العنوان فلسفة «اللاعنف الغاندية» والقضية الفلسطينية
الكاتب سمير شطارة
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-2001
مشاهدات 54
نشر في العدد 1436
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 30-يناير-2001
راق للكثير من المنظرين في «الجهاد المدني»، أو قل «العصيان المدني»، أن ينجروا إلى الحديث عن غاندي ونضاله «اللاعنفي» حيث غدا صاحب «فلسفة اللاعنف» «الساتياغراها» التي تكللت باستقلال الهند على الرغم من أن غاندي لم يكن له السبق في هذه الفلسفة، وأن نشأتها في الأصل كانت على يد محام من جنوب إفريقيا عانى كثيرًا كما عانى شعبه من التمييز العنصري ضد اللون الأسود.
التمييز العنصري في الهند وصل ذروته عام ۱۹۱۳م عندما أصدرت الحكومة البريطانية قرارًا قضائيًا يقضي باعتبار كل عقود الزواج التي تمت من خلال الديانتين الإسلامية والهندوسية باطلة، وعليها فإن كل الزوجات اعتبرن بمثابة «عاهرات» وقد حث غاندي النساء على السير في تظاهرة سلمية إلى منطقة المناجم في «الناتال» حيث كان يعمل أزواجهن، ومن ثم اصطحابهم إلى مقر الحكومة للاحتجاج على المرسوم الجديد، في حين كانت السلطات البريطانية تحظر على جميع الأسيويين دخول هذه المنطقة إلا بترخيص منها، وما إن اقتربت أفواج النساء من المنطقة المحظورة حتى داهمت قوات الشرطة المظاهرة وطوقتها واعتقلت النساء كافة، وهو الأمر الذي دفع الأزواج لتنظيم مظاهرة بعد إعلان الإضراب عن العمل والتوجه إلى مكان احتجاز زوجاتهم.
وطبقًا لتعاليم الفلسفة الغاندية التي ترفض كل أنواع القرارات والمخططات السرية، وتنص على العلنية، فقد بادر غاندي بإخطار الحكومة بنواياه في تنظيم مظاهرة سلمية بصحبة أزواج النسوة؛ بهدف تخليصهن من معتقلهن، وإلغاء القانون الظالم الذي صدر بحقهم جميعًا.
وانطلقت المظاهرة بعدد قوامه أربعة آلاف رجل يقطعون (٢٥) ميلًا في اليوم، ويعيشون على تبرعات المتعاطفين معهم على طول امتداد طريقهم، وعلى الرغم من اعتقال السلطات لقادة المظاهرة -وبالطبع غاندي كان من بينهم- إلا أن المسيرة واصلت سيرها نحو هدفها بشكل سلمي، وخلت من أي استفزازات جانبية، وعند وصولها إلى حدود المنطقة تفاجؤوا بقطعان غفيرة من قوات الشرطة الخيالة يمتطون صهوات جيادهم، ويطلقون تهديدات للمتظاهرين بأن الاستمرار في مسيرتهم سيجلب عليهم الويل والعذاب، غير أن حماس المتظاهرين السلمي دفعهم للمضي قدمًا في طريقهم، وهو ما أدى إلى استخدام العنف من قبل قوات الشرطة.
وهنا برزت ردة فعل معاكسة وطبيعية، فإما أن يلجأ المتظاهرون إلى الفرار والاختباء من سياط الخيالة، أو أن يقعوا في مواجهات يستخدمون فيها كل الوسائل المتاحة للذب عن أنفسهم إلا أن «الساتياغراها» التي وضع أسسها غاندي قضت باستخدام أسلوب ثالث هو عدم الهروب وعدم المصادمة، بل صدرت لهم تعليمات مشددة بالسجود والانقطاع للدعاء والصلاة مهما بلغت الأضرار التي يتعرضون لها، وما شهد به مراسلو الصحافة الأوروبية الذين شهدوا الواقعة أن الخيول امتنعت عن التقدم نحو المتظاهرين، على الرغم من ضربها من قبل عناصر الشرطة، الحيوان يرفض أوامر الإنسان الظالم، وكان هذا الموقف العجيب من أشهر ما يساق للاستشهاد بجدوى «الجهاد المدني»، وترتب على هذه الحادثة أن خضعت الحكومة المستبدة للعصيان المدني، وألفت قانون الأحوال الشخصية المذكور أعلاه، كما ترتب على ذلك أن زاد الكثير من الهندوس في ضلالهم، واعتبروا أن هذه الحادثة «معجزة» وأن غاندي أحد أوليائهم، ولذلك لقبوه به «المهاتما» «رجل الروح».
أسلوب يحتذى:
وهكذا غدت طريقة غاندي أسلوبًا يحتذى للتخلص من المظالم والانعتاق من الاستعمار، هذا السلوك أغرى العديد من المهتمين بالدراسات الاجتماعية والعلوم السياسية بمحاولة إسقاطه على القضية الفلسطينية، وغاب عن أذهانهم الملابسات والأبعاد والظروف التي واكبت حركة التحرر في شبه القارة الهندية من هيمنة «بريطانيا العظمى» وراح البعض ينظر للقضية الفلسطينية ويرى أن فلسفة «اللاعنف» الغاندية هي الطريق الأمثل لحل القضية العالقة منذ أكثر من نصف قرن.
من العبث التسليم بأن أسلوب اللاعنف قد وخز ضمير الإمبراطورية العظمى ودفعها بالتالي إلى الانسحاب من مستعمراتها المنتشرة هـنا وهناك، فما حدا بها لهذا الانسحاب عن تلك البلاد هو ارتفاع فاتورة إبقاء السيطرة عليه، وزيادة الأعباء على كاهلها خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وبزوغ سياسة «اللاعنف» الغاندية -كما يحلو للبعض أن يسميها- لم يكن أكثر من تزامن مع تلك الفترة المتردية التي شهدتها بريطانيا، كما أن تاريخ شبه القارة الهندية يخل من عشرات الآلاف من العمليات العسكرية وأشكال المقاومة المسلحة.
القضية الفلسطينية تختلف:
لا شك أن سلوك العصيان المدني له تأثيرات خاصة إذا اتسعت رقعته وشمل طبقات المجتمع وقطاعاته الحيوية، لكنه لكل مشكلة ظروفها الخاصة، وظروف الهند لا تنطبق بأي حال على القضية الفلسطينية، فالمستعمر الذي يربض على الأرض ليس مستعمرًا وقتيًا، وإنما جاء ليموت في الأرض، ومعركته مع الشعب العربي والإسلامي معركة وجود وليست معركة حدود، كما أنه يمثل مجموعات بشرية قدمت من الشتات وتجمعت وفق عقيدة دينية بحتة ترى في هذه الأرض «أرض الخلود» ليغدو الاحتلال الوحيد الذي يقوم على أساس الدين هو احتلال الكيان صهيوني لأرض فلسطين، ومن هنا تتسع حدود المعركة لتشمل المسلمين كافة لا سيما أن ارتباط اليهود بمقولات دينية تقابله حقائق دينية ثابتة عند المسلمين بقدسية هذه الأرض ومكانتها.
لقد نجحت الدول الإسلامية والعربية لفترة من الزمن في التعامل مع هذا الكيان عبر سياسة «المقاطعة الكلية» ونبذه كالجمل الأجرب، إلى أن تنامى حس «سلام الشجعان» ومقارعة العدو من خلال المفاوضات والمحادثات واعتراك الحل السلمي كيفما كان وأينما كان، وفي ظل هذه الأجواء طفح على واجهة الأحداث أول لقاء عربي صهيوني بصورة علنية تمثلت في توقيع معاهدة كامب ديفيد مع مصر، ثم توالت بعدها حمى «السلام»، لتصيب عقر البيت الفلسطيني، وتسفر عن اتفاق أوسلو ۱۹۹۳م، وأوسلو٢، عام 1995م، واتفاق الخليل ۱۹۹۷م، واتفاق «واي ريفر» ۱۹۹۸م، وشرم الشيخ عام ۱۹۹۹م. وأخيرًا بالطبع مفاوضات كامب ديفيد ٢، التي أخفقت حتى في الوصول إلى اتفاق على الاتفاق، وكتب للاتفاقات كافة الفشل والإخفاق، واكتشف فلسطينيون من خلالها أن الشيء الوحيد الذي سيحصلون عليه هو المساعدات الأمريكية لقاء المزيد من التنازلات في الأراضي، ولقاء تنازل كامل وكلي في موضوع العودة.
وبغض النظر عن فشل المحادثات يظل جوهر الصراع قائمًا على حقيقة التناقض الإستراتيجي، بين الكيان الصهيوني المحتل والشعب الفلسطيني ومن ورائه الأمة العربية والإسلامية، وتفجر انتفاضة الأقصى ليس في فلسطين وحدها، بل في معظم العواصم العربية إثر تدنيس الإرهابي أرييل هارون للمسجد الأقصى- دليل صارخ على فشل نهج التسوية والاستسلام، وأن روح المقاومة مازالت تسري في قلب الأمة، فالمطلوب الآن ليس إعادة تأهيل العقل العربي والفلسطيني وترويضه للقبول بالحل الأمريكي الصهيوني، ولا البحث عن كيفية إحياء المفاوضات العبثية مع العدو المحتل، وإنما البحث عن بديل حقيقي لهذه المهزلة والعودة إلى أحضان الشعب الدافئة والنهوض بروح المقاومة.
المطلوب هو التصالح مع الشعب، وإطلاق صراح المجاهدين، وإعلان فشل نهج التسوية للاستعداد لدفع ضريبة الكرامة والتحرير، والتوقف عن لعب دور حارس الاحتلال وضرب المقاومة بعصا غليظة، وإعطاء الشعب الفرصة كاملة ليتعامل مع الاحتلال باللغة التي لا يفهم غيرها.. لغة الجهاد والاستشهاد، لغة الصمود والمقاومة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل