العنوان فلسطين هي المقياس
الكاتب إبراهيم بوغصن
تاريخ النشر السبت 19-مايو-2001
مشاهدات 63
نشر في العدد 1451
نشر في الصفحة 24
السبت 19-مايو-2001
*في ضوء موقف الأفراد والمنظمات والدول من القضية يكون موقف المسلم منهم من حيث الولاء والعداء، والمعاملة والمقاطعة، والحب والكره.
*القدس ليست للعرب وحدهم، وإنما هم حراس لها وسدنة لحرمها.
*ارتبطت أرض فلسطين بحشد هائل من أنبياء الله، وكثير من صحابة رسول الله دفنوا فيها.
لم يسبق في التاريخ القديم ولا المعاصر أن شغلت قضية ما العالم بأسره كما شغلته قضية فلسطين، ولم يسبق أن وقعت جريمة في التاريخ أبشع من الجريمة التي وقعت على أرض فلسطين: اقتلاع شعب بأكمله من أرضه وإحلال شذاذ الآفاق مكانه، وقيام كيان صهيوني من لا شيء سوى الأساطير وأوهام التاريخ وأحلام الحاخامات. نعم، إن فلسطين في حقيقة الأمر تمثل محور الصراع العالمي، وقصة هذا الصراع امتدت أكثر من قرن من الزمان، منذ مؤتمر بازل بسويسرا إلى يومنا هذا، ويستمر الصراع إلى أن يشاء ربك أن تعود فلسطين كما كانت دومًا أرضًا عربية وإسلامية، وعسى أن يكون ذلك قريبًا. السؤال الذي لا بد من الإجابة عنه حتى تتضح الصورة وتتجلى هو: لماذا أرض فلسطين بالذات؟ ما يفرد هذه الأرض عن غيرها من أرض الله الواسعة؟ ماذا تمثل فلسطين في ذاكرة ووجدان الإنسان المسلم؟ بغير عناء يجد الإنسان في كتابه الخالد وتاريخه المشرق وحاضره المؤلم الجواب الشافي عن هذا السؤال. فأرض فلسطين متفردة في كل شيء، إنها حتمًا ليست ككل أرض؛ إنها منطلق الرسول الأكرم إلى السماوات العلا، إنها أرض الإسراء والمعراج، إنها ملتقى الرسل والأنبياء بخاتم الأنبياء، إنها الأرض التي احتضنت معاركنا التاريخية الحاسمة، إنها الأرض التي تكسرت عليها شوكة الأعداء، شوكة الصليبيين والتتار وغيرهم، إنها ملتقى القارات كلها، إنها نقطة الربط بين مغرب الأمة ومشرقها. وإليكم التفصيل عما تمثله أرض فلسطين في عقيدتنا ووجداننا وذاكرتنا التاريخية:
1- أرض فلسطين أرض مباركة:
لقد وصف القرآن الكريم أرض فلسطين في كثير من الآيات بالبركة: قال تعالى في أول آية من سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء:1)، وفي سورة الأنبياء آية ۷۱ يقول تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾، وفي سورة سبأ الآية 18﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا قُرًۭى ظَٰهِرَةًۭ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ﴾، وفي سورة الأنبياء آية ٨١ ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾، وفي قصة موسى قال تعالى عن بني إسرائيل بعد إغراق فرعون في سورة الأعراف الآية ١٣٧: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وكعادة السنة النبوية في تأكيد ما يقرره القرآن، فقد وردت أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعنى ذاته، منها قوله صلى الله عليه وسلم -كما ورد في الصحيحين-: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا». ومنها الحديث المتفق عليه: «الصلاة في المسجد الأقصى تعدل خمسمائة صلاة في غيره من المساجد ما عدا المسجد الحرام والمسجد النبوي». كما ورد في الأثر -عن الإمام السيوطي- أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى بارك ما بين العريش والفرات وخص فلسطين بالتقديس». وهذه البركة التي خص الله بها أرض فلسطين هي بركة مطلقة غير محددة ولا مقيدة، وهي شاملة لكل أنواع البركة ومن مظاهر البركة الربانية: «البركة الإيمانية، والبركة الأخلاقية، والبركة التاريخية، والبركة السياسية، والبركة الاقتصادية، والبركة الاجتماعية والجهادية، والبركة الحضارية، والبركة المستقبلية» (انظر د. صلاح الخالدي حقائق قرآنية حول القضية الفلسطينية).
2- أرض فلسطين أرض الأنبياء:
ارتبطت أرض فلسطين بحشد هائل من أنبياء الله ذكر بعضهم صراحة في القرآن الكريم كنبي الله لوط ونبي الله إبراهيم، وتحدث التاريخ عن الآخرين، ومن بين الأنبياء الذين ارتبطت أسماؤهم بفلسطين، نجد سيدنا إسحاق ويعقوب ويوسف وإسماعيل وداود «تقول الروايات إنه ولد ببيت لحم ودفن ببيت المقدس»، وابنه سليمان الذي قال عنه القرآن: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ (الأنبياء:81). ومن بين الأنبياء الذين بعثوا أيضاً على أرض فلسطين يحيى وشعيب ويونس وعيسى عليهم السلام، ولما كان المسلمون أولى الناس بأنبياء الله فهم أولى بفلسطين، وبالقدس المباركة من اليهود الظالمين.
وفي هذا المعنى روي عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنه قال: «البيت المقدس بنته الأنبياء وسكنته الأنبياء، ما فيه موضع شبر إلا وقد صلى فيه نبي أو قام فيه ملك».
أرض فلسطين أرض الصحابة والتابعين، لعل أول الصحابة الذين يتبادرون إلى ذهن
المسلم حينما تذكر فلسطين هو أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح الذي قدم إليها مجاهدًا في سبيل الله، وقد حاصر بيت المقدس حتى استسلمت له، ثم الفاروق عمر بن الخطاب الذي تسلم مفاتيح بيت المقدس بيديه من يد بطريركها الأكبر «صفرانيوس»، وعقد مع أهلها من النصارى العهدة المعروفة تاريخيًّا به «العهدة العمرية»، وهي تستحق دراسة مستقلة في دلالاتها وأبعادها لما تمثله من
مستوى عال في تسامح الإسلام مع أهل الكتاب. أضف إلى ما ذكر أن عددًا كبيرًا من الصحابة الكرام ووروا الثرى على أرض فلسطين، ومنهم عمرو بن العاص، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، والفضل بن العباس ابن عم النبي ﷺ. ولا تزال مقابرهم معروفة هناك.
٤ - أرض فلسطين أرض الانتصارات الكبرى.
من منا لا يذكر معركة حطين المجيدة، من منا لا يذكر القائد المسلم الفذ صلاح الدين الأيوبي صاحب الشرف في تحرير بيت المقدس وتطهيرها من دنس الصليبيين الذين احتلوها لمدة تسعين عامًا ونيف، من منا لا يذكر سيف الدين قطز والظاهر بيبرس قائدي المعركة الحاسمة «عين جالوت» التي تحطمت على إثرها قوة التتار؟ من منا لا يذكر الموقف التاريخي المشرفللسلطان عبد الحميد الثاني في رفضه القاطع بيع ولو شبرًا واحدًا من فلسطين لليهود، من منا لا يذكر الثورات الكبرى المعاصرة في تاريخ فلسطين، سواء ضد الإنجليز كما وقع في ثورة ۱۹۲۹م، وثورة ١٩٣٦م، أو ضد اليهود المحتلين في ثورات متتالية متلاحقة؟ لا غرو إذن أن تكون شرارة انتفاضةالأقصى الأخيرة قد انطلقت على إثر زيارة السفاح شارون لبيت المقدس وتدنيسه للحرم الشريف.
5 - أرض فلسطين أرض المآثر التاريخية الإسلامية:
من أبرز الآثار التاريخية الإسلامية التي تضمها أرض فلسطين -مدينة القدس وهي القبلة الأولى للمسلمين، ظل المسلمون يتوجهون إليها في صلواتهم قبل الهجرة بثلاث سنوات، وبعد الهجرة بستة عشر شهرًا إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة: ١٥٠).
- الصخرة التي ربط فيها سيدنا جبريل دابته «البراق» ليلة أسري بالرسول إلى السموات العلا -حائط البراق- المسجد العمري، وهو المكان الذي صلى فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما تسلم مفاتيح بيت المقدس، مقبرة باب الرحمة التي تؤوي قبور بعض الصحابة الكرام- مدينة الخليل، وفيها قبور سيدنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب -عليهم السلام- بيت لحم مهد سيدنا عيسى عليه السلام، قبر مريم بنت عمران المذكورة في القرآن الكريم، وغيرها من الآثار الدينية والروحية التي لا تعد ولا تحصى، وقد حافظ عليها المسلمون وصانوها جيلًا بعد جيل. وكم كان حرص الحجاج المغاربة منذ أقدم العصور شديدًا على زيارة فلسطين والصلاة في المسجد الأقصى، حتى إنهم أقاموا حيًّا كاملاً بجواره يدعى حي المغاربة، ولا يزال شاهداً إلى اليوم على عمق الصلة بين المغاربة وبيت المقدس. ويذكر المؤرخون أن علماء مغاربة كبارًا أقاموا بفلسطين أو زاروها، ونذكر منهم على سبيل المثال: القاضي أبو بكر بن العربي المعافري صاحب كتاب أحكام القرآن، وكتاب العواصم من القواصم، هذا العالم المغربي الكبير أقام بفلسطين ثلاث سنوات طالبًا للعلم، والعالم الفقيه ابن جبير، والعلامة العبدري الحيحي، والرحالة ابن بطوطة ومؤسس علم الاجتماع، الدارس لعوامل نشوء الحضارات وسقوطها الفقيه والمؤرخ والقاضي ابن خلدون، والمقري وغيرهم، وقد دوَّن كل واحد من هؤلاء رحلته إلى القدس الشريف، ووصفها وصفًا دقيقًا شاملًا، معبرًا فيها عن شعوره الروحي العظيم وعواطفه الجياشة.
الخلاصة: أن فلسطين عامة والقدس بوجه خاص ليست شأن الفلسطينيين وحدهم كما يسوغ ذلك الفكر القطري التجزيئي والعلماني التغريبي، وإنما هي شأن كل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها، فهو مطالب بالدفاع عنها ونجدتها وتحريرها والصلاة فيها. يقول العلامة عبدالله كنون كبير علماء المغرب الأقصى -يرحمه الله-: رفع المسلمون شعار القدس في كل مكان، وما أحق أن يكون القدس في ضمير كل مسلم، في عقيدته، في إيمانه، في صلاته، في محل عمله، في يقظته، في نومه، لأنه القبلة الأولى للمسلمين، وثالث المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها، وقد عطلت مع الأسف هذه الرحلة التي لا يجوز أن تكون إلا في ولاية الإسلام، وتحت حكمه المطلق «لاحظ تشديده على عدم جواز زيارة القدس في ظل الاحتلال»، إن مدينة القدس ليست للعرب وحدهم فهي لجميع المسلمين، والعرب إنما هم حراس لها وسدنة لحرمها، فإذا غلبوا لسبب من الأسباب فإن من الواجب أن تهب الأمة الإسلامية جمعاء للذود عن كيانها وحماية بيضتها، وإلا حاق بها الذل والهوان في كل مكان، واعتبر استسلامها وتخاذلها وصمة عار في جبين كل مسلم، وميسم خزي يلاحقه أينما حل أو ارتحل». (انظر ص ٣٥ من مجلة دعوة الحق عدد ٥ سنة (22/1981م).
بكلمة.. إن فلسطين ليست ككل أرض، ومن ثم فإن قضيتها يجب أن تكون في مقدمة هموم المسلم، بل ويجب أن تكون مقياسًا أساسيًّا يحدد في ضوئه علاقاته مع غيره أشخاصًا كانوا أم أحزابًا أم منظمات أم دولًا، ففي ضوء موقف هؤلاء من فلسطين يكون موقف المسلم منهم، من حيث الولاء والعداء، المعاملة والمقاطعة، الحب والكره، فهل نكون في مستوى التحدي في هذا الظرف العصيب الذي يتعرض فيه الأقصى لأكبر مؤامرة في التاريخ؟
(*) كاتب مغربي
نتمنى!
كنا نتمنى أن تتعاون الجهات الرسمية في الأردن مع الجهات الشعبية لإظهار الاحتجاج على الممارسات الإجرامية للعدو الصهيوني، بدل أن تقوم قوات الشرطة بمختلف تشكيلاتها بضرب المحتجين، وفيهم قيادات سياسية إسلامية بارزة سبق لبعضهم تولي مناصب مهمة في الدولة.
ماذا لو؟
تستمر الانتفاضة ويستمر الإجرام الصهيوني أشهرًا عدة، سقط خلالها المئات من القتلى والآلاف من الجرحى، ماذا لو كان بعض ذلك قد حدث لليهود وليس للمسلمين؟ ماذا كان سيكون عليه الموقف الأمريكي المنحاز بالكلية للصهاينة، حتى إن واشنطن دعت لقمة عالمية في شرم الشيخ لدعم الصهاينة بعد أن سقط عدد منهم في العمليات التي قامت بها حماس؟
نتمنى!
نتمنى على العرب والمسلمين أن يواجهوا ذلك الموقف الأمريكي المنحاز للكيان الصهيوني، بما يستحق من إجراءات سواء على المستوى الحكومي أو الشعبي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل