; عود على بدء: الموقف الإسلامي من دكتاتورية رأس المال | مجلة المجتمع

العنوان عود على بدء: الموقف الإسلامي من دكتاتورية رأس المال

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1983

مشاهدات 67

نشر في العدد 611

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 08-مارس-1983

حددنا في الحلقة السابقة الأسس الفعلية والمنطلقات الفكرية والمبدئية التي يقوم عليها النظام الرأسمالي. وتناولنا كذلك إسقاطات وآثار النظام الرأسمالي على الأصعدة السياسية والاجتماعية باختصار شديد، واليوم نحاول الإجابة على السؤال الذي طرحناه في نهاية الحلقة السابقة وهو: ما موقفنا العقائدي من الرأسمالية، سواء أسسها الفعلية أو منطلقاتها الفكرية والمبدئية؟ نقول -وبالله التوفيق:

يتعارض الإسلام والرأسمالية من وجوه عدة:

أولها: إذا كانت الرأسمالية تنظر إلى المال لدى الأفراد على أنه ملكية شخصية مطلقة يحق للشخص أن يتصرف به كيف شاء، فإن الإسلام يعتبر الملكية المطلقة والمالك الحقيقي هو الله وأن الفرد الذي لديه المال ليس إلا مستخلفا عليه أو مؤتمنا عليه، وسوف يسأل ويحاسب على كيفية تصرفه بذلك المال. وإذا كان الفرد في النظام الرأسمالي له مطلق الحرية في أن يتصرف بالمال الذي بين يديه بالشكل الذي يرى ولو كان في ذلك إسراف وتضييع وفساد، فإن النظام الإسلامي يحدد الأطر التي ينبغي على الفرد التقيد بها في صرفه للمال الذي بين يديه، وإذا ‏خرج عن تلك الأطر المرسومة حجر عليه باعتبار حامل المال سفيهًا، ومن يقرأ في باب «الحجر على السفيه» في الفقه الإسلامي يجد أن الإسلام يعطي الحق للمجتمع الإسلامي ممثلًا بالدولة الإسلامية أن تنزع المال من يد السفيه، على أن يحفظ له الحد الأدنى من العيش اللائق بالإنسان.

‏والسفيه هو الذي يتصرف في ماله بخلاف ما يقتضيه الشرع ويسرف في إنفاق المال بشكل خارج عن الأصول الإسلامية؛ كأن يبذر أمواله في القمار وشرب الخمر وغير ذلك.

‏وقد اعتبر بعض الفقهاء الذي ينفق كل أمواله على الطاعات كبناء المساجد وغير ذلك دون أن يوفي حق أهله، ومن يعول مسرفًا، يجوز الحجر عليه ليعطى كل ذي حق حقه.

‏فالفرد إذن في النظام الإسلامي لا يحق له أن يتصرف بماله كيف شاء كما يحدث في النظام الرأسمالي.

ثانيهما: يؤكد النظام الرأسمالي أنه ليس لصاحب المال شريك فيه، سواء كان ذلك للأفراد أو الدولة، بينما يؤكد الإسلام أن للمستخلف على المال شركاء لهم حقوق في ماله يجب أن يؤديها، ومن يتعمد رفضها ورفض تأديتها مثل الزكاة، ‏يعتبر مرتدًّا بجب قتاله وردعه، كما فعل أبوبكر خليفة رسول الله مع الذين رفضوا تأدية حق الزكاة، كما أن أحكام الإرث تؤكد حق المشاركة هذا؛ لأن صاحب المال ليس له الحق أن يوصي بأكثر من ثلث التركة للجهة التي يريد، أما الثلثان الباقيان من تركته فتقسم حسب آيات الإرث في سورة النساء، وهي تحث على توزيع الثروة ونمائها على أكبر قدر ممكن من الناس، أما أحكام الصدقات وإعارة الماعون ومساعدة ابن السبيل وكفاية الفقراء والكفارات كلها، فتؤكد هذه المشاركة الجمعية في المال الخاص، وهذا فرق كبير بين الرأسمالية والإسلام؛ فالفرد في ظل النظام الإسلامي ليس له الحق في الاستئثار بماله وحده، كما يحدث في النظام الرأسمالي، بل لابُدَّ أن يوفي كثيرًا من الحقوق الشرعية التي فرضتها الدولة الإسلامية لظروف اقتصادية تمر بها، والتي قد تخضع للتعديل والزيادة والتخفيض، وربما الإلغاء حسبما تمليه ظروف الجماعة الإسلامية.

‏ثالثها: يؤكد النظام الرأسمالي حرية اختيار وسائل الاستثمار والإنتاج بشكل شبه مطلق، ومن هنا نجد أن النظام الرأسمالي يعتبر المؤسسات الربوية الاحتكارية مشروعة محمية بالقانون، وكذلك دور القمار وعلب الليل وتجارة الخمور وإنتاجها والمقامرة بالأوراق المالية والاحتكار الصناعي.. كل هذه الممارسات والوسائل يعتبرها النظام الرأسمالي وسائل مشروعة للكسب والاستثمار والإنتاج، أما الإسلام فيحدد الإطار العام الذي ينبغي أن تتحرك ضمنه العملية الاستثمارية والإنتاجية، نستطيع أن نوجزه بالنقاط التالية:

  • جعل الشرع الإسلامي تنمية الملك مقيدة في حدود لا يجوز تعديها، فمنع الفرد من تنمية ملكه بطرق معينة منها: القمار بأنواعه، والربا باعتباره صورة من صور الظلم والاستغلال لجهد الناس، والغبن الفاحش، وهو بيع الشيء بأكثر مما يساوي أو بأقل مما يساوي، والغبن الفاحش حرام شرعًا؛ لأنه ثبت في الحديث الصحيح طلب ترك الغبن طلبًا جازمًا، والتدليس في البيع، ومعنى تدليس البائع السلعة هو أن يكتم العيب فيها عن المشتري مع علمه به، ومعنى تدليس المشتري قد يكون في الثمن المدفوع مثلًا أن يزيف عملة أو يكتم ما فيها من زيف، والاحتكار لأن الشريعة الإسلامية بناء على ما ثبت من نصوص تمنعه مطلقًا، وهو حرام شرعًا لورود النهي الجازم عنه في صريح الحديث، وهذه كلها وسائل يسمح بها النظام الرأسمالي، بل إن معظم -إن لم يكن ‏كل- النشاط الاقتصادي الرأسمالي في مجال الاستثمار والإنتاج يقوم على هذه الوسائل المحرمة في الشريعة الإسلامية، فالقمار له دور خاصة (الكازينوهات) مرخصة قانونيًّا يمولها بعض الرأسماليين، ويذهب ضحية لها المواطن، وتحصل هذه الدور على حماية خاصة من الدولة، أما الربا فكل المؤسسات المالية في العالم الرأسمالي تتعامل به وتتنافس فيه، أما الغبن الفاحش والتدليس فهو نشاط يومي في النظام الرأسمالي، وهو يعتبر ضمن آليات السوق ومنطقه وجزء من ميكانيكية العرض والطلب التي بشر بها آدم سميث، وأما الاحتكار فهو من أبرز صفات السوق الرأسمالي.. وكل هذه الوسائل محرمة شرعًا ولا يجوز التعامل بها.
  • ‏كذلك يؤكد الإسلام على ضرورة أن تحقق حركة الاستثمار والإنتاج فائدة عامة للمجتمع الأوسع.. هذا التأكيد على الجانب الاجتماعي للإنتاج وإبراز الصبغة الاجتماعية للعلاقات الإنتاجية ونشر فوائد الإنتاج وتوزيعها في إطار موازين عادلة يأتيان في مقدمة الأهداف الإنتاجية، فالنظام الاقتصادي الإسلامي ملتزم التزامًا عميقًا بمبدأ الإنتاج من أجل عموم الناس ولمصلحتهم، بينما نجد أن أهداف حركة الإنتاج تتركز في مضاعفة وتائر الأرباح للمنتجين ‏فقط -أي القلة الذين يتحكمون بحركة رأس المال.
  • المشكلة الاقتصادية في النظام الرأسمالي تتركز في الندرة النسبية للموارد مقابل توفير السلع للإشباع الجماعي؛ فنظرًا لندرة الموارد تندر السلعة وبالتالي يصير الصراع عليها، بينما يعتبر الإسلام أن المشكلة الاقتصادية الفعلية نتجت عن كسل البشر وإهمالهم لاستخراج الخيرات التي خلقها الله والانتفاع بها، وهي كثيرة ووفيرة وكافية لكل بني الإنسان، وهذا الكسل أدى إلى الظلم والعدوان الذي يرتكبه القوي على الضعيف المتواكل، فالله يؤكد في كتابه وفرة الموارد﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ﴾ (إبراهيم: 34) ولكنه الظلم من جهة والكسل من جهة أخرى، والمصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: «استعن بالله ولا تعجز» (رواه مسلم).

‏هكذا وعبر حلقتين من السياسة الشرعية حاولنا أن نبين التعارض الجوهري بين النظام الرأسمالي والتشريع الاقتصادي الإسلامي، وهو تعارض في المنطلقات الأساسية والمبدئية، وهو أمر لا يمكن التحايل عليه عبر إجراءات الترقيع الحاصل في أكثر من قطر إسلامي، والله المستعان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 61

105

الثلاثاء 25-مايو-1971

هذا الأسبوع (العدد 61)

نشر في العدد 65

125

الثلاثاء 22-يونيو-1971

مع القراء (العدد 65)