العنوان عندما ينضج الثمر..!
الكاتب محمد السيد
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1996
مشاهدات 59
نشر في العدد 1223
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 29-أكتوبر-1996
وضع الفأس الثقيل إلى جانبه، وألقى بظهره إلى جدار الحفرة العميقة، ثم جذب من تحت حزامه الزجاجة التي تحتوي على «سائل أبيض كالحليب»، وركز بيده المرتجفة فوهتها على فمه، وراح «يكركع» في حنجرته بعضًا من تلك المحتويات، التي كانت صديقته الدائمة منذ سنوات في العمل، في المنزل، في أمكنة اللهو، وبعد أن شعر بالارتواء رفعها عن فمه، وهو يدفع بجذعه كله إلى الأمام، بينما راحت عيناه تدوران في المكان، يلقي نظرة هنا ونظرة هناك، ولما لامست عيناه أحد المواضع من الجدار وكان قريبًا من قاع الحفرة، صاح بصوت يحمل كل حشرجات الغضب:
إنها ناشفة لا أثر للماء فيها، إلى متى سنظل نحفر؟ أخشى أن يكون هذا المكان قبرًا لكلينا..!.
وأدار وجهه فجأة نحو زميله حامد ورماه بنظرة مستفسرة شامتة، وقال: بلهجة ساخرة.
- الله.. الله دائمًا تقول لي اذكر الله، تصبر بالله يا خالد؟
نظر إليه حامد نظرة تملؤها الشفقة المختلطة بشيء من الحنق بينما حدثته نفسه للحظة بتفجير الموقف مع هذا الرجل، إلا أنه ابتلع الكلمات، وحاول استيعاب الأزمة، والتخفيف من تسرع خالد، فقال له:
- لا بأس يا خالد.. لا بأس فلعل وعسى أن يجعل الله في النهاية خيرًا، إن الله لن يضيع لنا تعبًا. كان حامد في البداية مطرقًا وهو يرد على خالد، فلما جاء على آخر كلمة أرسل نظرة فاحصة باتجاه زميله ليرى وقع الكلمات عليه.
كانت يد خالد تحك رأسه ذا الشعر الأسود الفاحم بعصبية، وكان فكه الأسفل يرتجف بشدة، وقد طال شعر ذقنه، بعد عشرة أيام من العمل المتواصل في حفر هذه البئر داخل أرضه؛ أملًا في أن يجد ماء ينقذ به هذه الأرض الشاسعة الخصبة التي تقتلها المواسم الشحيحة، فتجعلها قليلة الفائدة، وكانت تتفاعل في ملامح وجهه الأبيض الوسيم معالم ثورة، وفعلًا فقد قطعت الكلمات حبل الصمت، فانطلقت تتدحرج على شفتيه؛ لترتطم في الهواء طلقات سريعة، وتستقر في النهاية داخل أذني صاحبه.
- حامد، حامد، كفاك سخرية بي، إن لم تكف عن برودك هذا وتطميني بتلك الكلمات الجامدة التي لا تقدم ولا تؤخر، فإن النهاية بيني وبينك لن تصل إلى خير اسمعها مني، كلمة أنا لست مع ما تقول بل «أنا إلى الظمأ أقرب، وإذا أقبل الموت فقوسي فارغة إنه السبي، إنه الجدب، وتهويماتك في قلبي خلف قحط السنين».
رماه حامد بنظرة مشفقة في حين تداعت الأفكار في ذهنه، وترددت الكلمات في حنجرته قبل أن تنطلق إلى شفتيه، إلا أنه سجن عواطفه الجياشة وغضبه المتأجج، وبدلًا من أن يرد على خالد، هز الحبل الذي يتصل في إحدى نهايتيه بقفة كبيرة، وفي النهاية الأخرى ينزلق على بكرة يجره عليها والد خالد، الذي ناهز الستين من العمر، بدأت القفة ترتفع شيئًا فشيئًا، بينما كانت عيناه تلاحقانها وهو يتمتم، فلسفة فارغة تلك التي يتعالم فيها صديقي.
وعندما حانت منه التفاتة إلى خالد رآه يتابع بعينيه الحمراوين القفة الهاربة من هذا القبر إلى حيث الفضاء، في تلك اللحظة امتلأ صدر حامد بحنو وعطف غامرين ممتزجين بتسويغ طاغ لتصرفات خالد الرعناء.
فحاول أن يروح عنه ويهدئ من روعه، فقال له:
- إيه يا خالد – يا صديق الطفولة والشباب - يظهر أنك لم تر خديجة منذ زمن؟
- التفت خالد إلى صديقه فجأة، وكأنه عاد من سفر بعيد، وقد افترت شفتاه عن ابتسامة عريضة ممسوحة بغلالة من حزن، وتنهد تنهيدة عميقة بث فيها كل لوعات قلب ابن الملوح، ثم قال:
- أخشى يا أبا عمرو أن يفوتني القطار، وتنساني تلك الخطيبة الغالية، كل شيء جعله الله ضدي.
- لا تخش شيئًا يا أخي، فأنت ما تزال شابًا في الثلاثين، وسيمًا، مهندسًا زراعيًّا مثقفًا، وهنا قاطعه خالد بقوله:
- ولكنها انتظرت خمس سنوات حتى الآن، والمواسم تعاند، وكل شيء جعله الله ضدي حتى غدت صاحبتي أملًا ضائعًا وعمري تيهًا يتردد فيه صدى تذكيرك لي بفرج الله الهارب مني يا حامد یا حامد یا حامد.
ولم يسكت خالد عن ترديد اسم صديقه، الذي تقدم إليه في هذه الأثناء، وأمسك بتلابيبه، وهو يقول له بعصبية.
- على رسلك.. على رسلك يا هذا اتق الله أيها الوغد.
كانت كلمات هذه المرة تنطلق من فم حامد، وكأن صدره قد ودع آخر سهم من الصبر، أو كأنه ألقى بحمل ثقيل كان يرهقه، وقف خالد مشدوهًا، وقد انتفخت أوداجه، واتسعت فتحتا أنفه، وفغر فاه، ولم يحر جوابًا، ولم يستطع التصرف، فقد لجمته المفاجأة تمامًا، إنه لم يكن يتوقع أن يجابهه حامد بكلمة وغد أبدًا.
وتراءى حامد في ناظريه شبحًا بغيض التفاصيل، حطت فيه كل شظايا أمله الممزق، فانكسر الود فوق الصورة المترائية تلك، وتلألأ في عينيه شرر الانتقام من صديقه، وامتلأت المسافة بينهما بعكر دنس، فرخ فيه الشيطان أبناء شرسين، وهبت ريح سموم، جعلت الأفكار الملوثة تجوس خلال الدماء، فارتفعت يده بالفأس، وهوى به نحو رأس حامد، ولكن الله سلّم، ففي تلك اللحظة كانت القفة قد انحدرت بسرعة، وارتطمت في طريقها بالفأس الهاوية، فألقتها بعيدًا، في حين كان حامد يتمتم بصوت خافت: استغفر الله العظيم، استغفر الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، «الله يلعنك يا شيطان».
أما خالد فقد كان في تلك اللحظة مشغولًا بالالتفات حوله، يريد أن يجمع في ذهنه صورة ما جرى، فلما سمع كلمات حامد، ترقرقت عيناه بدمعتي ندم، وبدت على وجهه سمات الخجل، فتلعثم لسانه بكلمات، سمع منها أنا.. أنـ.. أنا يا حامد.. لكنه لم يكمل، فقد رأى حضن صديقه ينفتح له، وألقى بنفسه داخله وهو يشهق بالبكاء، ثم تخلص من الحضن بسرعة، وراح يتلمس صديقه، ويتحسس أنحاء جسمه، ويقول:
- سامحني يا أخي حامد، سامحني هل أنت بخير؟
- أنا بخير، بخير لا تقلق.
- الشيطان يا أخي، الشيطان هو الذي فعل بي ما فعل، إنه يغلبني دائمًا.
- لا بأس عليك يا خالد لا بأس ما دمت تعترف بأن الشيطان يخرب، ويلعب.
- آه.. عدنا؟
في تلك اللحظة انتحى خالد الزاوية البعيدة، وتناول القارورة، وعب منها نفسًا، ثم أعادها إلى مكانها.
- إنك لن تترك هذه اللعينة حتى تأتي عليك.
لم ينبس خالد ببنت شفة، بل تناول الفأس من المكان، الذي استقر فيه، وهوى به على القاع، يحدث فيه خروقًا جديدة، وما إن أتم الضربة الثالثة ورفع صديقه ثلاثة «كريكات» ووضعها في القفة حتى هجم خالد إلى الأمام، وهو يصيح.
- انتبه، انتبه يا حامد.
وبسرعة فائقة دفعه إلى الجهة الثانية من قاع الحفرة في اللحظة، التي كانت فيها كتلة كبيرة من التراب ترتطم بشدة، وتستقر فوق المكان الذي كان يقف فيه حامد قبل أن يدفعه.
