; في المنتدى الفكري: إحياء رسالة المسجد | مجلة المجتمع

العنوان في المنتدى الفكري: إحياء رسالة المسجد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1987

مشاهدات 68

نشر في العدد 844

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 24-نوفمبر-1987

عندما عقدنا منتدانا الفكري «خطبة الجمعة» شد كثير من الدعاة على أيادينا ودعوا إلى المزيد من الندوات الهادفة إلى ترشيد العمل المسجدي.

واستجابة من المجتمع لدعوة علماء الأمة ومفكريها فقد دعت المجتمع عددًا من الأساتذة المهتمين بالدعوة وبرسالة المسجد في المجتمع الإسلامي وهم الأساتذة:

1- فضيلة الشيخ صلاح أبو إسماعيل الداعية المعروف وعضو مجلس الشعب في مصر.

2- الدكتور فاروق بطل أستاذ الثقافة الإسلامية في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة.

3- الدكتور عمر سليمان الأشقر المدرس في كلية الشريعة في جامعة الكويت.

4-الأستاذ أحمد بن غيث نائب مدير المساجد في وزارة الأوقاف- الكويت.

و«المجتمع» إذ تنشر هذا الحوار فإنها تحرص على دعوة مفكري الأمة ومنظري العمل الدعوي الإسلامي إلى إثراء جوانب هذا الموضوع لما تعتقده من الأولوية القصوى لرسالة المسجد في المجتمع الإسلامي، وسوف تنشر المجتمع كل رد أو حوار أو اقتراح بناء حول هذه القضية.

هذا وقد أجاب الإخوة المشاركون على أسئلة المجتمع وفق القضايا الآتية:

1- الدعوة خارج المسجد

المجتمع: هناك اعتقاد بأن الإسلاميين عندما خرجوا من المسجد لدعوة الناس خارجه عطلوا دور المسجد الروحي والتربوي فما رأيك؟ هل هذا صحيح؟

الشيخ صلاح أبو إسماعيل:

استهل فضيلة الشيخ صلاح أبو إسماعيل الإجابة بنفي الاعتقاد المطروح بالسؤال فقال:

هذا غير صحيح لأن الداعية الأول هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو إلى الله بالمسجد الحرام وكان يعرض نفسه على القبائل وكان يرحل إلى الطائف وكان يعاهد الأنصار عند العقبة ولم يكن المسجد عنده عليه الصلاة والسلام هو الجدران والبناء، وهو القائل جعلت الأرض لي مسجدًا وتربتها طهورًا، وصفوفنا كصفوف الملائكة، وهو القائل إذا كنت في باديتك أو غنمك وأدركتك الصلاة فأذن.. فهو يدعو إلى الأذان، حتى إذا كنت وحدك بالبادية، وربما تكون الدعوة في المسجد متمثلة في خطبة الجمعة ودروس العلم وتلاوة القرآن، لكن لم يقل أحد إن هذا من اختصاص المسجد دون غيره، ورحم الله الإمام الشهيد حسن البنا حيث لم يقبع في المسجد.. وإن كان من عمار المساجد وممن تعلق بها قلبه، ولا نزكي على الله أحدًا، وإنما كان يذهب إلى المقاهي والقرى والبلاد ويحج كل عام ويحضر المؤتمرات والأندية ويدعو إلى الله ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

د. فاروق بطل

ويعتقد د. بطل أن الدعوة تشمل كل الميادين خارج المسجد لكنه يستدرك قائلًا:

يجب ألا يغيب عن الدعاة أن القاعدة الأساسية للعمل الدعوي لابد أن تنطلق من المسجد وأن عملية التربية والتعليم لابد أن تكون في ظلال المسجد وإلا كانت التربية مبتورة ذلك أن ما يقدمه المسجد من ألوان التربية الاجتماعية والروحية والعلمية والخلقية والسلوكية والجمالية والجماعية لا يقدمه مكان آخر. وما يهيئه المسجد بضيافة الرحمن من أنوار وتجليات وبركات لا يهيئه مكان آخر.

ويستشهد د. فاروق بطل على وجهة نظره قائلًا:

لقد شهد الله جل ثناؤه لمن تربوا في المسجد بالطهر والرضوان فقد قال سبحانه: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (سورة التوبة: 108).

وقال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (النور: ٣٦-٣٧) وقد أخبرنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنه ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليه السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده. والجيل الإسلامي الأول ذلك الجيل الرباني الفريد الذي لم تعرف له البشرية مثيلًا تخرج من المسجد وتربى بالمسجد، ولعل هذا ما يعكس حرص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وحرص الصحابة والفاتحين رضوان الله عليهم أنهم إذا فتح الله على أيديهم بلدًا كان أول عمل يمارسونه هو أن يفتتحوا المسجد وينتدبوا له العلماء والدعاة لتبدأ مباشرة عمل الدعوة والتربية والتعليم، ولتفتح القلوب والعقول بعد فتح البلاد والأمصار، ومن أجل هذا كله فإنني لا أتصور داعية استوعب دروس السيرة الكريمة والسنة المطهرة يمكن أن يخرج دور المسجد عن خطته الدعوية ومنهجه التربوي إلا إذا انتزع منه المسجد بالقوة.

2- أدوار غائبة

المجتمع: ما الأدوار التي كان المسجد يؤديها في المجتمع الإسلامي ثم تقلصت في هذا الزمن؟

د. عمر سليمان الأشقر:

يجيب د. الأشقر على هذا السؤال معددًا الأدوار الغائبة في رسالة المسجد فيقول:

دور المسجد الأول هو كونه معبدا لله، يجتمع فيه المسلمون كل يوم خمس مرات يتوجهون إلى ربهم خاضعين خاشعين يرجون رحمته ويخافون عذابه، وبذلك يزكون أنفسهم ويصلحون قلوبهم، ولا تستعيدهم الحياة بمباهجها ومتعها.

وفي اجتماع المسلمين في بيوت الله تحقيق لوحدة الأمة الإسلامية، ويتجلى هذا في الصفوف المنتظمة التي تضم الأغنياء والفقراء، والكبار والصغار، على اختلاف أجناسهم وألوانهم.. كلهم في العبادة والتعبد سواء في بيوت الله أمام الله.

وهذا الدور وإن لم يتلاش ولكنه ضعف، فكثير من المسلمين يؤثر الصلاة في منزله ودكانه وشركته ومدرسته، وقد كان الصحابة يحرصون على إقامة الجماعات حيث ينادى بهم في بيوت الله، ولا يتخلف عن الصلاة في المساجد إلا منافق معلوم النفاق، وكان يؤتى بالرجل المريض يهادی به بین رجلين حتى يقام في الصف، ولم يأذن الرسول صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم وهو أعمى في الصلاة في بيته، وقال له: «أجب فإني لا أجد لك رخصة». والدور الثاني للمسجد الذي تقلص كثيرًا أو زال هو كونه مكان قيادة الأمة، وقاعة الحكم، ومنطلق الجيوش.

فقد كان المسجد عند الرعيل الأول بمثابة البرلمان في هذه الأيام، إذا دها المسلمين أمر أو عرض لهم عارض، نودي بالمسلمين فيجتمعون في المسجد، ويعرض عليهم الأمر الذي عرض أو استجد، وكان الخليفة يلقي بيانه السياسي من على المنبر، وكان أول ما يفعله الوالي المعين على مدينة ما عندما يصل إليها أول مرة أن يقصد المسجد، وهناك يلقى الناس، ويعلن بيانه، وتعلن ولايته.

وكان المسجد في كثير من الأحيان مجلس حكم، فيه يعقد القضاء، وفيه يعقد الزواج، ومنه تنطلق الجيوش الإسلامية.

ويتابع د. عمر قائلًا:

لقد تقلص دور المسجد في أيامنا هذه في مجال الدعوة إلى الله، فقد كان المسجد يحوز قصب السبق في مجال التعليم والدعوة إلى الله وتثقيف جموع المسلمين وخاصة الداخلين في الإسلام، بل إن كثيرًا من المساجد كانت بمثابة جامعات إسلامية تلقى في حلقاتها العلمية مختلف العلوم الإسلامية، واشتهر من هذه المساجد، المساجد الثلاث المقدسة وهي المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، ومن المساجد الأخرى التي قامت بدور كبير الجامع الأموي بدمشق، والأزهر بالقاهرة والزيتونة بتونس.

