العنوان فرح المُخلَّفون بمقْعَدهم
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-2000
مشاهدات 50
نشر في العدد 1388
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 15-فبراير-2000
من يتأمل موقف دعاة «ثقافة السلام» وموقف المخلّفين على عهد رسول الله ﷺ، يجد تشابهًا في بعض الجوانب، واختلافًا في بعضها الآخر، فالتشابه يكمن في رغبة الفريقين في القعود عن الجهاد وعدم «النفرة» في الوقت الصعب أو غير الملائم، والاختلاف يتحدد في كون الفريق الأول دعاة «ثقافة السلام» يدعو إلى الاستسلام للعدوّ بدعوى «العقلانية» دون أن يصرح بلفظة «الاستسلام»، أما الفريقِ الآخرِ فيدعو صراحة إلى «عدم الجهاد» لأن الحر شديد ولأن أعضاءه يكرهون الجهاد بأموالهم وأنفسهم.
قال تعالى: ﴿فَرْحَ الْمُخَلْفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خلاِفَ رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبلَ اللَهِ وقالَوا لا تنفروا في الْحَرِّ قلُ نَار جهنَمَ أَشْد حَرَا لُوْ كَانوا يفْقْهون﴾ (التوبة: 81)، الفريقان لا يحبان الجهاد ويكرهانه، وإن كانت الأسباب والغايات تبدو متباينة، ومع ذلك تبدو خطورة دعوى «ثقافة السلام» في عصرنا، لأنها مصطلح ملتبس، يثير من المشكلات أكثر مما يثير من الحلول والإجابات، فدعوى ثقافة السلام تعني فيما تعني أننا دعاة حرب، وأننا أشرار، وأننا نذهب إلى الغير لنقاتله ونسفك دمه، وندمر بيته، كما تعني فيما تعني أن الهمجية العاطفية هي التي تسيرنا وتقود خطانا وتمسك بتلابيب أمخاخنا وعقولنا.. وواقع الحال يؤكد عكس ذلك، فالغير أو الخصم أو العدو هو الذي يشن علينا الحرب وهو الشرير الذي يأتي إلى ديارنا ليخرجنا منها ويقيم فيها ويقاتلنا ويسفك دماءنا ويدمر بنيتنا، وهو الذي يسير ويتحرك بهمجية غير مسبوقة في التاريخ، لا عقلانية فيها ولا تفكير، اللهم إلا عقلانية الشر وعلمية التخريب، إن صح التعبير!
لقد فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله، لأن القعود راحة ومتعة، كما يتوهمون، ولا يعلمون أنه مخالفة وعصيان حين يحدق الخطر بالناس، ثم وهو الأهم أنهم كرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، ونلاحظ أن آيات الجهاد تتحدث دائمًا عن الجهاد بالمال قبل الجهاد بالنفس، فقد يفرط الإنسان في نفسه، ولكنه يظل حتى آخر حياته يحرص على المال حرصًا شديدًا، وهو ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿وتَحبُونَ الْمَال حبًا جمًا﴾ (الفجر: 20) ليس كل الناس كذلك، ولكنه منهج الأغلبية التي لم يرتق وجدانها، ولم يصف قلبها، ولم تخلص في إيمانها.. المهم أن كراهة الجهاد بالمال والنفس سبب رئيس للقعود عن الجهاد، ويأتي سبب آخر للقعود وهو عدم النفرة في الحر، وقد يكون سببًا وجيهًا لأنه يعني صعوبة في المواجهة وعائقًا عن تحقيق النصر المأمول، ولكن الحكمة الإلهية اقتضت أن يعلمنا الرسول ﷺ أن الجهاد في الأوقات الصعبة هو قمة الإيمان والطاعة، وهو أيضًا الطريق إلى نصرة الله وعزة المؤمنين.
والمخلفون نوعان، الأول: وهو الذي تحدثنا عنه - يقعده حب الدنيا عن حب الشهادة والتضحية، وحين يدرك الحقيقة، وتزول عن عينيه غشاوة حب الدنيا، ويفارق قلبه عرض الحياة الزائل يفيء إلى الحق، ويتوب إلى ربه ويرجع إليه، وقصة المخلفين الثلاثة في سورة التوبة معروفة، ويمكن الرجوع إليها، تفصيلًا في كتب السيرة والتاريخ، ولعل سورة التوبة سميت بهذا الاسم.. من أجل هذه القصة، إلى جانب بعض التسميات الأخرى.
والنوع الثاني من المخلفين لم يغز الإيمان قلبه، فأعلن الإسلام وأخفى الكفر، ومعظم أفراد هذا النوع من يهود المدينة، وسماهم القرآن الكريم بالمنافقين، وتحدث عنهم طويلًا في سورتي النساء والتوبة، وقد أمر الحق سبحانه رسوله ﷺ، ألا يخرجوا معه لقتال وألا يصلي على أحد منهم لأنهم كفروا.
مواجهة ثقافة السلام
وإذا كنا في عصرنا نواجه النوعين من دعاة «ثقافة السلام»، فينبغي أن نعترف أن هنالك فريقًا منهم يبدو ساذجًا ومشوشًا لأن ثقافته الإسلامية هشة وسطحية، ويتعامل مع المسألة بمفهوم غربي تربى عليه وعاش من خلاله، وهذا الفريق يحتاج إلى تعرف عقيدة الإسلام الصحيحة ومفاهيمه الأصلية، وأعتقد أنه سيفيء إلى الحق في يوم ما بإذنه تعالى، أما الفريق الآخر، فهو العريق في عداوته للإسلام والمسلمين حتى لو تسمى بأسماء المسلمين، وهو الخادم الأمين للأعداء وإن رفع راية السلام والدعوة إلى ثقافته، لأنه ببساطة لا يسالم أهله وشعبه ومجتمعه وكلهم مسلمون، ولا يلتمس لهم عذرًا ولا يقبل لهم مسوغًا، ويلاحظ أن معظم هؤلاء كانوا من اليساريين الذين انتقلوا من «أوهام» الشيوعية إلى رخاء الرأسمالية، ولم يعد من سبل النضال أمامهم إلا هجاء الإسلام أو الإظلام كما يسمونه، والحملة على المسلمين أو الأصوليين كما يسمونهم، وهم بالطبع لا يعرفون معنى الأصولية في الإسلام ولا تجلياتها الحضارية المضيئة، لأنهم يرددون ما تذيعه الأبواق الغربية واليهودية.. هؤلاء منافقون مثل المنافقين في صدر الإسلام، ولا خير فيهم.. وهؤلاء هم رأس الحربة في عملية تفكيك ثقافة الجهاد في الإسلام.. ولو أنهم كانوا مخلصين حقًا - وأنى لهم الإخلاص؟- لدعوا إلى ثقافة سلام فيما بين مثقفي الإسلام ومثقفي العلمانية، بين الأغنياء والفقراء، بين المستبدين والمستضعفين.. ولكنهم يصرون على خدمة العدو الصليبي وتابعه اليهودي، والتمكين له بكل السبل، ونفى الإسلام وأهله.. ويا لها من خدمة رخيصة ومقززة!!
(*) رئيس قسم اللغة العربية وآدابها – جامعة طنطا – مصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل