; فضيلة الشيخ محمد الكاروري في حديثه للمجتمع: هذا هو الواقع السياسي للسودان | مجلة المجتمع

العنوان فضيلة الشيخ محمد الكاروري في حديثه للمجتمع: هذا هو الواقع السياسي للسودان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يونيو-1985

مشاهدات 47

نشر في العدد 720

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 04-يونيو-1985

  • بقاء التشريعات الإسلامية وإكمالها هو الانعتاق من ربقة التبعية للشرق والغرب.
  • واجب السلطة إخراج السودان من سياسة المحاور وإبراز شخصيته المستقلة والتعامل مع الجميع بالعدل والمساواة.
  • تفجير الثورة حدث بعد أن أظهر النظام تراجعه عن التشريعات الإسلامية.

البطاقة الشخصية

فضيلة الشيخ محمد محمد الصادق الكاروري مدير قسم الدعوة بمنظمة الدعوة الإسلامية في السودان عمل منذ نعومة أظفاره في مجالات الدعوة إلى الله. تعرض مرات عديدة للسجن والإرهاب في بلده، سجن أخيرًا مع الدكتور حسن الترابي وقيادات الإخوان المسلمين في السودان يوم 19/3/1985 عندما انقلب نميري على الاتجاه الإسلامي وسجن قياداته بتهم شتى ملفقة.. وبقي في السجن مع إخوانه ثمانية وعشرين يومًا.. خرج من معتقله على إثر الانتفاضة الشعبية التي اقتلعت نميري من جذوره وذلك يوم ١٧ رجب ١٤٠٥ الموافق 8/4/1985. وللشيخ الكاروري مجال كبير في خدمة الدعوة الإسلامية في السودان وغيره من أقطار العالم الإسلامي.

الواقع أن السودان الآن يمر بتجربة منفردة بعد ثورة شعبية بمعنى الشعبية الحقيقية ضد نظام قهري استمر ما يزيد على ‎١٦‏ عامًا. وكما يقولون: الطغيان يسوق إلى الحرية سوقًا حثيثًا، لذلك كان تفجير الثورة الشعبية تفجيرًا قويًّا خصوصًا بعد أن أظهر النظام تراجعه عن التشريعات الإسلامية التي أكسبته الكثير من التأييد الشعبي في الماضي واعتقاله لقيادة الحركة الإسلامية قبل شهر من سقوطه مع ادعائه بأن هذه الجماعة تعمل لإسقاطه والسيطرة على الحكم، وقد أبدى في حديثه توعدًا وبطشًا بالعاملين في حقل الدعوة الإسلامية صاحب ذلك إعلانه لرفع أسعار المواد الغذائية وعدم مبالاته بما يقول الناس ولمعاناة الناس الذين يعيشون فترة من الجفاف والتصحر التي جعلت الكثيرين يفقدون وسائل العيش الكريم في ديارهم.

كل هذه العوامل وغيرها هي التي أودت بالنظام وجعلت الناس يثورون ضده حتى أسقطوه، وتجاوبًا مع الثورة الشعبية اتخذت القوات المسلحة مواقعها بجانب الشعب فتسلمت السلطة من غير إراقة دماء اللهم إلا بعض الأفراد الذين تعرضوا لعيارات نارية مع أجهزة الأمن والقمع في بداية المظاهرات وعلى إثر ذلك ظهر على الساحة تجمعات كثيرة في شكل نقابات وأحزاب سياسية زاد مجموعها على الثمانين من نقابة وحزب. وهذه في نظري ظاهرة طبيعية حيث إن التفجير الكبير لا بد أن ينتج عنه بعض الكتل الكبيرة والشظايا الصغيرة الكثيرة العدد، ولكن فترة من الزمن ستبقى الجماعات الكبيرة في الساحة وحدها.

 والآن في السودان يتقاسم السلطة مجلسان: المجلس العسكري الانتقال وهو يتشكل من (‎١٥)‏ عضوًا من القادة العسكريين برئاسة الفريق أول عبد الرحمن محمد الحسن سوار الذهب وبيد هؤلاء السيادة والتشريع والمجلس الثاني من ‎١٥‏ عضوًا أيضًا فيه عسكريان اثنان والباقون من المدنيين برئاسة الدكتور الجزولي دفع الله وبيده السلطة التنفيذية وقد تراضى الناس بأن ينتهي عمر المجلسين بعد عام وستجري في أخريات العام انتخابات لقيام جمعية تأسيسية تقوم بوضع الدستور الدائم وتشكيل السلطة والحكومة الجديدة.

تطبيع العلاقات عربيًّا وأفريقيًّا 

لما كان النظام الحالي نظامًا انتقاليًّا فالمتفق أن يقوم بتطبيق العلاقات وتحسينها مع كل البلدان المجاورة من غير تحيز أو محاباة. من ذلك البلاد العربية والبلاد الأفريقية ومحاولة رأب الصدع الذي أحدثه النظام الماضي بتحيزه السافر ضد بعض البلدان الأفريقية والعربية وبممالأته لبعض الأنظمة في البلدان الأفريقية والعربية تمشيًّا مع بعض المحاور الدولية الكبيرة، فواجب السلطة الآن إخراج السودان ‎من تلك المحاور وإبراز شخصيته غير المنحازة والتعامل مع الجميع بالعدل والمساواة، ولما كانت لمصر علاقات خاصة مع السودان منذ القدم فسيعمل النظام الموجود الآن على أن تكون تلك العلاقات مستثمرة لخير البلدين من غير تحيز لبعض القرارات التي قد لا تتمشى مع مصالح الأمة العربية والإسلامية. أما العلاقات مع ليبيا التي كانت مقطوعة في الماضي فقد وصلت الآن وسيعمل النظام على تقوية العلاقة الأخوية مع ليبيا من غير أن يكون هناك تدخل من أي جانب في شئون الجانب الآخر الخاصة، وبأن يكون هناك احترام متبادل بين الجانبين.

أما ما جاء على لسان السيد رئيس الوزراء كما قال فإنه لا بد أن تكون هناك مراجعة على ضوء الواقع الجديد وليس معنى هذا أن تكون هناك مباعدة بين مصر والسودان إلا في حدود مصلحة البلدين والشعبين لأن البعض في السودان يعتقد أن هناك اتفاقيات أملتها ظروف خاصة فيها بعض الحيف بواقع السودان وقد كان من أسبابها الناحية الأمنية بالنسبة للسلطة وقد زال هذا السبب الآن لذلك ينبغي أن تنبني العلاقة على أساس صحيح وصريح يحفظ كرامة البلدين والشعبين.

مبدأ الحياد الإيجابي

كما قلت فالحكومة الموجودة حكومة انتقالية محكومة باتفاق محدد أو له إنجاز مخطط تسليم السلطة للشعب عن طريق ممثليه في الجمعية التأسيسية التي تقرر انتخابها في آخر فترة وليس من حق السلطة الآن إلا أن تقف موقف الحياد الإيجابي في العلاقات الدولية وأن تحاول أن تصادق الجميع وأن تتعاون مع الجميع في الحدود التي تجعل القرار في السودان قرارًا مستقلًا غير متأثر بأي مصلحة خارجية إلا الذي تمليه مصلحة السودان.

جهات خارجية ضد تطبيق الشريعة

أما موقف النظام من تطبيق الشريعة الإسلامية فهناك حديث كثير يدور في أروقة المجتمع وعلى صفحات الصحف السيارة من كثير من الناس منهم المطالب بإلغاء التشريعات الإسلامية التي أطلقوا عليها تشريعات سبتمبر حتى يجيزوا لأنفسهم مهاجمتها ومعارضتها والمطالبة بإلغائها. ومن الناس من يرى أن التراجع عن تلك التشريعات ردة لا ينبغي أن تحدث في السودان ومن المنطق أن نقول: إنه ليس من صلاحيات الحكومة الموجودة الآن بحث هذا الموضوع، لأن هذا من خصائص الجمعية التأسيسية المرتقب انتخابه. لذلك لا يعدو أن يكون الحديث المطروح الآن في الساحة لا يعدو أن يكون فيه نوع من الإثارة وإرادة بعض الجهات أن يكون التوجه في المستقبل إلى إلغائها ويتبنى هذا الجانب كما تعلمون الجهات الغربية الخارجية والجهات الشرقية لأن الجميع يعلمون أن بقاء التشريعات الإسلامية وإكمالها حتى تعم الدول الإسلامية هو الانعتاق من ربقة التبعية للشرق وللغرب وبداية مرحلة جديدة قد يكون السودان فيها هو الرائد في طرح جديد يناقض طرح الشرق والغرب ليسوق البشرية إلى عهد جديد من السعادة والرفاه، لأن ذلك هو منهج الله الذي أتقن كل شيء، ونرجو أن لا يمضي كبير وقت ‏حتى تتحقق هذه الريادة وبالتالي تكون بداية الطريق لتوفير السعادة والله من وراء القصد وهو على ما يشاء قدير.

‏هذا الذي قلنا من ناحية عدم صلاحية النظام لإلغاء التشريع ينطبق أيضًا على عدم صلاحيته لإلغاء مؤسسات التطبيق.

إطلاق الحريات للشعب

‏بعد الثورة الشعبية التي قضت على النظام القهري الماضي وأتت بالنظام الحالي يرى الحكام الحاليون أن هناك التزامًا محددًا بإتاحة الحريات للجميع وإتاحة الفرص ليعبر الناس والجماعات كما يشاؤون، لذلك يحس المرء المراقب بأن هناك ما يشبه الفوضى في الساحة السودانية ولكن المتأملين يقولون: هذه ظاهرة طبيعية بعد قهر دام ‎١٦‏ عامًا. ويرى النظام أن الصحف الحكومية ينبغي أن تكون قومية للجميع ولكن يبدو أن بعض العقائديين الذين يوجدون بكثافة في الإعلام لا يودون لغيرهم أن يجدوا منبرًا للتعبير عن قناعاتهم ما وجدوا لمنعهم سبيلًا. في السودان صحيفتان كانتا في الماضي تتبعان الاتحاد الاشتراكي «الحزب الحاكم» والآن تتبع الصحيفتان السلطة الحاكمة رغم ذلك تجد على الأقل في إحداها وهي صحيفة الأيام هذا التحيز الواضح المعبر عن الفكر اليساري المرفوض عند سواد الشعب في السودان، وقد تحلى الآخرون بالصبر في هذه الفترة رغم عدم الإنصاف في الإعلام لأنهم يعتقدون في القناعة أن هذه الظاهرة سوف لا تستمر بعد الرجوع إلى حكم الشعب فالانتخابات المرتقبة. أما موقف النظام من الحركة الإسلامية فهو حتى الآن يعاملها باحترام متبادل رغم رفع الحركة الإسلامية للنظام شكواها من تحيز الإعلام الذي تملكه الحكومة وعدم قوميته.

كما أسلفت هو الاحترام المتبادل ما وفى النظام بعهده بالعمل على حفظ كيان الأمة واحترام معتقداتها وتوصيل السلطة لممثلي الأمة في الوقت الذي تحدد من قبل فنحن نشد من أزر النظام ونؤيده في هذا الطريق الواضح ما دام مستقيمًا على السير فيه، ونرجو ألا يحدث في المستقبل ما يعكر الصفو حتى يقول الشعب رأيه الفصل في كل القضايا. والله ولي التوفيق.

الرابط المختصر :