; فن «تخصيب» السعادة | مجلة المجتمع

العنوان فن «تخصيب» السعادة

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 24-يونيو-2006

مشاهدات 68

نشر في العدد 1707

نشر في الصفحة 59

السبت 24-يونيو-2006

إن السعادة الزوجية لا تتحقق أبدًا إلا بوجود الرضا فالرضا بما قسم الله كنز ثمين ومعنى داخلي في أعماق النفس، يجعل من بيت الزوجية واحة خضراء غناء تفيض حيًا وودًا وسعة ورغدًا.

ولله در القائل: 

إن الغني هو الغني بنفسه*** ولو أنه عاري المناكب حاف 

ما كل ما فوق البسيطة كافيًا *** وإذا قنعت فبعض شيء كاف

وصدق الشاعر حينما قال:

أرى الدنيا لمن هي في يديه *** هموما كلما كثرت عليه 

تعين المكرمين لها بصغر *** وتكرم كل من هانت عليه 

إذا استغنيت عن شيء فدعه *** وخذ ما أنت محتاج إليه

 فالرضا بقسمة الرزاق غاية ينبغي أن يحققها كل زوج يريد السعادة في الدارين، وكذلك كل زوجة بيد أنني سبق أن أوصيت الزوج بذلك، كما أن الزوج المسلم يهتدي بهدى الحبيب الذي بين لنا أن الكريم قريب من الله قريب من الجنة بعيد عن النار، وأن البخيل بعيد عن الله بعيد عن الجنة قريب من النار.

فالزوج المسلم التقي الكريم يحرص على توفير احتياجات أسرته، ويرى أن ذلك من أساسيات الرجولة والنخوة والشهامة، بيد أنه ربما لا يستطيع أن يحقق طموحاته وطموحات أسرته، وهنالك إذا وجد زوجته راضية بما قسم الله مهونة عليه ما فاتهما من حطام الدنيا الفانية.. تبددت همومه وأحزانه، وأحس براحة نفسية وسعادة وردية مع زوجته لا يشعر بها ذوو الجاه والسلطان والمال ممن حازوا زوجات ذوات منصب وجمال.

 صحيح أن الجاه والجمال والمنصب والشهادة العلمية تعين على تحقيق السعادة، لكنها لا تصنع السعادة، أذكر أن سيدات كثيرات تزوجن أزواجًا يمتلكون ذلك كله، وكان الناس ينظرون إلى هؤلاء السيدات على أنهن غارقات في السعادة، في حين أنهن يعانين تعاسة وشقاء وأمراضًا نفسية وهذا خير دليل على ما ذهب إليه علماء النفس من أن السعادة «تنبع من الداخل» وليت جميع الزوجات يعقلن هذه الحقيقة.

وأذكر أن إحدى قريباتي وقد تمتعت بجمال جذاب ومنصب خلاب، وجاءها الخطاب من كل حدب وصوب، وأبت إلا أن تختار الوسيم ذا المال والمنصب والجاه المنحدر من أسرة إعلامية، فعقد عليها، وما هي إلا شهور وفوجئت بالواقع المرير، فتركته وتركها، ثم نصحتها بأن ترتب أولوياتها، لكنها أبت إلا أن تسير من نفس الطريق، وكانت عاقبة أمرها خسرا، بل كانت إذا ذكر اسم هذا الشخص. وقد سبق أن هامت فيه حبًا وشوقًا ويهرت بماله وسلطانه وجاهه وشهادته أصيبت بحالة نفسية تذهل كل مرضعة عما أرضعت !!

لم تجد هذه الحسناء السعادة في الوسامة ولا في المنصب ولا الشهادة ولا المال ولا الجاه.. وأخريات كثيرات غير تلك الحسناء لم يجدن السعادة حيث توقعتها، فكانت الواحدة منهن تجري وراء الوهم 

﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ (النور: ٣٩). إذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد.

من الضروري أن تجيدي من تخصيب السعادة من الداخل وتوليدها، لأنك إن لم تحققي السعادة من داخلك فلن تسعدي نفسك ولا زوجك ولا الآخرين تعلمي أن تكوني سعيدة ومسعدة. 

وحديثًا ظهرت نظرية في علم النفس تبين كيف يسعد الإنسان نفسه ويسعد الآخرين، مغزاها - بإيجاز. أنه إذا رغبت في السعادة فيجب أن تؤدي واجبات أربعة وهي الواجب الروحي والواجب الاجتماعي، والواجب العقلي، والواجب الجسدي، وأنت إذا تأملت هذه النظرية. وفهمت معادلتها استطعت أن تستنتجي حقيقتين:

الحقيقة الأولى: أن هذه النظرية يجسدها قول الرسول ﷺ: «إن لربك عليك حقّا، وإن لأهلك عليك حقًا وإن لنفسك عليك حقا، وإن لزورك - أي ضيوفك - عليك حقًا».

فالواجب الروحي هو حق الله تعالى، والواجبان العقلي والجسدي هما حق النفس، والواجب الاجتماعي هو واجب الأهل والزوار، فقسمي وقتك على هذه الواجبات الأربعة.

والحقيقة الثانية: أنك مسؤولة عن إسعاد نفسك وإسعاد غيرك، فكثير من الزوجات يعانين داء اللوم.. وفي ذلك راحة لهن، فدائمًا تعلق تعاستها على الزوج، نعم قد يكون ذلك صحيحًا، ولكن ما أحذر منه هنا هو أن تكتفي بذلك، ولم تحاولي تغيير نفسك وتغيير زوجك والظروف المحيطة بكما لتحقيق السعادة، فالتغيير ينبغي أن يبدأ من النفس كما ما أرشدنا الله عز وجل في قوله تعالى،  ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱). 

إن التغيير يبدأ يسيرا وقليلًا من النفس فيثمر ويولد تغييرات كثيرة في الذات وفي الآخرين.

 وحتى لا تظني أن ذلك مستحيل، ولكي لا تعيشي حياة اليأس والقنوط، دعيني أقص عليك قصة هذه الزوجة التي شكت ذات يوم من معاملة زوجها، فقلت لها: هل فكرت في أخطائك معه؟ قالت: لا أخطئ. فقلت لها: دعينا نركز على مستوى خطابك له.. هل ناديته بالاسم الذي يحبه؟ هل توددت إليه فإن وجدت قبولًا استمررت وإن وجدت نفورا كففت؟ هل حرصت على إرضائه وتحقيق ما يحب؟! إلى آخر هذه الأسئلة التي تشكل تغييرًا في ذاتها.. فجاءت كل إجاباتها بالنفي، فاتفقنا على جدول أعمال لتغيير ذاتها مع زوجها، وما هي إلا شهور حتى جاءتني برقية شكر من زوجها.. فأقلعي أختي الزوجة عن كثرة اللوم، وحاولي أن تغيري ذاتك.. ارضي بما قسم الله لك واقنعي بزوجك فهو نصيبك، واعلمي أن السعادة تنبع من الداخل، وأنك المسؤولة عنها، وغيري من نفسك لتسعدي وتسعدي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1109

84

الثلاثاء 26-يوليو-1994

الفقه والمجتمع (العدد 1109)

نشر في العدد 574

70

الثلاثاء 08-يونيو-1982

الأسرة.. 574

نشر في العدد 1584

76

السبت 10-يناير-2004

فتاوى المجتمع (1584)