية وصدرت بيانات تضليلية، ودأبت بعض الجهات على نشر صور لبعض الشهداء لتطلب باسمهم الدعم المادي والمعنوي. وعقدت المؤتمرات في بيروت للاحتفال بالذكرى الثانية للمقاومة ومحاولة «توحيدها» ومن ثم تسييسها وبعد ذلك إجهاضها، وظهر بعض المتسلقين أمام أجهزة الإعلام العربية والعالمية ليهاجموا فيها الفلسطينيين تارة وليمدحوا فيها بعض الأطراف العربية والعالمية زاعمًا أنه ناطق باسم المقاومة اللبنانية تارة أخرى؛ ليبلبل الأفكار ويحدث ارتباكًا وخيبة أمل لدى المواطن العربي والإنسان المسلم خدمة لأسياده الذين دفعوا له أجر تصريحاته. 

ولكن العاملين بصمت من المجاهدين لم يلتفتوا إلى مثل هذه الغربان الناعقة، وواصلوا ضرباتهم التي تجاوزت جنود العدو لتتناول عملاءه الذين اصطنعهم في لبنان ووعدهم بالحماية، ثم اكتشفوا -أي العملاء- أن سيدهم أعجز من أن يوفر الحماية لنفسه ناهيك عن توفيرها لهم، وأن المطلوب من العملاء أن يكونوا حراسًا على جنوده فاجتمع «المتعوس على خايب الرجاء» وتساقط العملاء جنبًا إلى جنب مع تساقط جنود الاحتلال وقادته وضباط مخابراته.

إعدام قائد المخابرات الإسرائيلي 

وتوجه الجنرال الإسرائيلي الذي يطلق على نفسه اسم «أبو النور» إلى جنوب لبنان للقضاء على المقاومة فيها، بعد أن تصور الإسرائيليون أنه نجح في القضاء على المقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وكثير من رجال المقاومة الفلسطينيين يعرفون «أبو النور» هذا ويطلقون عليه اسم أبو النور «بفتح النون والواو».

توجه أبو النور هذا إلى الجنوب اللبناني وهو يتصور أن المهمة سهلة يسيرة، فكان رجال المقاومة اللبنانية له بالمرصاد، فأوقعوه في كمين ونفذوا فيه وفيمن معه حكم الموت. وانتقلوا بعد ذلك يعملون في جبهتين في آن معًا: جبهة استنزاف العدو الإسرائيلي وجبهة الخلاص من عملائه وأزلامه. 

وتراجع بعض العملاء وهرب البعض الآخر وتحركت الأحزاب ذات العقائد المنحرفة والقيادات ذات الولاءات الطائفية والمصلحية؛ لتنشئ جبهات ذات مسميات عفى عليها الزمن، فتشكل ما يسمى بالجبهة الوطنية الديمقراطية لتساند المقاومة الوطنية اللبنانية مثلما ساندت المقاومة الفلسطينية من قبل!

وضمت هذه الجبهة فيمن ضمت:

  • الحزب التقدمي الاشتراكي: بقيادة وليد جنبلاط. 
  • الحزب الشيوعي اللبناني: بقيادة جورج حاوي.
  • منظمة حزب البعث العربي الاشتراكي في لبنان بقيادة عاصم قانصوه.
  • الحزب السوري القومي الاجتماعي. 
  • الاتحاد الاشتراكي العربي.
  • الحزب العربي الديمقراطي.

ونحن لن نتعرض لظروف نشأة مثل هذه الأحزاب والتنظيمات -أو بعضها على الأقل- وطبيعة تفكيرها وولائها، ولن نسترجع تصريحات من بعض قادتها وحرصهم على أمن «إسرائيل»، وتعهدهم بمنع الفلسطينيين من الوصول إلى الجنوب ولا حتى بيروت، وإنما يكفي أن نشير إلى بيان صدر عن «حركة التوحيد الإسلامي» التي يرأسها الشيخ سعيد شعبان ووُزع في بيروت عقب تشكيل الجبهة المذكورة، حيث جاء في البيان أنه «لا وحدة من دون الإسلام» وأن هذه الجبهة صيغة قديمة تجاوزها الزمن وأثبتت فشلها، وأن المطلوب هو رص الصفوف لتأييد المقاومة الوطنية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للبنان وفلسطين معًا.

أخطاء المقاومة الفلسطينية

وإذا كانت حركة المقاومة الفلسطينية وبالذات حركة «فتح» عمودها الفقري قد ارتكبت مجموعة من الخطايا - ولا نقول الأخطاء- أسهمت بشكل أو بآخر فيما وصلت إليه المقاومة الفلسطينية من ضياع، ومن هذه الخطايا:

  • دخول «فتح» منظمة التحرير الفلسطينية التي أنشأها جمال عبد الناصر باسم «جامعة الدول العربية» لاحتواء النضال الوطني الفلسطيني وإجهاضه.
  • العمل الجبهوي السياسي الذي ضم - بالإضافة إلى «فتح»- كافة التنظيمات الفلسطينية ذات الأيديولوجيات المنحرفة والولاءات الخارجية. 
  • تجييش «فتح» وقواتها العاصفة بأسلحة ثقيلة وقواعد ثابتة ورتب عسكرية، ثم تسليم القيادة لمجموعة من الضباط ذوي الرتب العالية الذين انسلخوا عن جيوشهم العربية «لأمر في نفس يعقوب».
  • افتتاح المكاتب السياسية والسفارات الفلسطينية في كافة أرجاء العالم، وطرق أبواب الأمم المتحدة، والبحث عن الأصدقاء الأعداء من الدول الكبرى، ومواكبة السياسة الرسمية العربية التي قامت «فتح» أصلًا كتحدٍّ ونقيض لها.

المقاومة اللبنانية إسلامية

ونحن نُطمئن القارئ المسلم الذي ينتظر بفارغ الصبر قيام حركة إسلامية جهادية أصيلة، لا تساوم على المبادئ ولا تحيد عن الصراط المستقيم، ولا تسمح لمزعزعي العقيدة أن يتسللوا إليها لينخروا عظمها أو يتساقطوا في الطريق قبل الوصول إلى هدف التحرير الكامل للتراب الإسلامي وللإنسان الإسلامي من نير الاستعمار والقهر والظلم والتخلف.

نقول لهؤلاء: اطمئنوا، فالمقاومة في جنوب لبنان إسلامية في جوهرها وفي مبناها وأهدافها، وإذا كان البعض من غير الإسلاميين قد حاولوا أن يركبوا الموجة وأن ينسبوا لأنفسهم ما ليس لهم، فإن عين المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان مفتوحة وقد تعلمت من درس المقاومة الفلسطينية الكثير الكثير. فالإسلاميون لن يقفوا حجر عثرة في طريق من يرغب في مقاتلة اليهود لأسباب وطنية، أو لأن إسرائيل ربيبة الإمبريالية أو لأي سبب كان، ولكنها لن تمكن هؤلاء من أن يشكلوا مع الإسلاميين قيادة مشتركة، فلن يختلط الحابل بالنابل والمسلم بالكافر ضمن أيديولوجية واحدة.

فصائل المقاومة الإسلامية

المقاومة في جنوب لبنان تتشكل من «قوات الفجر» و«قوات النذير» و«قوات جبل عامل «المشتركة»»، وجميعها قوات إسلامية تحمل مجتمعة اسم «قوات المقاومة الوطنية»، تعانقت فيها بنادق المسلمين ثم انطلقت على بركة الله تكيل لليهود وعملائهم الضربات تلو الضربات في تصاعد مستمر وفي دقة متناهية، في صيدا وفي صور، في البقاع الغربي وفي راشيا، وفي كل مكان من الجنوب اللبناني. وامتدت أيادي اليهود إلى علماء المسلمين تنكيلًا وإبعادًا لاعتقادهم أنهم العقول المدبرة والقيادات الفعلية لهؤلاء المجاهدين، ولكن المقاومة لم تتوقف وازداد أوارها اشتعالًا؛ ذلك أن الإسلام حين يتمكن من النفوس ينطلق على أرض الواقع حركة دائبة، هدفها الوصول إلى إحدى الحسنيين «النصر أو الشهادة».

فليصحُ أولئك الذين زعموا أنهم شكلوا مع الإسلاميين «جبهة المقاومة اللبنانية» من اليساريين، وليكفوا عن التجارة بدماء الشهداء، وليعلموا أن البعض من الشباب الطيب الذي أرسلوه إلى ساحة القتال عاد إلى أصالته وعرف حقيقة الصراع وطبيعته مع اليهود وعاد إلى رشده مسلمًا مجاهدًا، أما المندسون والمنافقون فلن يكون مصيرهم أفضل من مصير «عبد الله بن سلول» قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة المنافقون: 8).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1317

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق