العنوان أيام في إيطاليا: كنائس خاوية وحدائق إباحية وطفل داعية
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 10-فبراير-2007
مشاهدات 54
نشر في العدد 1738
نشر في الصفحة 44
السبت 10-فبراير-2007
قلت للمسلمين: كلوا وجبة واحدة في اليوم وامتنعوا عن كافة الكماليات لتبنوا مدارس إسلامية تقي بناتكم وأبناءكم خطر الإباحية الطاغية
الكنائس تحولت لمتاحف لا يزورها الإيطاليون إلا في المناسبات الطارئة من حزن أو فرح
رغم أن عدد اليهود لا يتجاوز 35 ألفًا إلا أن تأثيرهم السياسي كبير... لدرجة أن الحكومة أجلت الانتخابات العامة ذات مرة لتزامنها مع عيد الفصح.
طال العهد بإيطاليا، إذ زرتها مؤخرا في شهر ربيع الأول عام ١٤٢٧هـ، وكنت قد زرتها في عام ١٤٠١ هـ -شهر مارس ۱۹۸۱م، لأداء اختبار الرخصة الخاصة بالطيران الابتدائي في مقر السفارة الأمريكية في روما، وقد جلت آنذاك في روما ورأيت الفاتيكان، وذهبت إلى بلدة بومبي العجيبة التي ثار عليها بركان فيزوف، فأحالها أثرًا بعد عين، وذهب بمعالمها.
ولما دخلت دور البلدة المهجورة وجدت القوم البائدين قد صوروا عمل قوم لوط على جدران بيوتهم من داخلها، فقدرت أن البركان الذي اجتاحهم وهم نائمون كان عذابًا من الله تعالى، ولعله قد جاءهم نذير فصدوه، فعذبهم الله، ألم يقل الله تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (سورة فاطر: 24)
انحلال أخلاقي
وقد ذهبت آنذاك مع مجموعة من شباب متدربي الطيران، فوجدت منهم إعراضًا عن المعالي واقترابًا من الدنايا. وكانت تلك الرحلة أول خروج لي إلى أوروبا، ففوجئت بما رأيت من مناظر الانحلال والإباحية التي عجبت منها كثيرًا. وقد حماني الله تعالى منها ولله الحمد، وإن أنس فلا أنسى أبدًا منظرًا رأيت فيه الرجال والنساء في إحدى الحدائق على وضع لا يرضي البهائم. وصدق الله تعالى: ﴿كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ (محمد: 12) وتذكرت كم علينا -نحن المسلمين -من تبعات هداية أولئك.
الزجاج الشفاف ...
ومن الطرائف التي وقعت لي في تلك الرحلة أني كنت في الفندق، وكان زجاج مدخله شفافًا جدًا ونظيفًا جدًا إلى درجة أني ظننت أن باب الفندق مفتوح، ومن عادتي أن أمشي بسرعة، فنطحت الباب نطحة قوية جدًّا أرهبت من في الفندق وسقطت سماعة الهاتف من يد أحد موظفي الفندق، وأحدثت تلك النطحة صيحة هائلة، وأحمد الله أن ذلك الوقت لم تكن قد انتشرت فيه دعاوى ما يسمى الإرهاب المضللة وإلا لعدوني إرهابيًّا. وعذري في صنيعي أنه كانت تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها فندقًا ذا خمسة نجوم.
وكان رفيق دربي في تلك الرحلة «أبا البراء بدر بن أحمد العليان» -وفقه الله تعالى -شاركته في غرفته في الفندق وشاركته بعد ذلك غرفة المبيت في أمريكا تسعة أشهر تقريبًا، وقد رأيت منه أدبًا جمًا، وإقبالًا على الخير، وهو اليوم مدير المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات في حي الحمراء في جدة وأحد قادة الطائرات المرموقين... هذا أهم ما علق في ذاكرتي من أخبار تلك الرحلة، وقد مضى عليها ٢٦ عامًا ...
الرحلة الثانية.. في رحاب الأقصى.
أما رحلتي الثانية فكانت في ربيع الأول عام ١٤٣٧هـ، أبريل ٢٠٠٦م بدعوة «الجمعية الخيرية المناصرة الشعب الفلسطيني» التي نظمت مهرجان الأقصى الثامن المناصرة فلسطين تحت شعار «الرجاء والأمل»، فأجبت دعوتهم. وكان معي المربية الفاضلة، أم علي حفظها الله تعالى، وقد انتفع بها النسوة كالعادة في معظم رحلاتها معي جزاها الله تعالى خيرًا.
قروض المساكن ومدارس لبنات المسلمين.. أهم التحديات، وكان وصولي فجر الجمعة ٢١ ربيع الأول، وأخذوني إلى الفندق لأستريح بعض الوقت ثم ذهبت معهم إلى الجامع الكبير في ميلانو -وهو عبارة عن صالة رياضية مستأجرة لأداء صلاة الجمعة -وكان فيها تقريبًا ألفان من المصلين، وخطبت فيهم عن الاعتزاز بالإسلام العظيم، ومقتضيات تلك العزة هي التزام الإسلام والفخر به والدعوة إليه والمشاركة في نشاطاته، وتحقيق متطلبات وجوده في أرض أوروبا.
وبعد الصلاة أقبل الناس، وسلموا بحرارة وحب وأخوة قل أن تجدها عند غير المسلمين، ثم ذهبنا لتناول الغداء، واسترحنا في الفندق قليلًا إلى أن اقترب المغرب فذهبنا إلى مسجد المعهد الثقافي الإسلامي بميلانو وإمامه الشيخ أحمد الحسيني «أبو عماد»، وصلينا المغرب وتحدثت بعده مع الحضور عن فضل ذكر الله وأهميته، ثم أجبت عن بعض أسئلة الحاضرين الكثيرة، وكان غالبها يدور حول المعيشة في الغرب، والاقتراض بالربا لشراء المساكن وغير ذلك، وقد توسعت في إجابتي عن هذا السؤال بما أراه وهو حرمة الاقتراض بالربا إذ لا ضرورة تدعو لذلك. ودعوتهم لإنشاء جمعية للمسلمين لبناء المساكن تبعد عن المسلمين أضرار الربا.
وتحدثت معهم عن مسألة مهمة جدًّا الا وهي وجوب إنشاء مدارس للبنات تحفظ عليهن أخلاقهن وعفافهن ودينهن، وأنه ينبغي للجالية المسلمة أن تعمل كل ما في وسعها لإنشاء هذه المدارس، ولو أن تكتفي بوجبة واحدة في اليوم والليلة، وأن تمتنع تمامًا عن كل الحاجيات والكماليات حتى تحقق هذه الغاية النبيلة. ثم ذهبنا لتناول طعام العشاء وعدت إلى الفندق.
فعاليات فلسطينية
وفي اليوم التالي: السبت ذهبت مع الإخوة إلى بلدة «بريشا» التي انعقد فيها مهرجان اليوم الأول. ومن عادة الجمعية أن تعقد مهرجانًا في كل بلدة مهمة، بحيث تستفيد تلك المدن والبلدات من تلك المهرجانات ولا يحتاج الناس إلى التنقل الحضور المهرجانات.
وفي «بريشا» تجمع نحو ألف من الرجال والنساء، وتحدث مجموعة من المسؤولين عن الجمعية، ثم تحدث د رائد فتحي -وهو حائز على «الدكتوراه» من بريطانيا، في «الأحكام الفقهية الخاصة ببيت المقدس» وهو من فلسطينيي ١٩٤٨ -وحث في كلمته الحاضرين على عدم ترك الفلسطينيين وحيدين، ثم تحدثت إلى الحاضرين عن ثلاثة أمور هي: عظم أرض الشام وأهميتها وفضل جوهرتها بيت المقدس، وعن أهمية مشاركة إخواننا مصابهم والتعاون معهم ببدء مشاريع نافعة تكون سنة حسنة، والصحوة الإسلامية التي طرقت بلاد فلسطين.
ثم فتح باب التبرع، وتبرع بعض النسوة بحليهن، وأقام الشيخ رائد فتحي مزادًا علنيًّا على بعض الحلي واشتراها الناس وغالوا في أثمانها، ثم تناولت العشاء مع الإخوة وعدنا إلى الفندق في ساعة متأخرة.
كنيسة ميلانو
وفي يوم الأحد: ذهبت للاطلاع على الكنيسة الهائلة في وسط ميلانو والتي يقولون إن بناءها استغرق أربعمائة سنة وبناؤها لم أر مثله من قبل -على كثرة ما رأيت في الهند ومصر وإسطنبول -ثم زرت المتحف زيارة عابرة لضيق الوقت -وهو في قلعة حربية أقامتها إسبانيا عندما كانت تحكم ميلانو -ثم بعد ذلك توجهت مع مرافقي إلى مطعم جزائري للغداء، ثم اتجهت إلى الفندق للاستعداد للذهاب إلى المهرجان الثاني وهو مهرجان مدينة ميلانو وكان في قاعة رياضية، حضره قرابة ثلاثة آلاف.
وتحدث في مهرجان ميلانو عدد من مسؤولي المراكز والمساجد والجمعيات وتحدث صحفيان إيطاليان حديثا حسنًا في مجموعه ومضمونه مناصرة الفلسطينيين واستغراب ما يصدر من الأمريكان واليهود من أفعال مخزية.
وتحدث في المهرجان الشيخ أبو عماد 2 أحمد الحسيني، والشيخ رائد فتحي وتحدثت حديثًا مشابهًا لحديثي في بريشا في المهرجان الأول، وزدت عليه ببيان أهمية الصدقة في حياة الإنسان، وأنها مفيدة له في الآخرة، وفي الدنيا أيضًا، وأكدت أن أعظم نصرة لشعب فلسطين هو مزيد من الالتزام بالإسلام وبالسنة، وشاركت فرقة الاعتصام الإنشادية -من فلسطيني ١٩٤٨ -بفقرات فنية.
عمر.. الطفل الداعية
وخلال رحلتي التقيت عددًا من المسلمين الإيطاليين الذين شرح الله صدرهم بالهدى.. منهم تاجر إيطالي مكث في مصر مدة عام فتأثر وأسلم، وتسمى «محمد إنيال»، رغم أنه قد عاش طفولته «كان عمره أحد عشر عامًا» بين الرهبان في مدارسهم سنة كاملة، لكنها الهداية ولله الحمد.
ولقد أخبرني أنه قرأ التوراة والإنجيل والقرآن فلم يجد شفاء صدره ولا غليل عطشه إلا في القرآن العظيم الذي وجد فيه إجابة لكل الأسئلة الحائرة في صدره. ومن ثم تزوج مصرية ورزق منها بمريم وعمر، وهو الآن داعية يدعو بحماسة ونشاط.
ومن العجيب أن ابنه عمر ذا السنوات الأربع تسبب في هداية أحد المصريين وذلك أن والده أخذه إلى مكان لشرب القهوة. فإذا صاحبه مصري ويبيع الخمر فقال الابن لأبيه: «إن هذا الرجل ليس مسلمًا لأنه يبيع الخمر» فتأثر المصري وتردد على المسجد وتاب وحسنت توبته وأسلمت زوجه وماتت مسلمة، وكل ذلك بفضل الله ثم بالكلمات الصادقة التي خرجت من فم الطفل الصغير.
ومن الأمور العجيبة في «محمد إنيال» أنه رقيق جدًّا سريع الدمعة، فقد حدثني إمام المسجد من مساجد مدينة بولوينا، أنه إذا خطب الخطبة الأولى وجلس، يأتي «محمد إنيال» ليقرأ ترجمة الخطبة على الناس، فيبكي، وحدثني أيضًا أنه يصاحبه دائمًا في رحلاته وفي خلواته ويحدثه عن الصحابة وأبطال الإسلام فيظل يبكي بكاء شديدًا.
قلوب رقيقة
ومن المواقف العجيبة المؤثرة أن «محمد إنيال» كان برفقة الإمام في المركز، فجاء رجل مصري يطلب الزواج من امرأة إيطالية -وكانت خلفه -فرأى الإمام بطنها فعلم أنها حامل، فسأل الرجل فقال: نعم هذا الحمل مني، فأخبره أن يأتي غدًا للعقد -وهذا جائز عند بعض العلماء إذا كان المعقود له هو الزاني -نسأل الله العافية -المهم أن هذا الإيطالي تحدث إليها لمدة ربع ساعة. فلما جاءت في اليوم التالي طلبت من الإمام أن تسلم قبل العقد، فتعجب الإمام وسأل عن السبب؟ فقالت له: إن هذا الإيطالي دعاني إلى الإسلام!! وحكت أنها ذهبت إلى مركز في ميلانو فطردوها شر طردة، لكن هذا الإيطالي أراها سماحة الإسلام. والإيطاليون يغلب عليهم البعد التام عن الدين والإباحية الشديدة، وقليل منهم جدًا من يحضر إلى الكنسية يوم الأحد إلا في فرح أو جنازة، ويقدر نسبة من يحضر بأقل من واحد بالمائة.
اللوبي اليهودي
واليهود في إيطاليا عددهم تقريبًا ٣٥ ألفًا -وهو عدد لا يذكر بالنسبة لمجموع السكان البالغ ٥٤ مليونًا -لكن نفوذهم كبير، فلا تكاد تجد حزبًا إلا وفي قيادته يهودي، بل إن حزب اليسار الفائز الآن في الانتخابات سكرتيره العام يهودي.
وقد حدث مرة أن الانتخابات الإيطالية كانت ستجري في أيام عيد الفصح اليهودي، فأرجأت الحكومة الانتخابات واعتذرت رسميًا لليهود بالرغم من أن نسبتهم من مجموع الناخبين أقل من واحد من عشرة آلاف!!
والإعلام القوي المؤثر أغلبه بأيدي الصهاينة، وربما تجد إعلاميًّا حرًّا، لكن أن تجد مؤسسة إعلامية حرة فهذا نادر، ومن تجرًا من الإعلاميين المناصرة قضايا المسلمين فأعلن ذلك يواجه بعاصفة من التشكيك والتجريح، لذلك يوجد إعلاميون كثيرون مقتنعون بقضايا المسلمين، لكن قليل منهم من يصرح بقناعاته. على أن الشعب الإيطالي في الجملة يكره اليهود ويبغضهم، لكن استطاع الخبثاء أن يستغلوا الأحوال والتقلبات وأن يصلوا إلى ما وصلوا إليه من تأثير ونفوذ.
وكان المهرجان الثالث في مدينة بولونيا وهي إحدى المدن الصناعية الكبيرة، وقد اتجهت إليها برفقة الأهل والأستاذ محمد حنون رئيس الجمعية، وكان الجمع في بولونيا قرابة ألف أو يزيدون قليلًا في ملعب رياضي وتحدثت في البداية في كلمة موجزة مرحبًا وفسرت تفسيرًا موجزًا قول الله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء: 1) وكذلك ألقى د. رائد فتحي بعدي افتتاحية موجزة، ثم توالت الكلمات من مختلف الأشخاص، وأنشدت فرقة الاعتصام عدة أناشيد لكن الكلمة الرائعة المؤثرة كانت كلمة الأخ الإيطالي محمد إنيال -الذي توسعت في ذكر شيء من أحواله -بكى عدة مرات في كلمة كانت أقل من خمس دقائق، فبكى وأبكى وهو يذكر حال بعض إخوانه وأخواته الذين رآهم في فلسطين لما زارها، وهو رقيق جدًا ومؤثر، حفظه الله ونفع به.
وتحدثت بعد ذلك حديثًا مطولًا بعض الشيء مشابهًا لما تحدثت به في بريش، وميلانو، وأضفت إليه أن النفقة في حال الشدائد أعظم بكثير من النفقة حال الرضا، وأنه ينبغي أن يكون المرء إيجابيًّا ويتخلص من السلبية.
وفي يوم الثلاثاء -يوم المغادرة -ذهبت صباحًا لزيارة بلدة برجامو pergamo وهي بلدة تاريخية قريبة من ميلانو، تبعد عنها قرابة ستين ميلًا، وتشتهر بطبيعتها الخلابة وسورها الثلاثي، سور فوقه سور فوقه سور، فهي بهذا بالغة الحصانة والقوة، وفيها كنيسة ذات بناء عجيب مدهش.
ولا أرى حرجًا في الدخول لكنائسهم فهي اليوم متاحف أكثر منها دور عبادة وهي حتى لو كانت دور عبادة، فدخولها جائز على الصحيح.
أما ما عدا ذلك فالديار خالية تصفر الريح في جنباتها، وهذا جزاء من حرَّف كتابه.