; فكر وثقافة (1980) | مجلة المجتمع

العنوان فكر وثقافة (1980)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2011

مشاهدات 51

نشر في العدد 1980

نشر في الصفحة 46

السبت 10-ديسمبر-2011

لا بد من صنعا! (٢ - ٥)

الرحلة إلى صنعاء ومدينة سيؤن

  • د. محمد أبو بكر استغرق ٣٠ عاما في جمع تراث باكثير من متعلقاته الشخصية ومخطوطاته وقام بنشر إنتاجه الذي لم ينشر
  • «باكثير» صار حاضرا بشحمه ولحمه أمام حيون يراه الناظر من كل الجهات الأدبية والفكرية والشخصية

قدمت جوازي إلى الموظف، فقلب فيه ثم كتب كلاما على الحاسوب وطالت وقفتي في انتظاره، ورأيته ينادي على شخص آخر يبدو أعلى رتبة منه، ويسلمه جوازي ويتبادلان كلاما باللهجة المحلية لم أفهمه، فأخذني الرجل الثاني وانتحى بي جانبا ، ثم سألني عن سبب الزيارة، والمدة التي سأقضيها، وكان في خلال سؤاله يقلب في صفحات الجواز، وأخيرًا قال للموظف ما معناه: إن الجواز ممتد لسنتين أخريين، فقام صاحبنا بختمه وتسليمه لي وقال لي صاحب الرتبة الأعلى: إن علي أن أذهب إلى «الترانزيت» وسيتصرفون معي.

كنت مشغولًا بحقيبتي التي تحمل أغراضي الشخصية هل سأتسلمها، أم ستبقى لديهم لتشحن في الطائرة المتجهة إلى سيؤن؟ وسألت هنا وهناك حتى عثرت على أحد الموظفين، وقال لي: اطمئن الحقيبة ستصل إلى سيؤن وتتسلمها من هناك.

وخرجت إلى الترانزيت كما أشار صاحب الرتبة الأعلى، كنت أسير أمام المطار وأحسست بلفح البرد القارس مضيت متعبا مكدودا متألما حتى دخلت إلى «الترانزيت فلم أجد من أسأله، مكاتب مظلمة أو مضاءة إضاءة خافتة، وخالية من الموظفين، أو بعضهم أغلق على نفسه الباب وراح في نوم عميق.

لم أجد أحدا يدلني على مكان انتظار طويل، أو فندق المطار الذي سمعت عنه قال لي أحد الجنود: هناك مصلى في نهاية القاعة تستطيع أن تتمدد فيه.

كان علي أن أحتمل مهما كانت الظروف. في أيام تجنيدي عقب هزيمة ١٩٦٧م حتى تسريحي بعد حرب رمضان في عام ١٩٧٤م، رأيت ليالي أشد سوادا من قرن الخروب كما يقال، ولكني أيامها كنت شابا أستطيع التحمل، أما الآن فقد صرت شيخا هرما محاصرا بالمتاعب الصحية، وساقاي لا يقدران على السير بسبب آلام المفاصل.

لا مفر إذا من الجلوس في المصلى كان مفروشا بسجادتين كبيرتين عليهما نقوش رمادية، وفي نهايتيهما بجوار الحائط مكتبة صغيرة عليها مجموعة من المصاحف وبجوارها إشارة إلى اتجاه القبلة وضعت عصاي والكيس البلاستيك الذي أضع فيه حقيبة يد صغيرة تحمل أوراق السفر، وكتابا أطالع فيه، وبعض الفاكهة، مددت ساقي وأسندت ظهري إلى الحائط، كان هناك أحد الأشخاص ينام على طرف السجادة الأولى، يبدو أنه من موظفي المطار أو العمال أو الجنود المكلفين بالحراسة، ولعله ينتظر نوبته.

أحسست أن البرد يزداد شراسة وجسمي كله في حالة اضطراب وبطني تقلب ما فيها ، وتكاد تخرجه من حلقي خلعت السترة التي أرتديها وطويتها ووضعتها تحت رأسي، وحاولت أن أغمض عيني من خلال تمثيل دور النائم، ولكن الزمهرير لا يطاق مكثت أتقلب يمينا وشمالا وظللت على هذه الحال نحو ساعة ونصف الساعة، سمعت بعدها صوت جندي عرفت فيما بعد أنه من المكلفين بتشغيل جهاز تفتيش الحقائب عند السفر، وهو يهتف: حاج.. حاج.. خذ هذا وكان يدفع معطفه الثقيل الذي يرتديه أمام الجهاز حيث تبدو القاعة التي يجلس فيها ذات تكييف دافئ لأن بداخلها موظفي الجوازات والمسافرين.. قلت: شكرا، دون أن أستطيع النظر إليه لمعرفة شكله، ولكني أحسست أنها رحمة من الله أرسلها إلي وضعت المعطف على نصفي الأسفل، ولكن البرد لم يتراجع، وجسمي لم يهدأ، وأخيرا تنبهت إلى أنه يمكنني أن أستفيد بالسجادة التي أنام فوقها، فانتقلت إلى طرفها الثاني وطويت جزءا منه على جسمي، ووضعت المعطف على رأسي والجزء الأعلى، وبدأت أستشعر شيئا من الدفء النسبي.

وبعد ساعة تقريبا نظرت في الساعة لأجد الفجر قد أوشك، فقمت وتوضأت وتلوت الورد اليومي من القرآن الكريم ورأيت شخصا جالسا يقرأ القرآن أيضا ولكنه توقف بعد أن رآني قد انتهيت من التلاوة وسألني: أنت مصري؟ وأخذنا نتعارف ونتحدث، وعرف أنني ذاهب إلى سيؤن، فأخبرني أنهم سينادون على الطائرة بعد صلاة الفجر، قال لي: إنه يعمل سائقا على سيارة أجرة ينقل المسافرين من المطار إلى العاصمة، وعرفت منه بعض التفاصيل حول العملة والأسعار، وأقيمت صلاة الفجر، وبعدها حملت المعطف إلى صاحبه، وشكرته، ودخلت إلى صالة السفر وأنهيت الإجراءات، ولمحت شخصًا يرتدي ملابس الهنود أو يشبههم، أحسست أنه قادم إلى سيؤن للمشاركة في ندوة باكثير قلت له ونحن ندخل الطائرة ندوي؟ ابتسم وقال بالفصحى: نعم، قلت له: لعلك قادم إلى سيؤن لحضور ندوة باكثير؟ قال: نعم وتعارفنا، أخبرني أنه قادم من بنجلاديش وذكرته أنني زرت شيتاجونج» العاصمة التجارية لبنجلاديش - عام ١٩٩٣م الحضور مؤتمر أدبي في الجامعة الإسلامية هناك. فأخبرني أنه من شيتا جونج»، وأنه شهد المؤتمر وهو طالب في هذه الجامعة، وكان من أبرز الحاضرين في ذلك المؤتمر العلامة الراحل سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي الداعية الإسلامي الهندي الشهير.

كانت الطائرة صغيرة تشبه الزورق على كل من جانبيها كرسيان ضيقان ومن المفارقات أن الطائرة تحمل اسم شركة طيران جديدة اسمها السعيدة»، وهي غير الشركة الحكومية التي تحمل اسم «اليمنية». وقد قطعت بنا المسافة في نحو الساعة وهبطت أخيرا في مطار سيؤن.

سيون

ومطار سيؤن صغير نسبيًا، فهو مطار محلي، ويبدو أنه أنشئ في عهد ما قبل الوحدة اليمنية، وإن كانت دخلت عليه بعض التحسينات، وقد استقبلنا في المطار بعض الشباب الذين علقوا على صدورهم شارات المؤتمر، ولكن المفارقة أننا اكتشفنا بعد استقبالنا في صالة كبار الزوار وكان معنا بعض علماء الدين الإسلامي اليمنيين، أن القوم جاؤوا لاستقبال ضيوف مؤتمر آخر حول الشريعة والوسطية، ينعقد في سيؤن أيضا في الفترة نفسها التي ينعقد فيها مؤتمر أو ندوة باكثير (۲۲) ۲۳ ديسمبر (۲۰۱۰م)، تحت رعاية جامعة حضرموت». وقد تم تدارك الأمر، حيث عثروا على مستقبلينا الذين كانوا بالفعل في جانب آخر من المطار، ينتظروننا.

كان الجو في سيؤن دافئًا، أحسست بحالة من النشوة أذهبت عني زمهرير الليل الذي كاد يقتلني، ركبنا إلى الفندق، واسمه سيون بلازا»، وقد لاحظت أن معظم فنادقنا العربية تحاول أن ترفع من قدرها بإضافة اسم بلازا» إلى الاسم العربي، ولو أنهم قالوا قصر سيؤن مثلا لكان ذلك أفضل، ولكن الواقع العربي يشير إلى مهانة اللغة العربية أمام اللغات الأجنبية بسبب هزيمة الأمة هزيمة نفسية وانبطاحها أمام الثقافات الوافدة، ولا أريد أن أقول بسبب إحساسها بالدونية.

انظر - مثلًا - إلى شوارع القاهرة بل صحفها ومجلاتها وقنواتها التلفزيونية وموجاتها الإذاعية وما تحمله من مصطلحات أجنبية ومفردات غريبة على طريقة «الفرانكو آراب التي شاعت في الخمسينيات من القرن الماضي، مع أن الأمم الحية تعتز بلغتها  إلى درجة أن أبناءها في الخارج وخاصة في المناسبات الرسمية لا يتكلمون إلا بلغاتهم بل لا يردون في بلادهم على السائحين أو الزائرين ما لم يتكلموا بلغتهم!

كان علي أن أستريح وأتدفأ بعد رحلة الزمهرير التي قضيتها في مطار صنعاء وفور أن دخلت حجرتي بالفندق ألقيت بنفسي على السرير ولم أستيقظ إلا بعد ساعتين تقريبا.. في بهو الفندق عرفت أن صديقي د. محمد أبوبكر حميد وصل قبلنا بيومين تقريبا، وأنه في منزل با كثير دار السلام يجهز للافتتاح الرسمي، لقد بذل جهدا عظيما على مدى ثلاثين عاما من أجل با كثير وتراثه، فقد جمع متعلقاته الشخصية ومخطوطاته ونشر شعره في دواوين كما نشر رواياته وقصصه التي لم تظهر في حياته، وفرغ الأحاديث التلفزيونية والإذاعية التي لم تطلع عليها الأجيال الجديدة على الورق، بحيث يمكن القول: إن با كثير صار حاضرا بشحمه ولحمه أمام العيون يراه الناظر من كل الجهات الأدبية والفكرية والشخصية.

عرفت د. حميد عن طريق صديقنا المشترك وصديق با كثير الحميم الشاعر الكبير الراحل عبده بدوي - يرحمه الله وتلاقينا على المستوى الفكري والأسري طوال ثلاثين عاما، ومازالت المعرفة أو اللقيا ممدودة بمشيئة الله.

بعد دقائق كانت السيارة تحملني إلى دار با كثير أو دار السلام»، رأيت هناك د. حميد وجمعا من أسرة با كثير ومحبيه وبعض المسؤولين، ورأيت ملامح المعروضات والمتعلقات الشخصية التي سيراها الجمهور بعد الافتتاح، والتقيت بشاب تبدو عليه علائم النشاط والحيوية، وفرحت به عندما علمت أنه ابن صديقي الراحل أحمد عباد الذي عرفته في التسعينيات بالرياض وكان من أصدقاء با كثير ومحبيه - يرحمهما الله - كان أبو بكر أحمد عباد الذي يعمل بوزارة الإعلام ويدرس الماجستير من أنشط العاملين في إعداد متحف دار السلام» وندوة با كثير، وكان له معي فيما بعد لقاءات طويلة ومروءة لا أنساها..


بُكائِيَّة بَيْنَ يَدَي بَشار بن برد

بقلم: أ. د. جابر قميحة (*)[1]

يا لأفقي الجريح فاض ظلامًا * * * كالح الوجه حالك الديجور

مل وجهه الكتيب سهيل * * * والثريا وكل نجم زهير

وضفافي الخضراء ماجت بشوك * * * قاتل الوخز عابس قمطرير

وطريقي عليه سود الأفاعي * * * بين أنيابها اغتيال المصير

كلما شبت العزائم مني * * * أخرستها رؤى الفحيح الهصور

فتهاوت خطاي صرعى فأني * * * في ضفاف الأنياب يمضي مسيري؟

کيف أمضي والزيف دين وطبع * * * والنفاق الخسيس جسر العبور؟!

واختلال المعيار أضحى صوابا * * * والصواب المنير شر الشرور

إيه بشار، جد بيانًا وشعرًا * * * من ضياء وحكمة وعطور

لا تقل كيف يمنح النور أعمى؟ * * * ليس أعمى من كان حي الشعور

إنما العمي من طواهم ظلام * * * في القلوب التي استوت في الصدور

فانظر العالم المسيخ بقلب * * * نابض بالسنا الشفيف البصير

لن ترى بلبلا على الشرح يشدو * * * بل خفافيش في رياش الصقور

والبغات المضعوف عاث فسادًا * * * بمغانيها في غياب النسور

ونعيق الغربان يسري لحونًا * * * في جنازات فننا المنحور

والسكارى تميلهم نشوة حرى * * * للحن ممزق منخور

وارتدت لبدة الأسود كلاب * * * وجلود النمور سرب الحمير

وذرا الراسيات أمست مطايا * * * لحصى الأرض والغثاء الحقير

والفقاقيع قد علت قمة السي * * * ل وصارت أميرة للبحور

والخرير المصدور في الجدول الذا * * * بل يزري على هزيم الهدير

وقياد الجيوش في حومة الحر * * * ب لنذل وأعور وضرير

وأمير الجهال باقل يدلي * * * ببيان من قصره المستنير

ابتداءً من نشرة اليوم حتى * * * يبعث الله أرضنا للنشور

ليس سحبان للبيان أميرًا * * * وأنا للبيان خير أمير

ويح قلبي يا بن برد ودربي * * * رهن حزن معربد مسعور

فأخوك «الخليل يبكي بدمع * * * من دم دافق سخين غزير

من هراء يُدعى «قصيدة نثر * * * ليس بالنظم شكله والنثير

هو خُنْثَى الكلام في شكله الما * * * نع لا في الإناث أو في الذكور

يا بن برد هل يعلمن سباوي * * * ه بمأساة نحونا المنكور؟

فالمفاعيل توجوها برفع» * * * بينما الفاعلون في «المجرور»

والمواضي مضارع، وحروف الـ * * * جر.. نصب وهان أمر الضمير

وصلات الموصول أفقدها الوص * * * لَ جَهُولٌ مُتَوج بالغرور

وانتصاب الأخبار أمر بسيط * * * سائغ هين على التفسير

فإذا قلت: « أوقفوا الجهل حتى * * * ندرك الداء فهو جد خطير

هتف الأدعياء مَنْ ذَا حَباكُمْ * * * إمرة النحو أو إقام الكسور؟

إنما الغاية اتضاح المعاني * * * بسلوك التسهيل لا التعسير

فلتعيشوا عبيد نحوكم البا * * * لي ودمنا للفكر والتنوير

فإذا قلت: « إنما النحو قانو * * * ن لضبط المنظوم والمنثور

أجْمَعُوا أمرهم بليل وصاحوا * * * لست فيها بمنكر ونكير

سقطت أمة تراخت فصارت * * * لغة الدين نهب كل عقور

والغ عرضها الشريف بدعوى * * * طبه الناجح الجديد القدير

فإذا طبه خداع وزور * * * يجعل السهل ألف ألف عسير

هكذا يُستباح كل أصيل * * * ويفض البيان كل صغير

ويصير التراث عهنًا نفيشًا * * * تائه الخطوما له من نصير

وإذا أنكر الجذور نبات * * * مات في لفحة الهجير المرير

إيه بشار يا بن برد ، عذيري * * * حين أبكي في يومنا المقهور

وأناديك من وراء خطوب * * * غشيتنا بعاصف زمهرير

مقلقًا روحك المقيم بغيب * * * قد علا سره على التفكير

إن عصرنا اليوم عصر مواء * * * أدبي وعشت عصر الزئير

يوم كان القصيد ذا صولجان * * * ورجال ومنبر وسرير

يوم كان القصيد أقوى من السي * * * ف.. من المال والردى والنفير

فانفض الموت وانهضن سريعًا * * * ولتحطم أسوار هذي القبور

كي تريهم خمائل الشعر فوا * * * حًا عبيره من عميق الشعور

فإذا ما شدت عرائسك الأب * * * كار فجرًا سبت قلوب الطيور

ثم ذابت من نشوة اللحن نورًا * * * عبقريا مع الصباح المنير

في ربيع مزاجه من رحيق * * * دافق السحر ما له من نظير

وإذا ما فجرتها الغضبة الشع * * * واء باحث بجمرها المستطير

فهوى معقًا دعي المعالي * * * بينما اشتد قلب كل كسير

قل لهم يا بن برد أفيقوا * * * وأصيحوا لذا النذير الأخير

وأعد هيبة الفحول كحسا * * * ن وكعب وعنتر وجرير

وابعث الصيحة التي هي بعث * * * وانتصار لشعرنا المهدور

يا خفافيش للخرائب عودي * * * قد أتى الفجر بالأصيل الجدير

وارجعي يا بغاث للقاع حسرى * * * رجعة الخاسر الذليل الحقير

فالنسور التي طواها غياب * * * عائدات لوكرها المهجور

والظلام الذي علا كل أفق * * * يتلاشى أمام سيل النور

[1] أديب ومفكر إسلامي مصر


الفكر اللغوي للإمام البقاعي

في رسالة دكتوراه للباحث محمد سعد عبد الخالق

في رحاب جامعة الأزهر الشريف وفي كلية اللغة العربية بالزقازيق ناقش الباحث محمد سعد عبد الخالق جاد الله رسالته المقدمة لنيل درجة العالمية «الدكتوراه في اللغة العربية تخصص أصول اللغة وعنوانها «الفكر اللغوي للإمام البقاعي المتوفى سنة ٨٨٥ هـ في كتاب نظم الدرر في تناسب الآيات والسور»، وذلك يوم الأربعاء ٣٠ شوال ١٤٣٢هـ، الموافق ٢٨ سبتمبر ۲۰۱۱م.

وقد قسم الباحث بحثه إلى مقدمة وتمهيد وأربعة أبواب يتبعها خاتمة، ثم الفهارس المتنوعة.

تحدث في الباب الأول عن ملامح الفكر الصوتي للإمام البقاعي من خلال حديثه عن القراءات القرآنية التي بين أنها تنتظم في خمس علاقات:

التباين: وهو أن يكون لكل قراءة معنى يختلف عن معنى القراءة الأخرى ولكن ليس بينهما تناقض أو تضاد.

العموم والخصوص: وهو أن تكون إحدى القراءتين أعم من الأخرى في المعنى، فتدخل ذات المعنى الخاص في ذات المعنى العام.

التلاقي: وهو أن يكون لكل قراءة معنى قائم بنفسه، لكنهما يلتقيان على معنى عام يرجعان إليه.

التقارب: وهو أن تكون القراءتان بمعنيين متقاربين.

الترادف: وهو أن تكون القراءتان بمعنى واحد.

وفي الباب الثاني تحدث عن ملامح الفكر الصرفي للإمام البقاعي.. ومن الجديد الذي قدمه البقاعي فيما يتعلق بالمستوى الصرفي محاولته توظيف اختلاف القراء في التقابل بين الأبنية الصرفية لرسم صورة كلية للمشهد الذي يدل عليه سياق الآيات، ومن أمثلة ذلك: اختلاف القراء في قراءة كلمة «برق» من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ (القيامة:7)، فقرأ نافع وأبو جعفر برق بفتح الراء من باب: فَعَل يَفْعُل كنصر ينصر، بمعنى شخص، وفتح عند الموت وقرأ الباقون «برق» بكسر الراء من باب: فعل يفعل كفرح يفرح بمعنى فزع من هول ما يرى يوم القيامة.

وقد قرر البقاعي أن القراءتين ترسمان صورة بيانية رائعة تتكامل أجزاؤها في رسم الصورة الكلية للآيات، فقراءة الفتح تبين حال الإنسان عند موته حين يلمع بصره ويشخص وقراءة الكسر تبين حاله في الآخرة عندما يفزع من هول ما يرى.

وفي الباب الثالث تحدث الباحث عن ملامح الفكر النحوي للبقاعي من خلال الحديث عن علامات الإعراب وقيمتها الدلالية، ومما يحسب للبقاعي فيما يتعلق بالمستوى النحوي حرصه على بيان أثر اختلاف الوجوه الإعرابية في اختلاف الفقهاء في الحكم الشرعي، كما في قراءة «وصية» من قول الله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم﴾ (البقرة: ٢٤٠) بالرفع أو النصب، وما يترتب عليها من الخلاف في وجوب الوصية للأزواج أو استحبابها، وذلك أن قراءة النصب دلت على الوجوب لأن كلمة وصية» مفعول لفعل الأمر المقدر؛ فليوصوا وصية، والأمر يقتضي الوجوب، وقراءة الرفع تدل على الاستحباب لأن «وصية» مبتدأ وخبره ما بعده.

وكذلك الخلاف في الرفع أو النصب ل أرجلكم»، في آية الوضوء، وهو خلاف معروف لكن الجديد الذي أشار إليه البقاعي أن الأولى أن نجعل قراءة الخفض دالة على جواز المسح على الخفين، وذلك لأن معناها: أن الله أمر بمسح الرجلين في الوضوء كما أمر بمسح الرأس ولم يأمر بغسلهما، وأن نجعل قراءة النصب دالة على وجوب غسل الرجلين لأن معناها: اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين جامعا بين القراءتين.

وفي الباب الرابع، تحدث الباحث عن ملامح الفكر الدلالي للإمام البقاعي من خلال الحديث عن قضايا علم الدلالة، ومنها: روافد الكشف عن المعنى وطرق تحريره وتعدد اللفظ والمعنى واللفظ بين الحقيقة والمجاز، والتطور الدلالي للمعنى.

وبعد مناقشة دامت قرابة ثلاث ساعات قررت اللجنة بإجماع الآراء منح الباحث محمد سعد عبد الخالق جاد الله درجة العالمية الدكتوراه في اللغة العربية في أصول اللغة بتقدير مرتبة الشرف الأولى»، وهو أعلى تقدير لهذه الدرجة، وفور سماع الباحث النتيجة العلنية خر ساجدًا لله شكرًا على هذه النعمة وسط أجواء من الفرح والسرور..

الرابط المختصر :