; المجتمع الثقافي.. عدد 1657 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1657

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2005

مشاهدات 69

نشر في العدد 1657

نشر في الصفحة 48

السبت 25-يونيو-2005

 

فدا..

قصة التقاء الموت والحياة عند الحواجز اليهودية

برمنجهامدأحمد عيسى

أستاذ بكلية طب جامعة برمنجهام لندن

مستوحاة من حادث حقيقي وقع يوم 25\2\2002 بقرية زيتا قرب نابلس.

مات زوجي قبل أن يرى ابنتنا التي طالما راوده خيالها في الأحلام بالليل والنهار.

أصوات الآليات والدبابات والجرافات الثقيلة تزعج الآمنين النائمين، تلوث الشوارع المباركة الراقدة على تلال الزيتون الخضراء، تلوث بالضوضاء الأثيمة الأثير الذي يحوي تراتيل الأنبياء ومزامير داوود، وتسمم الأبخرة السوداء الهواء.

كانت الأشواق في صدر «ميسون» الحامل بالجنين البكر، تملأ أحلامها بورود وأزهار الميلاد، وابتهاجات وأفراح القادم الجديد.

لعله حين يأتي يخففولو بالانشغال بهمعاناة الحياة اليومية تحت الحصار، غير أنها كثيرًا ما يصيبها الهم حين تتذكر ما قد يصيب المولود من ذلك، ترى هل يجوع إذا توقف ثديي عن العطاء، وأنا أعاني قلة الغذاء وإذا منعنا الجنود من الوصول إلى لبن نشتريه؟

يا له من زوج رائع وهبني الله إياه بعد أن حرمت من الأهل والإخوان، تمشي ويدها على بطنها التي أثقلت بالحمل، وتدلف إلى حجرة الجلوس المتواضعة ببطء وهي تتنفس ببعض الصعوبة... ومال لهب الشمعة يتراقص مع زفيرها.. جلست لتنظر ما يزين الجدار، صورة الأسرة والأجداد مكبرة، بالأسود والأبيض، وحركة ضوء الشمعة يدنيهم ويبعدهم ويرسم ظلالًا وغموضًا على الوجوه... كأنهم في حركة مع النور.. «قتل جدي الأكبر في ثورة 36 ومات جدي في حرب 48، ويعيش والدي في أحد المخيمات البعيدة».

كادت إشراقات الشمعة تنطفئ بالدموع.. ما لي إلا الله ثم زوجي الحبيب، هو كل ما أملك من تراث الوطن السليب، وطين الأرض المبارك، أشم في عرقه رائحة الأزهار في بساتين البرتقال واليوسفي والياسمين، وأرى في عينيه عمق التاريخ والحياة والنجاة والهناء، وولدي منه هو إمتداد لذلك.

ذهبت اليوم يا زوجتي للمدرسة.. وفي الطريق وجدت الجرافات تهد بيوت الأبرياء، وتنكش في ترابنا وتاريخنا وتراب أنبيائنا.. لم أجد بالمدرسة إلا نصف زملائي المدرسين، منعهم الحصار من توصيل العلم، ومن تربية الأجيال، وكذلك الطلبة غاب منهم الكثيرون، كان الدرس في التاريخ... تاريخ الأندلس.. نهاية الأندلس، حدثتهم أننا دخلنا الأندلس بشجاعة وعزيمة وإيمان وطموح الأجداد، وبقينا في الأندلس ما بقينا مع الله، بوحدة الكلمة والتحام الصف، ووضوح الهدف ومتانة العقيدة وازدهر فيها العلم وقامت الحضارة يفنونها وآدابها، وكان التسامح والحرية..

ومرت الأيام ومال المسلمون في الأندلس إلى حياة الرخاء والنعيم متناسين ما يمكر بهم، وهم في خصوماتهم وترفهم، وضاعت الأندلس لما أضعنا طريق اللهوتوقف صهيل الخيل العربية في قرطبة ثم أخيرًا في غرناطة، وبدأت مفاوضات التسليم في أكتوبر عام 1491 !

وأنهيت كلامي وأنا أبكي وأقوللقد «احتفل» العالم بهزيمتنا بعد «500 سنة» تمامًا في مؤتمر مدريد في أكتوبر عام 1991 م!!

كان بكاء الطلاب الصامت لسقوط الأندلس وإرهاصات سقوط فلسطين يزيد المكان رهبة فوق رهبة، ويشعرني معهم بفقدان الأمل وحيرة النفس وحسرة القلب.. أراهم وعيونهم الغائرة الأبية يملؤها الأمل والحب والإصرار، تشع منها البراءة المعذبة بالجوع والحرمان.

عدت من المدرسة بسيارتي وكلما نظرت في مرأة السيارة كانت وجوه الطلاب تلاحقني وكأنها تتهمني... وكان بينهم وجه ابننا أو ابنتنا المنتظر... فينتابني مزيد من مشاعر اللهفة والخوف.. كأنني أضم المولود إلى صدري بعيونه الضاحكة وأشعر بنضارة جسده الطاهر كندى الصباح.. يستوقفني جنود الاحتلال عند كل بوابة وركن وتقاطع طريق.. كأنها منافذ سجن كبير لا تنتهي.. أمد دون تفكير يدي بالهوية وكأنني مخدر من عبق الحاضر والماضي.. تعود جنود الاحتلال رؤيتي وسيارتي كل يوم.

عاد «محمد» إلى البيت حيث يسكن أبوه وأمه في الطابق الأرضي، ومر عليهما وقبل أيديهما، وصعد وهو يشم رائحة الأعشاب الوطنية التي تعودت زوجه «ميسون» غليها وشربها عند المغص، فأدرك أنه ربما اقترب ميلاد الابن الأول، فأسرع في سعادة وبشر.

نعم.. اقترب المخاض، ولكن ليس بعد.. هل أنادي أمي يا ميسون؟.. ليس بعد.. نحن في المساء، ولعل الله ييسر الأمر في الصباح، فالمستشفى بعيدة بنحو 12 ميلًا وهي رحلة صعبة إلى نابلس مليئة بحواجز جنود الاحتلال ونقاط التفتيش.

جلس إلى جانبها يمسح عرقها ويلامس بطنها بحنان وشفقة، ويشرد بفكره إلى المستقبل القابع في رحم الغيب، ويبتسم حين يتخيل المولود وكيف كبر وهو يجري في السفوح بين السنابل الخضراء وأشجار الزيتون وزهور الليمون.. ثم يتذكر الأولاد الذين رآهم يعودون من المدرسة فلا يجدون بيوتهم إلا حطامًا فيبحثونودموعهم تخنقهم عن لعبتهم المفضلة، ودفتر المدرسة وصورة جدهم التي كانت معلقة هناك...

جاء الغرباء ليسرقوا النقوش والقباب، والنفوس والأحباب.. نبهته زوجته من شروده وهي تضغط بقوة على يده لينساب منها الألم..

يا ترى هل سنعيش لنرى طفلنا؟

هل سنرى بذرة الخصب في حياتنا العقيمة؟

أين الأمل في الله يا محمد؟ قالتها وصرخت صرخة عالية، فالرحم الآن بدأ انقباضه الذي يعصر ثنايا الروح وأحشاء البطن.. هيا بنا؟ لا.. ننتظر للصباح.. والألم؟ لم ترد وهي تكظم حشرجة الكلام وتعض الشفتين.. مضت ساعة والأم تتألم أكثر وأكثر.. لا بد أن نذهب للمستشفى لا أستطيع أن انتظر.. لا اتحمل ألمك يا حبيبتي...

في الساعة الثانية صباحًا ركب محمد سيارته مع زوجه وأبيه الذي صمم أن يذهب لعل شيخوخته تشفع للسيارة أن تعبر الحواجز.

كان أول الحواجز يقترب وكل يدعو بدعائه الخاص.. أوقف الجنود السيارة وقاموا بالتفتيش وقام أحدهم بتحسس بطن الأم والطرق عليها حتى يتأكد أنها ليست قنبلة!!

ومرت السيارة وألم الأم يملأ أكناف المكان، وفجأة بعد دقائق أمطرت السيارة بوابل من الرصاص.. على التلال كانت تقبع أربعة سيارات مصفحة ودبابتان تطل على نقطة تفتيش أخرى..

أصابت رصاصات محمدًا وأباه، وجاءتها شظايا في كتفها وبطنها.. وبعد ثوان أصابت الطلقات إطارات السيارة فتوقفت.. وخرجت «ميسون» من السيارة وهي تصرخ وتبكي وتنتفض وتنزف..

الآن بعد دقائق من توصيلها للمستشفى، قبيل أذان الفجر، وضعت «ميسون» طفلتها البكر.. الآن والطفلة تمص من ثدي الأم، ينبهها اللبن الخارج من أعماق الصدر عن مأساة العمر.. الطفلة التي ولدت يتيمة تسأل أين الأب وأين الجد وأين القبلات...

خرجت من السيارة لأرى زجاجها المهشم وزوجي الحبيب وأباه قد فقدا الوعي وتسربلا  بالدم الطاهر.

صرخت للجنود بالإنجليزية « there is a baby» هناك «بيبي» هناك «بيبي».. قالتها وهي تحكي وتغطي وجهها المرصع بالدموع في رأس الطفلة برفق وحزن.. نسيت حينها وأنا أرقد على الأرض أنني على وشك الوضع...

الصدمة والألم والدم في كتفي وبطني والبرد القارس يسري في كياني مدة طويلة.. إلى أن حضرت سيارة الإسعاف الوطنية.. كنت أقبض على تراب الأرض الطيبة، وأنظر إلى السماء كاني أسمع أناشيد الملائكة.

مات زوجي محمد.. قطعت جسده الغض 25 رصاصة..

لم ير ابنتنا التي طالما راوده خيالها في الأحلام بالليل والنهار.. والجد صار مشلولًا من رصاصات في ظهره.. مات مدرس التاريخ، وشل غارس شجر الزيتون، أما المولودة فقد سميتها «فدا»..

واحه الشعر

شهادة التوحيد

شعرمحمد أبو دية

مهداة إلى المهتدين الجدد الذين ترعاهم لجنة التعريف بالإسلام في دولة الكويت.

افرح بها.. واسعد بيوم العيد     واهتف بها بشهادة التوحيد

واسجد لمن أوحى بها لعباده     واشكر له للواحد المعبود

أحلى من الشهد المصفى طعمها     والتين والرمان والعنقود

أشهى من الماء الزلال على الظما      متفجرًا من صخرة جلمود

ردد ولا تتعب من الترديد       واهمس بها في أذن كل وليد

هي كلمة لكنها قدسية      عربية قرشية التجويد

أممية شرقية غربية      كلماتها تحلو على الترديد

كل الجبال تحبها ونحبها      الله أكبر.. يا جبال أعيدي!!!

شهد الجبال بها وكل موحد     بالرغم من مستكبر عربيد

                                   ***

الله أكبر والشهادة أنتما      صنوان فوق منابر التوحيد

وشهادة هتفت بأن محمدًا     بدر الهدى في المعتمات السود

فاعمل بهن ولا تكن متهاونًا      لتفوز بالجنات غير بعيد

واسجد لمن ملك الخزائن كلها     وعجائبًا من طارف وتليد

الشمس فوق ديارنا وهاجة      والبدر أنوار بكل صعيد

واللامعات على السماء لآلئ       قد زينت صدر السما بعقود

سبحان من دفع السفين بنسمة       حملت إلى البحار عطر ورود

رد السفين محملًا بروائع       يوم القفال وفرحة ونشيد

                                   ***

والسارحات بكل أرض رزقها        أجمل بها ويوردها المورود

وعلى سروج الخيل كل مغامر         يجتاح يوم الهول كل حقود

                                     ***

اهتف بها بشهادة التوحيد        لا تسمعن من قاعد وبليد

واشكر لمن ملأ الرياض سنابلًا      وحمائمًا من أمة التغريد

وبلابلًا صدحت بكل حديقة        ونشيدها ضرب من التمجيد

بادر بها أهل الضلالة واصطبر       لا تيأسن من شارد وعنيد

فعسى يعود عن الجهالة والهوى       لينال عفوًا من عظيم الجود

اعمل بها وافخر بها واهتف بها       واقرأ كتاب الله بالتجويد

اعمل بها وافرح بيوم العيد         واهتف بها بين القرى والبيد

جبل الحجاز يحبها وتحبه      ولها بطيبة ألف ألف نشيد

والقدس تهوى عطرها وجمالها       وتحبها من ثغر كل شهيد

عربية قرشية أممية         كلماتها تحلو على الترديد

***

اللغة العربية وحرفها.. لغة حضارة (2)

خصائص اللغة الصالحة للحياة

أ.دحامد بن محمود آل إبراهيم

alibrahimh@hotmail.com 

اللغة الصالحة للحياة هي التي تستطيع التعبير عما يأتي:

  1. التعبير عن حاجات العصر على نحو يتصف بما يلي:

  2. الدقة.

  3. الصحة.

  4. السلامة.

  5. المنع.

  6. الجمع.

  7. التعبير عن مجالات النشاط الإنساني:

  8. النشاط الأدبي.

  9. النشاط العلمي.

  10. النشاط الفني

  11. أن تساير التطور وتتسع لحاجاته ومطالبه.

  12. أن يكون لها قواعد واضحة ومنضبطة.

والسؤال الآنهل تمتلك اللغة العربية القدرة على الوفاء بهذه المجالات؟

وللإجابة عن هذا السؤال نقول وبالله التوفيقإن اللغة العربية قد امتحنت ووضعت على محك التجربة العلمية عدة مرات، أشهرها أربع تجارب، وقد أثبتت جدارتها وأهليتها لأن تكون لغة حضارة لا تغيب عنها شمس الحياة.

التجربة الأولىنزول القرآن الكريم:

وهذا الحدث يمثل قمة التجارب! بل هي الاختيار الإلهي للغة كي تحمل الوحي، وتكون وعاء له، فقد جاء الكتاب بأحرف العرب وكلماتهم، وعلى غرار تراكيبهم، ولكنه جاء على نسق لم يعهدوه، وتناول مواضيع وأمورًا لم يعرفوها ولم تخطر لهم على بال! تناول القصص التاريخي، وتناول الأحكام، والمبادئ الاجتماعية، وشرح تطور الأجنة في بطون أمهاتها، وارتفع إلى تراكيب السحب وتطوراتها، ووضع أسس علم الميراث، وحدود شروط التجارة، وتعاليم الدين، وأسس العقيدة، والشريعة، ومبادئ السياسة، وما لا يحصى من أمور الدنيا والآخرة، فلم تعجز العربية ولم تنزو، بل كانت غضة سمحة مرنة، تفيد في الإفصاح، والتعبير.

التجربة الثانية: سياحة العرب والمسلمين في الأرض: أخذت الدعوة الإسلامية تنتشر، تحمل العربية معها، حتى دخلت فيها أمم كثيرة، بعضها قد بلغ من الحضارة والمدنية والعلوم والحكمة والفلسفة أرقى الذرى، وكان لهذه الأمم لغاتها التي اتسعت لحضارتها وفنونها، وقد كان هذا التحدي وهذه التجربة كفيلين باختبار العربية اختبارًا قاسيًا، وأعان على ذلك أن المسلمين العرب كانوا أهل بداوة وسذاجة، لم يعتادوا تلك الفنون.

فكيف كانت نتيجة هذا الإمتزاج الحضاري! لقد استطاعت اللغة العربية أن تستوعب كل هذه الحضارات، وكل تلك العلوم، فلم تضق بها، أو تجمد عن الغوص والخوض فيها، بل زد على ذلك أن أصحاب هذه الحضارات العريقة قد تركوا لغتهم الأم واستبدلوا بها هذا اللسان الفصيح القويم.

التجربة الثالثة: العصر العباسي واختراع العلوم: بعد أن استقرت أمور الدولة العملاقة، بدأت تبتكر العلوم بلسانها العربي، فوسعت الطب والهندسة والكيمياء والرياضيات والفلك، وكثيرًا من الصناعات، وزادت فيها، وابتكرت النحو والصرف والعروض، وعشرات من العلوم الحديثة، عبرت عنها بآلاف من المصطلحات الجديدة، وترجمت إليها علوم اليونان وفلسفتها وعلوم فارس والهند.[1][2]

التجربة الرابعةالعصر الحالي ومتطلباته: لقد أثبتت اللغة العربية قدرتها على استيعاب العلوم الحديثة وأداء متطلباتها، والذي يتصور أن المواد التي تدرس حتى نهاية التعليم الثانوي كانت في أصلها عربية بجانب الحقيقة، فقد بدأت هذه العلوم باللغات الأجنبية ثم استوعبتها العربية، ولكن يلاحظ أن الدراسات الجامعية والتي بدأت كذلك بالعربية قد حالت القوى الاستعمارية دون استمرارها.

يقول الأستاذ الدكتور زهير السباعي، أستاذ الطب بجامعة الملك فيصل:[3] إن تعلم اللغة العربية كان شرطًا من شروط الجامعات الغربية على الدارسين للطب فيه، وما إن بدأ العصر الحديث، عصر الاستعمار حتى تغيرت لغة التدريس والتعليم في الدول العربية، من اللغة العربية إلى لغة المستعمر في كل بلد عربي، لذلك نرى أن الإنجليزية أصبحت لغة تعليم الطب في مصر بعد الاحتلال البريطاني له «عام 1299 هــ - 1882 م»، وكذلك العراق «عام 1345 هــ - 1927 م»، والخرطوم «عام  1353 هــ - 1934 م»، حيث أنشئت كليات الطب باسم المستعمر «كلية طب كتشنر»، ومدرسة الطب اليسوعية في لبنان، وقبلها الكلية السورية الإنجليزية في بيروت، والتي أصبحت فيما بعد بالجامعة الأمريكية، إن لغات التعليم في هذه الكليات والمدارس كانت الفرنسية والإنجليزية! بينما فيالصومال لغة المستعمر الإيطالية.

ويضيف السباعي، أن دراسة إحصائية تمت في جامعة الملك فيصل أظهرت أن الدراسة بالعربية تتفوق قراءة واستيعابًا عنها بأي لغة أخرى بــ 66,4 ٪ وأن المصطلحات التي ينعق بها الناعقون، لا تتجاوز 3,3 ٪ وما عدا ذلك 96,7 ٪ في جميع المراجع كلام ومفردات عادية غير متخصصة، ولا تستحق أن نلوي ألسنتنا لأجلها، على حد تعبيره، ويضيف إلى ذلك، إن تعليم الطب حاليًا في سوريا، لم يؤد إلى تدني مستواه، بل إن نتائج الأطباء السوريين في امتحان 1 ECFMG الذي تعقده الولايات المتحدة الأمريكية عدة مرات كل عام للأطباء الأجانب وباللغة الإنجليزية، لم تقل عن مستوى نتائج زملائهم الأطباء من مختلف أنحاء العالم، بل إن معدلات الأطباء السوريين كان أفضل بقليل، فكيف نقول إن تعليم الطب بالعربية سوف يؤدي إلى تخلف الطب في بلادنا!! ولماذا لا يقال هذا عن «إسرائيل» التي تعلم الطب بالعبرية! لقد تمكن الكيان الصهيوني الذي لا يزيد عدد سكانه عن 4,5 مليون نسمة «ومن الشتات، أي أن لكل تراثه ولغته الأم» تمكن من إحياء لغته العبرية من موات، وأصبح يدرس كل المعارف بها، بما في ذلك الطب.

ترميم اللغة العبرية!

ومن المعروف أن إسرائيل قامت بترميم اللغة العبرية الميتة بسرقة قدر لا بأس به من قواعد اللغة العربية كعادتهم.

وقد درست الجامعة الأمريكية الطب، في أول نشأتها باللغة العربية، ووضع أساتذتها الكتب النافعة ودرست مدرسة قصر العيني في القاهرة الطب باللغة العربية، ويقول الدكتور أحمد شوكة الشطي[4] عن هذه الكتب... «لو تصفحنا الكتب التي ألفت، أو ترجمت في مدرسة قصر العيني يوم كان الطب يدرس باللغة العربية، لوجدناها كتبًا ممتازة لا تقل عن أمثالها في ذلك الحين من كتب الغرب،جودة في الطبع، وحسنًا في التعبير، وبراعة في الإيضاح»، ولكن هذين المعهدين تنكرا للعربية فيما بعد، وسادت لغة المستعمر.

وأما كلية الطب في دمشق والتي أنشئت عام 1337 هــ - 1919 م أي منذ أربعة وستين عامًا، فقد استمرت في التدريس باللغة العربية، وأغنت المكتبة العربية الطبية بما يزيد على الثمانين مجلدًا في فروع الطب المختلفة.[5]

والعجيب أن الطبيب لا يستطيع تشخيص المرض دون معرفة أعراض العلة، وذلك يستلزم شرح دقيق من المريض يوضح مكنونات مرضه، وهل يمكن أن يتم ذلك إلا بلغة المريض ولسانه!

وقد أحست بعض دور النشر الأجنبية بأن اللغة العربية سوف تأخذ مكانتها في الجامعات فبدأتبدافع تجاريتعمل برامج لتشجيع ترجمة الكتب الجامعية، ومن يتابع المكتبة العربية الجامعية يجد الكثير من الكتب قد ترجم فعلًا أو تم التأليف فيه.

ولا شك في أن وجود المراجع باللغة العربية، ووفرتها، سوف يتيحان للنابغين من طبقة الفنيين فرصة متابعة التطورات العلمية السريعة والشاسعة التي تعيش هذه الطبقة بمعزل عنها الآن، وإذا كانت بلادنا تعاني من وطأة الخبراء الأجانب فليس ذلك إلا نتيجة منطقية لعزل الفنيين من أمتنا عن متابعة التطور التقني، وعدم صقل مواهبهم.

إن اللغة هي الوعاء للثقافة والتاريخ والتراث الفكري والعلوم والمعارف، لذلك كان حرص أعداء الأمة قديمًا وحديثًا، على إضعاف الأساس الفكري الاجتماعي، بإقصاء اللغة العربية عن واقع الحياة تدريجيًا ومن ثم قتلها نهائيًا.

الأمة عندما تُسلب إرادتها

علي عبد العال

حالة التراجع الحضاري، والتردي الأمني والعلمي والسياسي التي تحياها الأمة الإسلامية ترجع أسبابها في نظر البعض إلى الأوضاع الاقتصادية للأمة، والتخلف التقني والبشري، الذي ترزح تحت نيره، وقلة مواردها، إلى جانب الانفجار السكاني، والفساد الإداري.

ومع التقدير الكامل لقيمة هذه النتائج، إلا أنها تظل تحوم حول القضية الأساسية، في هذا الواقع المثخن بآلامه، دون أن تستهدف السبب الرئيس، الذي انتهى بها إلى كل هذه التوابع.

فليست قضية الأمة في ضعف مواردها، وتخلف كوادرها، وفشل خططها الاقتصادية، وإتساع الهوة العلمية بينها وبين غيرها من الأمم.

وإنما قضيتها في سلب إرادة الأمة، مما أجبرها على السير عكس الاتجاه المفروض أن تكون فيه.

فلسنا أمة متخلفة، تنقصها العقول المبدعة، والأيدي التي تبادر بالتنفيذ.. خاصة أن لنا تاريخًا يشهد بأن المسلمين لو أتيحت لهم الفرصة لتحولوا إلى طاقات قادرة على تغيير ملامح البشرية من جديد.

ورغم هذا التراجع المفروض على الأمة، إلا أن من أبنائها من لا يزالون يأخذون مواقعهم، بين أكبر العقول الإنسانية، قدرة وإبداعًا، في كافة المجالات «كيميائية وطبية وفلكية وذرية ... وأدبية وأخلاقية أيضًا».

إذن فالقضية ليست في مقدرات الأمة، بل على العكس، ربما تمتلك من المقدرات ما لو أُحسن استخدامه، لوضعها في حال غير ما هي عليه الآن، وإنما القضية في القرار الذي سُلب منها، وأصبحت بعد هذا السلب، تقاد لما يراد لها، تقاد إلى حتفها رغم علمها بما يتهددها من أخطار.

صارت الأمة الإسلامية لا تملك قرارها، أو قل سُلب منها على حين غفلة لم تكن في الحسبان.. ولا شك أن الأمة التي لا إرادة مستقلة لها، أمة ميتة أو قل مريضة أو أنها تحتضر.. وهذا هو الجزء الأهم في هذا التحدي، المتمثل في كيفية إحياء هذا الموات، وانتشال الأمة من سباتها اللا إرادي، ومحاولة استنقاذها من بين أنياب الذئاب.

 

[1] علي عبد الله الدفاعالموجز في التراث العلمي العربي والإسلامي 1399 هــ - 1979 م، دار النشر جون وايلي وأولاده.

[2] علي عبد الله الدفاعنوابغ علماء العرب والمسلمين في الرياضيات، 1398 هــ - 1978 م، الناشر جون وايلي وأولاده.

[3] زهير السباعيتدريس الطب باللغة العربية، بين مؤيديه ومعارضيه، مجلة الخفجي، يوليو عام 1996 م.

[4] أحمد مطلوبدعوة إلى تعريب العلوم في الجامعات ، 1395 هــ - 1975 م، دار البحوث العلمية.

[5] قدري طوفان وأحمد شوكة الشطي وفاضل الطائينشاط العرب العلمي في مائة سنة، عام 1963 م، بيروت.

الرابط المختصر :