وبين الدهشة والرعب نهض حامد، وهو ينفض سرواله المرقع، وقد ابتسم ابتسامة عريضة، طافت ملامح وجهه بعلامات السعادة، وتمتم بكلمات تقول: «شظايا شقائقك يا خالد تجتمع في لحظة، فتفك رباط القيد؛ لتصفع شفاه، فيسيل عطر الرضي».
وتقدم نحو خالد يدفعه ذلك الاعتراف الهامس إلى القول:
يا خالد، لي عيوبي التي لا أراها إلا في مرآتي التي هي أنت، أنت صديقي الحميم، يا أخي كم أتمنى لك أن تنبت من جديد من داخل الأرض المرة، فتكون برعمًا يشكر الكريم بضوعه، ولولا أنك.
لم يدعه خالد يكمل، بل قاطعه بنظرة ألقته بعيدًا عن الموقف، ولما حاول أن يعبر عن نظرته تراجع وعاد يرمق حامدًا من جديد بنظرة حيرى، تدور بين الشك واليقين، ثم نفخ نفخة أخرج معها أنفاسًا ملتهبة خرجت معها كلمات.
- على كل حال الواجب الآن أن نترك هذا القبر اللعين، ونخرج قبل أن يردم فوقنا.
- أو تريد الهروب قبل أن يخرج الماء؟!.
- هل ما زلت تأمل يا حامد؟!
- في الله الأمل أيها الرجل، أنت جلد وشغيل، وضرباتك ستفتح الأرض بإذن الله، فلنتابع ولو لساعتين، وراح صوت الفأس ويتبعه صوت «الكريك» يتواليان بجد واستمرار، لكنهما يرتطمان بجدران الحفرة الواسعة العميقة، فيذوبان في مكانيهما، ولا يصل منهما إلى أعلى الحفرة إلا طقطقات مبهمة لا تعني شيئًا بالنسبة لوالد خالد وراحت القفة تهبط وتصعد بلا كلل، وفجأة وبعد ضربة قوية بالفأس امتلأ وجه خالد برذاذ بارد ناعم، فصاح بصوت يمتلئ بنبرة الفرح والدهشة، الماء، الماء، الماء.
الحمد لله، الماء وألقى الفأس جانبًا، وأسند ظهره إلى الجدار، ثم أخذ نفسًا عميقًا، وأطلق تنهيدة ارتياح، ثم مد يده يتحسس حزامه الذي يحمي القارورة.
إلا أن حامدًا ورغم أن جوانحه كانت تفيض بفرح غامر؛ بسبب ظهور الماء، وقف مشدوهًا أمام مشهد خالد، وهو يردد: الماء، الماء، الحمد لله الماء.
ومما زاد في دهشته واستغرابه أن خالدًا في مثل هذا الموقف، الذي فجر كلمات الحمد على لسانه راح يتحسس القارورة ليهم بالعب منها..!!..
ومع ذلك فإن حامدًا لم ييأس من صديقه، بل قال في نفسه:
- إنها لحظة مناسبة للتأثير، وهي لحظة قد تعين على غيرها.
ومع ذلك فإن حامدا لم ييأس من صديقه، بل قال في نفسه:
ـ إنها لحظة مناسبة للتأثير، وهي لحظة قد تعين على غيرها.
لم يضيع حامد الوقت، بل أسرع نحو صديقه، ووضع يده فوق يد خالد، التي كانت تتحسس القارورة، وهو يقول:
- خالد هذه لحظة تفكر ومراجعة، ولا يحتفل بها بهذا الشكل.
لم يبد على خالد أي انقباض، بل طفح وجهه بابتسامة ود عريضة، ورفع يده عن القارورة، وهم بالكلام، إلا أن حامدًا قطع عليه الحديث مكملًا كلامه.
- توجيه الحمد لله لا يلتقي مع مقارفة عصيانه.
هر خالد رأسه بالموافقة، وأرسل نظرة جاست في وجه صاحبه، الذي أضاءه نور مصباح البطاريات الملقى في زاوية الحفرة، فشاهد الشقاء الذي كان يعتلي جبينه يتحول إلى ملائكة، تسرح فيما بين السالفين، تمد له حبالًا من نجاة، بينما كانت أقدامها تنتقل في حقول مونقة بالخضرة مترعة بماء كوثر، وفي الحال مد يده فأمسك بحبل القفة، وهزه، وهو يصيح: ارفعني يا أبي إليك، ارفع أعانك الله، لقد آن الأوان، وأنت يا صديقي اتبعني إلى الأعلى، وسوف ترى مني ما يسرك.
أجابه حامد يا أخي بعد أن أريك ما يسرك.
وصعد الاثنان تباعًا، وتبادلا بعض الحديث مع والد خالد، ثم أسرعا إلى القرية القابعة فوق تلة صغيرة، في وسط سهل واسع خصيب من سهول حوران.
وعندما افترقا في بداية القرية، قال خالد لحامد: بعد ساعة نلتقي في مسجد القرية؛ إذ تكون صلاة الظهر قد حانت، لا تتأخر يا صديقي.
امتلأت أسارير حامد بالبهجة، فتناول كف خالد وصفقه بكفه، وهو يقهقه ويقول: مبارك يا خالد، مبارك بعد ساعة - إن شاء الله - لن أتأخر.
بعد أداء صلاة الظهر، خرج الصديقان والفرح يعب من فؤاديهما ما شاء له الوقت أن يعب، وهما يسيران بدون إرادة منهما نحو البئر، وبعد لحظات ساد فيها صمت قلق انطلق لسان خالد يقول:
- الآن وبعد عناء طويل اطمأنت نفسي، واستقامت صحبتنا يا حامد، فإلى البئر؛ لنكمل العمل، والتوبة تجب ما قبلها، أليس كذلك؟.
ثم راح يطوح بقامته في الهواء، وهو يتجه نحو البئر، ويصيح الحمد لله الذي حقق لي نجاحين اليوم، وعندما وصلا إلى هناك نظر حامد إلى أسفل البئر، ثم قال وهو يوجه الكلام إلى خالد ووالده.
- النزول فيه خطر، فقد تكاثر الماء، وارتفع وأظن أن التراب أصبح رخوًا إلى درجة التهديد بالانهيار، يجب الحذر، وعدم النزول وإغلاق مكان خروج الماء بالأسمنت والرمل، وترك التراب أيامًا؛ ليجف ويتماسك بعدها يتم النزول لتكملة العمل.
إلا أن خالدًا أجابه بدون تأمل ولا تردد ولا تلعثم:
- إليك عني أنا نازل يا أخي أبعد التوبة والتطهر، أخاف وأنا الذي لم يهزه الخوف قبل ذلك؟، الحذر لا يغني عن القدر أيها المؤمن الشجاع، وأطلق في الهواء قهقهة عجيبة، ثم انحدر مع الحبل بدون أن يعطي حامدًا فرصة للرد.
وصل خالد إلى القاع، وأمسك بالفأس وضرب بها ضربة؛ ليزيل نتوءًا في جدار الحفرة، وفي الحال بدأت الانهيارات من أعلى ومن الوسط ووصل صوت الانهيار إلى أذني حامد الذي كان قريبًا من فوهة الحفرة فراح يصيح: أبو خالد.. أبو خالد.. خالد راح.. راح.. راح.
ثم اقترب من فوهة الحفرة ونادى بأعلى صوت:
- خالد خالد تمسك بالحبل يا خالد.. هل أنت بخير؟
وأصاخ السمع لعله يسمع شيئًا، لم تصله إلا أنة خافتة جعلته يصيح بعصبية، وصوت راعب أبا خالد.
- ساعدني يا أبا خالد ساعدني.
وتعاون الرجلان على جر الحبل، لكنه لم يتجاوب معهما، ولم يستطيعا جذب شيء منه أبدًا.
وعندما عاود حامد النداء على خالد لم يأته أي صوت حتى تلك الأنة، التي سمعها قبل لحظات لم تتكرر، عندها رفع رأسه من فوهة البئر، وأدار وجهه إلى أبي خالد، وعيناه تمتلآن بالدمع، وملامحه تضج باليأس والأسى، بينما كان أبو خالد متفجر البكاء والصراخ على ولده، وتقاطرت الدمعات الحرى من عيني حامد عندما تذكر كلمات صديقه التي قالها له وهما في البئر: «أخشى يا أبا عمرو أن يفوتني القطار وتنساني خطيبتي خديجة» «أخشى أن يكون هذا المكان قبرًا لنا».
وأرسل آهة عميقة، تنفث أنفاسًا حزينة حارة، وسرحت عيناه في الأرض المحيطة بالبئر، فتراءى له خالد عروسًا تزف إليه خديجة بثوبها الأبيض الضافي، وقد أمرعت المروج خضرة، فراحا يتراكضان خلالها والسعادة تضج من حولهما، وصمت الكون لحظات راحت فيها الصورة اليانعة تغيب من مخيلة حامد شيئًا فشيئًا في حين تحركت شفتاه بكلمات وداع تقول:
عندما ينضج الثمر ترتوي أعطافه بماء القدر حلوًا طاهرًا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل