; عواقب الجزع ومعينات الصبر (2-2) | مجلة المجتمع

العنوان عواقب الجزع ومعينات الصبر (2-2)

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر الجمعة 17-فبراير-2012

مشاهدات 93

نشر في العدد 1989

نشر في الصفحة 56

الجمعة 17-فبراير-2012

في المقال السابق عرضت لست من عواقب الجزع، وفي المقال الحالي أضيف إلى هذه الست ثلاثاً أخرى، ثم أتناول معينات الصبر:

7- الوقوع في الهلاك والكفر:

يقول محمد بن سيرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (البقرة: ١٥٩).. الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة الله تعالى.

يقول الحق سبحانه وتعالى:  ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (الإسراء: 83). يقول القاسمي: هذه الآية إشارة إلى سبب وقوع هؤلاء الضالين في أودية الضلال، وهو حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، وكفران نعمه تعالى بالإعراض عن شكرها، والجزع واليأس من الفرج عند مس شر قضي عليه.

8- تكذيب الله ورسوله:

يقول الغمام القرطبي: «اليأس من رحمة الله فيه تكذيب القرآن، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ( الأعراف: ١٥٦)، فإن ظن العبد أن الله لن يغفر له فقد حجر واسعاً، إن كان معتقدا لذلك، لذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ (الحجر: 56).

9- الرسوب في الاختبار:

ذلك أن الله تبارك وتعالى بيّن أن الدنيا دار ابتلاء، قال سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (الكهف: 7).

بل إنه سبحانه أخبرنا أن الابتلاء غاية من غايات خلق الإنسان، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (المُلك: 1-2).

وما أروع نصيحة لقمان الحكيم لابنه، وهو يقول: «يا بني إن الذهب يجرب بالنار، والعبد الصالح يجرب بالبلاء، فإذا أحب الله قوماً أبتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط».

معينات الصبر

إن حاجة الإنسان إلى الصبر مُلحة، ذلك لأن القرآن الكريم وصف الإنسان في سورة المعارج بأنه قليل الصبر عندما يدهمه بلاء أو سوء، فإذا ما أصابته نعمة كان شحيحاً بخيلاً ممسكاً منوعاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الخيْرُ مَنُوعًا (المعارج: 19 - 21).

قال العلماء: المراد بالإنسان المذكور في هذه الآيات ذلك الإنسان غير الناضج عاطفياً ولا أخلاقياً، لذلك استثنى الله تعالى من ذلك المصلين العاملين الصابرين، كما وضح في الآيات بعدها.

ولتحقيق الصبر وتجنب الجزع عدة وسائل، سوف أحاول في السطور القليلة الباقية أن أذكرها.

 

أولاً: فهم طبيعة الحياة:

فلقد أخبرنا رب العزة بأن الحياة معاناة ومكابدة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ(البلد: 4).

من هنا وجب على الإنسان أن يوطن نفسه على تلقي الشدائد، ففي ذلك تهيئة وتقوية لتحملها وعدم الجزع، فتوقع الشيء يخفف من وقعه على النفس.

فالحياة مزيج من الخير والشر، والسعادة والتعاسة، والتعب والراحة، والشر عليها أغلب وهكذا كانت إبتلاء وإختباراً ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (المًلك: 2)، وتأمل ما قاله الشاعر:

 أتحسب أن البؤس للحُر دائم

                                           ولو دام شيء عده الناس في العجب

لقد عرفتك الحادثات ببؤسها

                                            وقد أدبت إن كان ينفعك الأدب

ولو طلب الإنسان من صرف دهره

                                         دوام الذي يخشى لأعياه ما طلب

ثانياً: تأمل النعم وتذكرها:

فإن فقد الإنسان نعمة وجب عليه أن يتأمل نعم الله الأخرى عليه، وما أكثرها! جاء رجل إلى يونس بن عبيد، فشكا إليه ضيقا من حاله ومعاشه واغتمامًا لذلك. فقال يونس للرجل: أيسرك ببصرك مائة ألف؟ قال: لا.. قال: فيسمعك؟ قال: لا.. قال: فبلسانك؟ قال: لا.. قال: فبعقلك؟ قال: لا.. وذكره بنعم الله عليه.. ثم قال يونس: أرى لك منين ألوفاً، وأنت تشكو الحاجة!! «سير أعلام النبلاء».

ثالثاً: الاقتداء بالسلف:

فهذا ابن عباس رضي الله عنهما نعيت له ابنته فاسترجع وصلى ركعتين، ثم قال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ (البقرة: ٤٥) ، ثم قال: صنعنا ما أمرنا الله تعالى.

وهذا عمران بن حصين صبر على المرض ثلاثين سنة هيكلاً عظمياً، فلما دخل عليه أخوه مع الإمام الشعبي بكى أخوه، فقال عمران: لا تبك فإن أحبه إلى الله أحبه إلي.

رابعاً: انظر إلى مصائب غيرك:

فالمبتلى عندما يذكر بلاء غيره -خاصة إن كان أكبر من بلائه- صبر على بلائه وشدته.

خامساً: حدث نفسك بأجر الصبر وطلبه:

إنك عندما تحدث نفسك بثواب الصبر وأجره، فإن ذلك يمنحك زاداً كي تصبر لذا فقد وصف النبي ﷺ أصحابه بقوله: «ولأحدهم كان أشد فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء» (رواه ابن ماجه).

سادساً: الدعاء والتطلع إلى الفرج:

فالليل مهما طال، فلا بد من طلوع الفجر ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (الشرح: 5-6).

يقول الشاعر في ذلك:

إذا ضاق بك الأمر ففكر في ألم نشرح

                                       فعسر بين يسرين لذا لا بد أن يبرح

 

ويقول آخر:

اشتدي أزمة تنفرجي

                                 قد آذن ليلك بالفرج

مهما اشتدت بك نازلة

                           فاصبر فعسى التفريج يجي

سابعاً: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة:

من بذر بذرة طاعة في الرخاء أستظل بظلها في هجير شدة، فأنظر وقارن بين حال يونس عليه السلام، وحال فرعون عليه لعنات الله، قال تعالى عن يونس ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (الصافات: 143- 144). أما فرعون فلما أتاه الغرق، وقال آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، رد عليه رب العزة قائلاً: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ(يونس: ۹۱).

ثامناً: إدراك أن الإنسان مِلك لله:

فعقيدة العبد بأنه ملك لله، فهو سبحانه الذي خلقه، ورزقه، وبيده أمره كله يجعل الإنسان صابراً ، لذا كان من الدعاء المأثور عند فقدان عزيز: «لله ما أعطى، ولله ما أخذ».

تاسعاً: الاستعانة بالله:

لذا رأينا موسى عليه السلام ينصح قومه ويوصيهم بالاستعانة بالله تعالى لما أشتد عليهم الإيذاء، قال تعالى على لسان موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا (الأعراف: 128).

 

عاشراً: إدراك أن قدر الله نافذ لا محالة:

لذا فــ «من الإيمان أن يوقن العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه».

قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ (الحديد: 22-23).

حادي عشر: التريّث وتحصيل العلم:

فقد نصح الخضر موسى -قبل رحلتهما معاً- بالتريث حتى يخبره بالأمر، فقال له: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (الكهف: 77).

ولكن موسى تعجل قبل أن يعلمه الخضر، برغم أن الخضر بين له ذلك في بداية اللقاء كتوجيه تربوي: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (الكهف: 67-68).

وقفة نبوية تربوية

جاء سيدنا الخباب بن الأرت إلى رسول الله وعليه آثار التعذيب، بل اختفى وجهه ولم تظهر ملامحه من الدم النازف منه، فقال للنبي ﷺ: ألا تستنصر الله لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ وقد كان عذب عذاباً شديداً، إذ كان يكوى رأسه بالنار، وكان يوضع على الفحم الملتهب.. ومن ثم كان طبيعياً لرجل سيم هذا العذاب أن يستنصر ويطلب الدعاء، وخاصة من النبي -وهو مستجاب الدعوة- ولكن رد فعل النبي ﷺ كان عجيباً، إذ غضب حتى بدا ذلك على وجهه -كما روى الإمام البخاري عن الخباب- قال: فقعد رسول الله ﷺ وهو محمر الوجه «أي غير من جلسته من شدة غضبه وقد احمر وجهه»، فقال: «كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين ولا يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون».

وبالتحليل التربوي لهذا الموقف يمكننا القول: إن النبي ﷺ لم يغضب من طلب الخباب الدعاء، ولكنه غضب لشعوره بأن الخباب استبطأ النصر، وربما داخله بعض اليأس، فأراد ﷺ أن يبين للخباب أن الأمر يحتاج إلى صبر جميل طويل، ثم بث فيه الأمل، وأوقفه على قوة الله وعظمته وأوصاه بالأخذ بالأسباب.

ولقد أثمر هذا الموقف التربوي عند سيدنا الخباب، فلقد صبر رغم أنه عذب عذاباً تقشعر منه الجلود. يروى أن عمر ابن الخطاب لقي الخباب رضي الله عنهما فسأله عما لقيه من عذاب، فكشف الخباب عن ظهره، فإذا هو قد برص «مات جلده»، ففزع عمر، وقال: ما رأيت كاليوم، فقال الخباب: أوقدوا لي ناراً، ثم سلقوني فيها ثم وضع رجل رجله على صدري، فما اتقيت الأرض إلا بظهري، وما أطفأ تلك النار إلا شحمي.

تعريف البريطانيين بالزواج الإسلامي

أقامت الندوة العالمية للشباب الإسلامي بلندن بالاشتراك مع رابطة العالم الإسلامي أخيراً ملتقى تعريفياً دراسياً بعنوان «الزواج في الإسلام: لباس المودة والرحمة»، نظراً لما تشهده الجالية الإسلامية من تنامي المشكلات العائلية المرتبطة بالزواج، وكذلك ارتفاع حالات الطلاق بين المسلمين بالمملكة المتحدة.

وتضمن الملتقى أربعة محاور رئيسة هي: كيفية اختيار الشريك المناسب للشخصية والمتوافق معها على أغلب الصعد، وإيجابيات الزواج في المجتمعات الغربية، ونوعية المشكلات التي تعترض المتزوجين، وكيفية حلها بحسب التصور الإسلامي وفن المغازلة والتودد بين الزوجين.

وقال مدير مكتب الندوة في بريطانيا إن حالات الطلاق التي تحدث في أوساط الجالية المسلمة كان يمكن تفاديها بتوفير التوعية في فهم أساليب المعاشرة والتربية على هدي الإسلام في هذا الباب.

وأضاف: «لذلك استهدفنا بهذا الملتقى تعريف المشاركين بهدي الإسلام ورؤيته في بناء العائلة، وأساليب المعاشرة واحترام حقوق كل طرف، وأن ذلك كفيل ببناء أسرة مستقرة يتحاب أفرادها وتسود بينهم المودة والرحمة».

وأوضح أن من أهداف الملتقى أيضاً التواصل مع المسلمين الجدد، والنظر فيما يعرفونه من تحديات على هذا الصعيد.

وقد تحدث في الملتقى محاضرون ومستشارون في العلاقات الأسرية وشؤون الأسرة والمرأة المسلمة، مثل الأستاذ أجمل مسرور مستشار من مؤسسة «بارفوت»، التي تعنى بشؤون العلاقات الأسرية وتقدم خدمات متنوعة في هذا الشأن وصدر له كتاب بعنوان «ما يجب أن تعرف عن الزواج»، وقد بيع منه حتى الآن حوالي ٤٠٠٠ نسخة.

والسيدة «هنريتا سوفاتي»، مستشارة في العلاقات الأسرية ومحاضرة في شؤون الأسرة والمرأة المسلمة، والتي استفاد من محاضراتها واستشاراتها العديد من العائلات المسلمة، وخاصة الفتيات المسلمات في كيفية اختيار الشريك، وأساليب الحفاظ على الاستقرار العائلي وتمتين العلاقات الزوجية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 83

92

الثلاثاء 26-أكتوبر-1971

غداً تشرق الشمس

نشر في العدد 185

139

الثلاثاء 29-يناير-1974

الصبر.. ضرورة لحياة الدعاة

نشر في العدد 241

115

الثلاثاء 18-مارس-1975

الابتلاء في سبيل الله