; فاستخف قومه فأطاعوه | مجلة المجتمع

العنوان فاستخف قومه فأطاعوه

الكاتب عبدالمحسن حمادة

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1979

مشاهدات 87

نشر في العدد 447

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 29-مايو-1979

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (الزخرف:54) ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (الزخرف:55) ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ (الزخرف:56)

من المفروض أن يعرف أن تولي أي إنسان الحكم فإن هذا يجب ألا يغني بأية حال من الأحوال أنه قد اكتسب حقوقًا أو امتيازات لنفسه أو أنه أصبح مطلق التصرف في المجتمع بغير قيود أو شروط.

هذا ما فهمناه من مبادئ ديننا الحنيف فالخليفة الذي ينتخبه الناس ويبايعونه على السمع والطاعة يدعو الناس إلى مساندته ومساعدته إذا أحسن كما يطلب منهم أن يقوموه ويردوه إلى الحق إذا أخطأ هذا هو المنهج الذي اتبعته الخلافة الراشدة وهي الخلافة التي سارت على منهاج النبوة.

كما تضع المجتمعات الديمقراطية الحديثة بعض المجالس التشريعية لتجعل من أهم مهامها مراقبة تصرفات الحاكم والحد من تسلطه وجبروته. إن أية أمة حرة لا ترضى أن تتألف الحكومة من الحاكم وحده أو أن تصنع منه سلطة فوق سلطة القانون أو أن يتحول المواطنون والعاملون معه إلى أتباع له ومتى رضيت الأمة بهذا تكون قد حكمت على نفسها بالضياع والانتحار. 

هذا ما أدركته الإنسانية من تجاربها التاريخية. فما من أمة لجأت أو رضيت أن تحكم حكمًا فرديًا إلا انتشر فيها الظلم والطغيان وتفشى فيها الفساد الإداري والأخلاقي، وربما اكتوت المجتمعات المجاورة بظلمها وفسادها، فهذا النظام يحمل في طبيعته الظلم والفساد والانحلال، من أجل ذلك عارض الدين الإسلامي الحنيف حكم الفرد واستبداده كما ثارت عليه المجتمعات الإنسانية بعد أن اتضح لها آثاره السلبية فنبذت هذا النظام ووضعت الأنظمة التي تضمن تقييد الحاكم وتقليص سلطانه. 

فما أسوأ أن يستخف حاكم بشعبه أو يخدعه ويغرر به.. إن هذا لهو الخيانة العظمى للأمانة التي سلمها الشعب لذلك الحاكم. ولكن الأسوأ من ذلك أن تستجيب جماهير غفيرة من أبناء ذلك الشعب لهذا الاستخفاف دون أن تستشير عقلها أو تحكم ضميرها. إن تلك الجماهير مسئولة وحاكمها أمام الله وأمام التاريخ عن النتائج السلبية الضارة التي ستلحق بالوطن فهي مشتركة مع ذلك الحاكم في الجريمة التي ترتكب ضد الوطن وضد الأمة سواء كان تأييد الجماهير بدافع النفاق والتملق أو الجهل والسفه. 

إن هذا المعنى نستطيع أن نستنبطه من أولئك الآيات الكريمة حيث تصور لنا كيف استطاع فرعون مصر اللعين أن يستخف بأحلام شعبه ويخدعه وكيف استجابت جموع غفيرة من أبناء الشعب لهذا الاستخفاف فانطلقت تلك الجماهير الساذجة المستخفة المخدوعة أو المنافقة المتملقة مطبلة ومزمرة فشجعت ذلك الطاغية على التمادي في غيه ليقودهم جميعًا إلى مصيرهم المؤلم وعاقبتهم المفجعة وهي غضب الله وانتقامه منهم وجعل قصتهم عبرة لمن أراد أن يعتبر من البشر فهم مهزومون وملعونون في الدنيا والآخرة وملعون من تفتخر بهم إلى يوم القيامة.

إن تضليل الطغاة لشعوبهم مألوف ومعروف منذ آلاف السنين ووسائلهم في ذلك كثيرة ومتنوعة منها البطش والتنكيل والإعلام الذي يسلط لإفساد طبيعة الشعب وهدم قيمه الإنسانية وخداعه وتضليله وعزله عن الحقائق والمعرفة الصحيحة حتى يسهل على الطغاة قيادته وإذلاله وتحويله إلى أضحوكة وألعوبة في يد الحاكم كالريشة في مهب الريح يقلبه كيفما شاء فأولئك الآيات تهتف للمؤمنين وتحذرهم من أن يستخف حاكم بأحلامهم فعلى الشعوب أن يكون لها وزن وقيمة وتراقب تصرفات حكامها بوعي ويقظة فهناك أكثر من دليل وبرهان على انحرافات الحاكم كما أن هناك أكثر من سبب ودافع لانحرافاته ولكن ستظل انحرافات الحكام لا وزن لها ولا قيمة إذا جابهت شعبًا واعيًا متيقظًا فالحاكم فرد من الأمة أو هو وحاشيته قلة في المجتمع لا يملكون فرض آرائهم الشاذة أو الضارة إلا في مجتمع فاسد، واليوم ونحن نرى فرعون مصر الجديد يسخر إعلامه الفاسد لنشر الأكاذيب والأباطيل بين صفوف الجماهير هادفا من وراء ذلك غرس الحقد والكراهية ضد العروبة والإسلام والاعتزاز بالفرعونية وحب إسرائيل وتصوير الجهاد والكفاح ضد عدو شرير وحاقد ومحتل للأرض همجية أما الذل والاستسلام فهو التحضر، فهل يستطيع نظام السادات من خلال هذا الإعلام الذي يسانده وينظمه الفكر الصهيوني والأمريكي الحاقد على الأمة العربية والإسلامية أن يضلل المواطنين ويغير اتجاههم ويجعلهم يحبون العدو ويخضعون له ويكرهون الصديق؟ 

إن من أهم المعاني التي نستنبطها من أولئك الآيات أن الجماهير لا تنطلي عليها أكاذيب الطغاة ولا تنخدع بأساليبهم الملتوية، إلا إذا كانت جماهير فاسقة لا مبدأ لها ولا قيم ولا تزن الأمور بميزان الإيمان أما إذا كانت مؤمنة فيصعب خداعها وزحزحتها عن مبادئها بل ستظل ثابتة على مبادئها ثبوت الجبال لا تتزحزح عنها قيد أنملة لا تنطلي عليها أكاذيب ولا تنخدع بأباطيل ولا تخشى إرهابا أو تنكيلا ولا تلتفت إلى أي إغراءات فأين يقف شعب الكنانة من هذه المؤامرة الكبرى التي تحاك ضده وضد الأمة العربية والإسلامية؟ هل ستنطلي عليه أكاذيب الطغاة والمتآمرين أم سيثور ويتمرد عليها؟ 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1149

80

الثلاثاء 09-مايو-1995

المجتمع التربوي (1149)

نشر في العدد 1177

83

الثلاثاء 28-نوفمبر-1995

المجتمع التربوي.. عدد 1177