العنوان فتاوى المجتمع (العدد 609)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-1983
مشاهدات 65
نشر في العدد 609
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 22-فبراير-1983
أأتحجب وأصبر على الطلاق
أَم أنزع حجابي حفاظًا على زوجي وأولادي؟
عشت مع زوجي وأولادي في سعادة وسرور، ثم شرح الله صدري وتشجعت للالتزام بالحجاب الإسلامي، وغطاء الرأس الذي لا يبدو منه سوى الوجه، لكن زوجي رفض الحجاب، رفضًا شديدًا. وأصررت أنا عليه، وهددني بالطلاق، وأعطاني مهلة: فإما أن أرفع الحجاب عن رأسي، وإما أن أذهب إلى بيت أهلي. وقال لي: إن موقفه لا مساومة عليه، فماذا أفعل؟ هل أنزع الحجاب، وأغضب ربي، أَم أخرب بيتي؟
ك- الكويت
وبعد عرض هذه المشكلة على الأستاذ الدكتور محمد عبد القادر. وافانا بالإجابة
الوافية التالية:
نظمت الشريعة الإسلامية شئون الأسرة، وعنيت بها أيما عناية، وفصلت أحكامها تفصيلًا دقيقًا لم تسبق إلى مثله، وتولت النصوص الشرعية في الكتاب والسُنة تبيان معظم الأحكام المتعلقة بالزوجين، من بدء الخطبة حتى انتهاء الزوجية بالفرقة، بالطلاق أو الموت. ولم تتركها لأعراف الناس وعادات المجتمعات، وتقاليد الأجيال، وذلك لإشعار الزوجين، بأنهما مرتبطان برباط ديني مقدس، ترعاه العناية الإلهية في كل الأحوال، ولا تتخلى عنه في خطوة من الخطوات أو في ظرف من الظروف.
وكان مما حدده الإسلام ونظمه: حقوق كل من الزوجين على الآخر:
1- فهناك حقوق للزوجة على زوجها، وهي: المهر، والنفقة، والعدل بينها وبين غيرها.
2- وهناك حقوق للزوج على زوجته، وهي: الطاعة، والقرار في بيت الزوجية، وثبوت النسب، وولاية التوجيه والتربية بالمعروف في الشرع.
3- وهناك حقوق مشتركة بينهما، وهي: حل الاستمتاع، وحسن المعاشرة، وحرمة المصاهرة، والميراث.
وجعل الإسلام القوامة في الأسرة- وهي الإدارة والمسئولية- للزوج. نظرًا لأنه الأقدر عليها، قوة وإنفاقًا، ورعاية وتقديرًا. كما جعل الفرقة بالطلاق- إذا تعثرت الحياة الزوجية، ولم يكتب لها الاستمرار والبقاء- حقًّا للزوج، باعتباره مسئولًا عن عواقبها المادية والتزاماتها الاجتماعية.
لكن الإسلام لم يجعل الطلاق سلاحًا بيد الرجل، يضار به الزوجة، ويهددها به في كل مناسبة، وإنما جعله علاجًا لآلام لا يصبر عليها، ومخرجًا من حياة جحيم لا تطاق.
وعلى هذا، فليس للزوج أن يتخذ من حقوقه على زوجته، التي تمثل في وجوب طاعته، وفي حقه في الطلاق، ما يتنكب به عن سبيل الدين، ويخالف حق رب العالمين: فإذا كان له عليها حق الطاعة، فإن حقه هذا مقيد بالطاعة في غير ما هو معصية لله تعالى: فليس له مثلًا أن يمنعها من الصلاة، أو الصوم المفروض، وليس له حق منعها من زيارة أبويها، أو صلة رحمها، وليس له أن يأمرها بمخالطة الأجانب، أو ارتياد دور اللهو، أو فعل ما يمس الشرف والفضيلة.
وفي هذا يطلق النبي- عليه الصلاة والسلام- هذه القاعدة الفذة العامة، إذ يقول: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
ويعتبر الإسلام الحجاب من دعائم البيت المسلم، والأسرة المسلمة، ومن ميزات المرأة المسلمة التي تتمسك بها، وتعتز بها، وتحرص عليه في مواجهة الإثارات والتحديات. إنه يرمز إلى الطهر والعفاف، وقد عرفه العرب في الجاهلية، وورد في بعض الأشعار، وأمر به الإسلام شرعًا صريحًا، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ﴾ (الأحزاب:59) أجمع أهل العلم، على أن هذه الآية نزلت في الحجاب، ولا يخالف أحد من أهل القبلة والإسلام في أن المرأة كلها عورة مستورة، إلا وجهها وكفيها وقدميها، وما سواها واجب الستر والحجب، إلا عن الزوج والقريب المحرم.
وهذا الحكم يتفق مع آداب الإسلام، ونظامه العام، في سد الذرائع وكل ما يؤدى إلى الاختلاط الآثم، أو يورث خللًا في أحكام الأسر. أو يشكل خطرًا على البيوت الآمنة، والزوجية المطمئنة الوادعة.
والحجاب في الإسلام وسيلة نظيفة حكيمة، لمنع الاختلاط وسد الطريق أمام العابثين في الأسر، وهو مصل الوقاية، وصمام الأمن، من كل ما يهدد شرف البيوت.
ونغمة السفور لم تتسرب إلى المجتمع المسلم. إلا من ظلمات الغرب، وتدابير اليهود، ولما قام «قاسم أمين» يدعو إلى السفور، أفتى الشيوخ في الأزهر بكفره. ولا يلتفت إلى الذين يريدون أن يطوعوا بعض النصوص في السُنة النبوية للسفور، لأنها مستضعفة مخالفة نصوص القرآن، وإجماع الأمة المسلمة، والأحاديث مشهورة، في وصف أهل النار من النساء:
رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة «أي رهن مصففة على رؤوسهن كأسنمة الجمال» لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها».
لقد كنا وكان الشرف والتحشم والفضيلة، في صون وعفة، حتى أندس بين المسلمين، بعض المتغربين، فزينوا للمسلمين السفور والاختلاط والعري. فهبط الذوق السليم، وفر الناس إلى واد سحيق موحل ملوث، بلذائذ المادة واللحم.
إنما يريد الإسلام من الحجاب الرمز إلى الفصل النظيف المهذب بين الجنسين، لينصرف كل جنس إلى مهامه الدينية، وواجباته الدنيوية، ولئلا ينزلق في متاهات الجنس.
وأرادوا من السفور الاختلاط الذي لا يقره الشرع، والصلات التي يرتاب فيها المؤمنون المحافظون وإثارة الغرائز، وتحريك المشاعر الوادعة النائمة.
روى الكاتب الكبير الأستاذ أحمد تيمور باشا في كتابه: تراجم أعيان القرن الثامن عشر: أن رئيس بعض المحاكم الأهلية في مصر «أيام أن كان رئيس الوزارة المصرية نوبار باشا الأرمني» أراد أن تسفر امرأة مسلمة متحجبة، لحاجة القضاء إلى زيادة التعرف على شخصيتها: فامتنعت المرأة، وقالت: إن الشريعة الإسلامية لا تبيح السفور.
فاستفتى رئيس المحكمة شيخ الأزهر «الإمام الشيخ محمد مهدي العباسي»، وكان هو أيضًا مفتي الديار المصرية، فأفتى الشيخ بعدم جواز السفور وشدد في المسألة.
فما كان من نوبار باشا إلا أن سعى لدى الخديوي لعزل شيخ الأزهر، فلما سمع بهذه السعاية الشيخ المهدى، قدم استقالته من مشيخة الأزهر ومن الفتوى معًا، قبل أن يفكر الخديوي في موضوعه، ولم يأسف عليهما.
رئيس الوزارة النصراني الأرمني يهتم بنزع الحجاب، وعصابة من اليهود ألحت على إمرأة عربية مسلمة- في عصر الرسالة- وكانت فتنة تمخضت عنها غزوة معروفة هي غزوة بني قينقاع.
والكفار هم الذين يدعون إلى السفور، أما المسلمون فدعاة فضيلة وحجاب.
وإنا لنكبر في السيدة التي طرحت هذا السؤال، حشمتها وتمسكها بأهداب الدين، ونرجو أن يوفق زوجها الأخ العربي المسلم إلى توازن بين زوجته الصالحة، وبين المستهترات، ويذكر أنه «ما رزق المرء بعد الإيمان بالله أفضل من زوجة صالحة: إن نظر إليها سرته، وإن أمرها- في غير معصية- أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله».
وإن أمر الزوجة بالسفور، مضارة لها في دينها، وفي خصائصها الذاتية العقدية، وإحراج محرم لها، وهو منهي عنه، كشتمها وضربها وإهانتها، وكل ذلك ضرر، يسيء إلى الحياة الزوجية، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وإذا وقع الضرر وجب رفعه وإزالته.
وإزالة الضرر الواقع على الزوجة يرتفع بأحد أمرین:
أولهما: رفع الأمر إلى القاضي، الذي يأمر الزوج بحسن العشرة، والكف عن المضارة، فإن استجاب فيها، وإلا أدبه بما يردعه عن الإضرار بزوجه. وهذا مذهب الحنفية والشافعية.
الآخر: إنها ترفع الأمر إلى القاضي لكي يفرق هو بينها وبين زوجها. وهذا مذهب الإمام مالك. والقاضي يحاول الإصلاح، والتحكيم بين الزوجين بواسطة الأقارب، وهذا ما أخذ به مشروع قانون الأحوال الشخصية الكويتي.
ومن هذا العرض المبسط، يتضح أنه لا حق للزوج في هذا الإكراه الأدبي لزوجته على السفور، وإنه حرام عليه، يؤاخذ به أمام القضاء في الدنيا، وأمام رب العالمين وفي الآخرة.
وإنه لا خيرة للزوجة في الأخذ بالسفور المحرم، حفاظًا على الحياة الزوجية، لأن الحياة الزوجية المرتكزة على أسس محرمة لا تستمر، ولا يكتب لها الاستقرار والسعادة.
إذ للزوج أن يطلق زوجته، ولو كان الطلاق بغير سبب، لكنه محرم، يستحق العقاب، وللقاضي أن يقرره كلما استعمل الطلاق في غير سبب مبرر معقول.
وإنه لا فائدة من استرضاء الزوج بمعصية رب العالمين. وأسعد الناس من أسخط الخلق في سبيل مرضاة الله، وأشقاهم من أغضب الخالق لمرضاة المخلوقين.
نسأل المولى أن يبصرنا بديننا، ويوقفنا عند حدوده، ولا يجرئنا على التسابق إلى نار الجحيم.
وكتب
ا. د. محمد عبد القادر محمد
الكويت:
4 من جمادى الأولى سنة ١٤٠٣هـ
17/ 2/ 1983 م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل