; فقدنا الدر الثمين بوفاة الشيخ ابن عثيمين عالم العقيدة والفقه والأدب | مجلة المجتمع

العنوان فقدنا الدر الثمين بوفاة الشيخ ابن عثيمين عالم العقيدة والفقه والأدب

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-2001

مشاهدات 82

نشر في العدد 1434

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 16-يناير-2001

تلقينا ببالغ الأسى وعميق الحزن نبأ وفاة علامة الجزيرة وشيخ الفقه والعقيدة والأدب وجامع الفنون سماحة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين -يرحمه الله واسع الرحمة- ماذا نقول ومن أين نبدأ؟

فإلى رحمات الله، وإلى روضات وجنات وأنهار.. في مقعد صدق عند مليك مقتدر.. -بإذن الله تعالى-.

فلله در الشيخ عالمًا، فكم أفاد وأجاد، وكشف عن دقائق الفقه، وجلى عن أصول عقيدة السلف، وأخرج فيها قواعد مثلي، ولآلئ حسنى في توحيد الله سبحانه، نفع الله بها العباد والبلاد.

ولله در الشيخ قامعًا للبدعة، مقيمًا لبناء السنة، وذابًا عنها، وباعثًا لمعالمها، وحاميًا لجنابها، وباسطًا لرحابها.ً

ولله در الشيخ من عابد زاهد، معرضًا عن اللهو والمفاسد، مخبتًا لربه هيبًا، وقافًا عند حكمه مستجيبًا، نحسبه عند الله كذلك.

ولله دره من معلم ومرب له مريدوه، ومحبوه، الذين نهلوا من فيضه، وعبوا من نبع علمه، وملئوا طباق الأرض علمًا، وعنهم أخذ الناس وهم بقية الخير الباقية.

ولله دره من صاحب مؤلفات حسان، علت بها شريعة الرحمن، ما بين مقال وكتاب ورسالة ومحاضرة، تشهد بعلو قدمه، وثقابة ذهنه، وبعد، غوره وسداد فكره.

والله يعلم كم فاتنا من الخير بوفاته، وكم نلتاع حسرة لفراقه.

سيذكرني قومي إذا جد جدهم   وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

فكم أحيا الله على يديه من سنن، وكم أبان بفتاويه حججًا شرعية، وقواعد مرعية، علت في الآفاق، وجبر بها صدع الدين واستبان صراطه المستقيم.

علماء الأمة الربانيين

للعلماء في الإسلام أرفع مكانة، وأجل رتبة- إذ بهم تنار الظلمات، وتندفع الشبهات، وتنعصم البلاد، ويستهدي العباد، كيف لا وهم سدنة الشريعة، وحماتها، ومنارات الهدى وأعلامها، وأن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى الحوت في كبد البحر ليصلون على معلم الناس الخير.. وصدق الله إذ يقول:﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١)

وأي رفعة بعد رفعة الله، وأي منزلة تضاهيها أو أي رتبة تدانيها؟

ومن رفعه الله فلا خافض له، ومن أعزه الله فلا مذل له، وليس العالم هو من يستظهر المتون في كل الفنون، أو يجيد النظم في كل فن، وإنما العالم هو من كان ربانيًا قائمًا لله، قلبًا وقالبًا، جوهرًا ومعنى، كمًا وكيفًا وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79).

وإنا لنحسب فقيدنا منهم، وكذلك زمرة علمائنا الذين فارقونا من قريب كالشيخ الأجل عبد العزيز بن باز يرحمه الله، وفضيلة الشيخ محمد الغزالي، وشيخ الحديث العلامة محمد ناصر الدين الألباني يرحمهم الله جميعًا، وغيرهم الكثير والكثير، والذين نقول فيهم كما قال الرائي الملتاع على فقد بنيه:

 أودى بني وأعقبوني حسرة     بعد الفراق ودمعة لا تقلع

سبقوا هوي وأعتقوا لهويهم      فتخرموا ولكل جنب مصرع

 وإذا المنية أنشبت أظفارها     ألفيت كل تميمة لا تنفع

بريق أمل

وإن على ما يعتصرنا من حزن، ويغشانا من ألم، لينبغي أن نستخلف الله في مصابنا، وأن تلملم شعثنا، ولا تكون بأقل رباطة جأش من ذلك القائل:

وليس يهلك منا سيد أبدًا           إلا افتلينا غلامًا سيدًا فينا

وهكذا أمة الإسلام ولادة، وللعلماء نجابة لا يعني الخير منها ولا ينعدم وصدق سيد الخلق وحبيب الحق في قوله لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم إلى يوم القيامة.

فالله الله في توحيد الصف، وفي لزوم المنهج والاعتصام بحبل الله ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ (آل عمران: 101)

تعازينا إلى دار الإسلام ونبعه

وإنا لنبتهل إلى الله بطيب الدعوات لفقيدنا، ونلتمس له وافر الرحمات عند الله والخلود في جنة الله ونسأل الله أن يلهم ذوي الفقيد الصبر والسلوان، وأن يعمهم ببرد اليقين، وسلوى الصبر والرضا بقضاء الله.

 ونقول لهم كما قال الشافعي -رحمه الله- معزيًا أحد إخوانه في فقيده:

إني معزيك لا أني على ثقة               من الخلود، ولكن سنة الدين

فما المعزى بباق بعد ميته  ولا المعزى بباق لو إلى حين

 كما نبعث بخالص تعازينا إلى المملكة العربية السعودية جميعًا ممثلة في خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله- وسمو ولي العهد الأمير عبد الله -حفظه الله-.

ونبعث كذلك بتعازينا لعلماء المملكة من هيئة كبار العلماء وأعضاء هيئات التدريس وأهل العلم والفضل جميعًا.

وتبعث برسائل السلوى، وجم العزاء إلى طلاب العلم في المملكة العربية السعودية وعلى رأسهم طلاب سماحة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين يرحمه الله تعالى، والعزاء والسلوى إلى جميع أهل العلم، بل إلى أمة الإسلام.

أعظم الله الأجر، وغشينا بوابل الصبر وثبتنا على نهج سلفنا الصالحين... أمين.

الرابط المختصر :