العنوان غربت شمسك.. ولكن ضياءك لن ينطفئ
الكاتب أمان حسن الهويدي
تاريخ النشر السبت 11-أبريل-2009
مشاهدات 59
نشر في العدد 1847
نشر في الصفحة 34
السبت 11-أبريل-2009
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.. وبعد :
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33).
والدي الحبيب.. كيف أبدأ وماذا عساي أقول..؟؟!! فالأفكار تزدحم، واللسان يتلعثم، والذاكرة تموج، ووحدها الدموع تنهمر..
نفتقدك في كل مكان.. في كل لحظة؛ في صلوات الجماعة التي كنت تحرص عليها كل الحرص وتحثنا عليها دومًا، ماذا أقول؟!.. في الفجر أم في صلاة الظهر، عصرًا وعند الغروب وحتى صلاة العشاء ..!!
في كل الطاعات والنوافل، وفي أمسيات رمضان.. وفي مواسم العمرة، وأيام الله بالحج..!! نفتقدك أيها الغالي.. ونلمح طيفك في كل زاوية من زوايا الدنيا.. واليوم إذ نناديك فلا تجيب...
لقد رحلت إلى رب كريم، ونزلت عند رب رحيم بعد سفر طويل.. طويل، ورحلات شاقة متواصلة، وصلت بها ليلك بنهارك، لا تبتغي بها ومنها سوى وجهه الكريم ورضاه.. حتى كانت مشيئته عز وجل فأراحك من عنت هذه الدنيا، وما كابدته فيها من العناء والتعب والمشاق، ودون أن تبالي أو تشتكي يومًا فيما تلاقيه، مادام ذلك في جنب الله، محتسبًا ذلك كله عنده تبارك وتعالى، وقلبك معلق أبدًا بقوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر:10).
ولا عجب يا أبي الحبيب؛ فقد كان دستورك: القرآن، وديدنك: التقوى والإخلاص، وسلاحك: الصبر وشيمتك التسامح والحب، وشعارك الثابت: التواضع مرددًا دومًا: «من تواضع لله رفعه»، وقد جعلت قرة عينك في الصلاة، فهنيئًا لك أيها الحبيب الأعز، على ما حباك الباري عز وجل من صفات الكمال الحميدة ومناقب الرجال النادرة، التي شهد لك بها الغريب قبل القريب..
أبي الحبيب.. كيف أستطيع أن أصفك، وأنى لي أن أوفيك بعض حقك، سيما وأننا تحت وطأة المصيبة العظمى.. وفي النفوس حسرات، وفي القلوب زفرات.. وفي العيون عبرات.. وإن القلوب لتحزن وإنا لفراقك يا والدي الحنون لمكلومون ومذهولون وموجوعون.. غير أننا لا نقول-إلا كما علمتنا أنت-وما يرضي ربنا: (إنا لله وإنا إليه راجعون..)
لقد كنت الأب الحنون.. والمربي الحكيم.. والجد الرؤوف الذي لا يفوت فرصة سانحة من وقته الثمين-على امتلائه بالمسؤوليات والأعباء الجسام -إلا وجاد بالتوجيه والإرشاد والتذكير بلا كلل أو ملل، ولا شدة أو قسوة، بل يرافق كل ذلك التوجيه والتربية رقة في العبارة وحلاوة في الحديث، وحجة واضحة، وأمثلة مقنعة ويتوج كل هذا بتلك الابتسامة المشرقة الحانية، التي لا تكاد تفارق ذاك الثغر الذي لا يفتأ يلهج بذكر الله ...
أبتاه.. ها نحن نتصبر ونصابر، ونحاول بين الفينة والأخرى أن نغالب مشاعرنا ونتغلب على مصابنا مستمدين كثيرا من العزم مما غرسته فينا من إيمان ومتمثلين وصيتك الربانية الغالية، رأفة وبرًا بوالدتنا الرؤوم، والتي رغم مصابها الجلل؛ فإنها تحاول جاهدة-بما أنعم الله عليها من رحمة وعناية-أن تشد من أزر هذا تارة وتحنو على الآخر تارة أخرى، وكل ذلك بإيمان كامل وصبر متواصل؛ تسليما لقضاء الله وقدره؛ متمثلة قوله تعالى: ﴿...وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة:156:155).
أبي وقرة عيني.. نعم ربما تكون قد غربت شمسك عن هذه الدنيا، ولكن ضياءك لم ولن ينطفئ مادامت الحياة وينابيع ذكرك وذكراك لن تجف مادامت بنا حياة...! وليس عندنا فحسب، بل عند كل من عايشك فعرف فيك أبًا حنونًا أو مربيًا فاضلًا أو أخًا مخلصًا أو صديقًا صدوقًا أو طبيبًا حاذقًا يداوي القلوب قبل الأجساد، فها هو أحد من أحبوك وفجعهم فراقك يشدوك فيقول:
أنت الطبيب الذي يأسوا الجراح فمن *** للموت يأسوه.. يا أستاذنا الآسي
جمعت علمًا وحلمًا، قلما اجتمعا *** في روض لطف، وإيمان، وإيناس
معلمًا، ملهمًا، مستلهمًا حكمًا *** من الحكيم، لأقوام وأجناس
لقد عشت غريبًا.. وجاهدت غريبًا.. ومت غريبًا.. فطوبى لك و(طوبي للغرباء)، وبعد أن أديت رسالتك على أفضل ما يرام؛ ناداك الرحمن، فما كان منك إلا أن لبيت نداءه في محرابك الطاهر برضا واطمئنان...﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر:30:27).
رحمك الله يا أبي رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته، مع الأنبياء والشهداء والصديقين والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، وإذ نستودعك عند الكريم الرحيم، فإن ألسنتنا وأرواحنا تشدو مع محبيك:
فسلام الرحمن يا (حسن) يحلو *** عليك السلام بعد السلام
ودعاء إلى الرحمن يرجى *** من قلوب تبكي على الصمصام