الأستاذ أحمد بن غيث:

استعرض الأستاذ أحمد بن غيث دور الاستعمار منذ سقوط الخلافة العثمانية في محاربة المسجد ورسالته ودعاة المسلمين ثم عدد بعض الأسباب الأخرى التي أثرت في تعطيل أدوار المسجد في هذا العصر وذلك كما يلي:

1- وجود بعض القوانين في بعض البلاد الإسلامية والتي تحد من نشاط وحرية الدعاة العاملين المخلصين في المساجد أو ما يسمى «تأميم المساجد».

2- سياسة القهر والاضطهاد في بعض البلاد الإسلامية.

3- قلة العلماء العاملين الذين يقومون بدور التعليم والتربية والتوجيه.

4- وجود بعض الحركات الخرافية في بعض البلاد الإسلامية والتي أخذت تزاحم الحركات الإسلامية ذات المنهج السليم في السيطرة على المساجد.

ولا شك أن ابتعاد الدعاة المخلصين عن المساجد والدعوة في ميادين أخرى يعتبر تعطيلًا لدور المسجد لا سيما في البلاد التي لا تشهد مثل الظروف والأسباب التي ذكرت سابقًا لأن كثيرًا من الدعاة حظ المسجد منهم خطبة الجمعة فقط وخطبة الجمعة وسيلة من وسائل الدعوة وليست كل الوسائل، فخطبة الجمعة واجب عبادي يتبع الصلاة، أما الواجب العلمي الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم «طلب العلم فريضة على كل مسلم» -أي ومسلمة- فهو عن طريق حلقات العلم المسجدية المنهجية المركزة التي تنشئ علماء عاملين، تنشی أصحاب الحل والعقد وفقهاء في العلوم الإسلامية المختلفة لا مجرد وعاظ..

3- إحياء دور المساجد

المجتمع: هل يمكن في هذا الزمن أن يقوم المسجد بالدور الذي كان يقوم به في العصور الإسلامية الأولى؟ وكيف ذلك؟

د. عمر الأشقر:

أجاب د. الأشقر بقوله:

لن يعود للمسجد دوره الحقيقي إلا عندما يعود للدين الإسلامي مكانته في النفوس، ومكانته في المجتمع الإسلامي، فيهيمن على ذلك كله، وعند ذلك يجد الدعاة أن المكان الأول للدعوة هو المسجد، جموع المسلمين تؤم بيوت الله صباح مساء، والارتباط بينها وبين بيوت الله أصبح كبيرًا.

لقد اضطر كثير من الدعاة في بعض الأحيان في القرن الأخير- أن يجعلوا المكان الذي يدعون فيه إلى الله الحدائق والمدارس بل والمقاهي ومجامع الناس في الأفراح والأتراح، والسبب في ذلك أنهم وجدوا الناس قد هجروا بيوت الله، وأخذوا يرتادون أماكن أخرى، فإذا توجه الدعاة إلى بيوت الله فإنهم لا يجدون فيها إلا كبار السن، والعمال الذين لا تأثير لهم في مجالات الحياة، فوجد النابهون من الدعاة أن ينقلوا الدعوة حيث يجتمع الناس في الدواوين والحدائق والأعراس، بل وفي المقاهي في بعض الأحيان، وقد أثمرت تلك الجهود، وبدأت العودة إلى الإسلام، وبدأت المساجد تمتلئ بروادها من الشباب والمتعلمين وبدأت الحياة تعود إلى المساجد من جديد، ولكن المسجد لم يعد إلى دوره الريادي كما كان من قبل.

د. فاروق بطل

ويؤكد د. بطل على أن إمكانية إحياء رسالة المسجد وذلك:

إذا أسس على التقوى وإذا مهد بالعمل فيه للعلماء العاملين الصادقين وإذا عمره الدعاة الربانيون المجاهدون. المسجد كان وما زال بيت الله والذي يقصده ينزل في ضيافة الله والذي يعمره يرعاه الله ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (التوبة: ۱۸)

ويدعو د. بطل إلى العمارة المعنوية للمساجد فيقول:

وإذا كنا اليوم قد حققنا العمارة المادية لعدد كبير من المساجد المنتشرة في كل مكان فقد بقي علينا الأهم وهو عمارة المسجد المعنوية وذلك بإحياء رسالة المسجد كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون مصنع قربة ومعهد تعليم ومركز دعوة ومقر توحيد وميدان إعداد ومصدر إشعاع ومربط قيادة ومنبر إعلام ومصنع صورة ومنطلق إصلاح.

ويبين د. بطل كيفية إحياء تلك الرسالة بقوله:

أن نحرص على المسجد والعمل به والانطلاق بقدر ما يتاح لنا، نغالب الظروف ونمارس الحكمة ونناور حتى لا نضطر لترك المسجد وحتى لا ندع للظالمين مبررًا لإخراجنا منه ما أمكننا ذلك وضمن المواقف الشرعية المباحة ولنأخذ بالقاعدة الأصولية ما لا يدرك كله لا يترك جله.

أقصد من هذا أنه إذا لم نتمكن من تحقيق رسالة المسجد مائة في المائة فبالأقل من ذلك، لكن حذار حذار أن نترك المسجد وعندئذ نكون قد حرمنا مركزًا من مراكز التربية والتعليم فالمساجد ثغور الإسلام، ولا يجوز لنا أن يؤتى من قبلها أن يشوه الإسلام من خلالها هذا جانب والجانب الثاني هو أن على أغنيائنا الصالحين المخلصين أن يكفوا عن تزيين المسجد وزخرفتها ويقدموا الأموال لجلب العلماء الصالحين حتى ينهضوا بالمسجد ويحققوا رسالته وبإيجاد الدعاة المخلصين والعلماء المختصين والمثقفين وعلماء التفسير والحديث والسيرة واللغة حتى تنتشر بهم الحلقات العلمية المتخصصة

الأستاذ أحمد بن غيث:

وعن إحياء رسالة المسجد كاملة يقول الأستاذ بن غيث معلقًا:

إذا أردنا عودة دور المسجد كاملاً فنقول إنه لا يمكن فصل قضية رسالة المسجد ودوره عن القضية الأم وهي عودة الحياة الإسلامية لجميع شؤون الحياة نظامًا وعقيدة وسلوكًا وعملًا. فكيف يعيش المسجد دوره ورسالته وبقية مؤسسات الدولة الحديثة في العالم الإسلامي تعيش بعيدًا عن الإسلام ونظامه بل مؤسسة على غير النظام الإسلامي.

ويقترح الأستاذ ابن غيث بعض الأعمال والأدوار التي يمكن أن يقوم بها المسجد اليوم:

1- إيجاد زوايا علمية تشمل جميع العلوم الشرعية يقوم على التدريس بها علماء أكفاء همهم الآخرة. وتكون الدراسة فيها منهجية ومركزة.

2- إيجاد لجان خيرية للزكوات والصدقات كما هو الحال في بعض المساجد الآن ولكن بشكل أوسع يتبعها نشاط ثقافي في الجانب الخيري وصلة أكثر في المجتمع.

3- أن تلحق بالمساجد اليوم دور يجلس بها علماء أكفاء مصلحون ليقوموا بالصلح بين الناس وحل مشاكل المتخاصمين، ولا شك أن هذا يخفف من أعباء المحاكم والقضاء.

4- أن يكون لإمام المسجد دار أو مكتب للفتيا وعقود النكاح بين المسلمين.

5- أن تلحق بالمساجد اليوم كذلك مجالس أحياء صغيرة للتشاور في شؤون القرية أو المدينة وأحوال الناس فيها، إلى آخره من الشؤون التي يمكن أن يضطلع بها المسجد اليوم ويقوم بها في المجتمع المسلم. ولكن يجب أن تتضافر الجهود من قبل جميع المؤسسات في المجتمع للقيام بالإصلاح وعودة السجود العام بمعنى الخضوع الكامل لله تعالى في هذه المؤسسات حتى يستطيع المسجد أن يقوم بدوره ويؤدي رسالته على أكمل وجه.

د. عمر الأشقر:

ويقترح د. عمر الأشقر لإحياء رسالة المسجد ما يلي:

يقول د. الأشقر:

وحتى تؤدي المساجد في هذا العصر دورًا طبيعيًا رياديًا يحتاج الأمر إلى جعل المسجد هو المحور في كل عمارة تقام في ديار المسلمين ففي صرة كل مدينة يبنى المسجد الكبير الجامع، وفي وسط كل منطقة من مناطق المدينة يبنى مسجد المنطقة الكبير، ويلحق بكل مسجد من مساجد المنطقة مكتبة وقاعة احتفالات ومدرسة لتعليم العلوم الدينية.

وقد لفت النظر في أكثر من موضع إلى الطريقة المثلى لتنظيم بناء المساجد في مدن البلاد الإسلامية، ففقهنا لتوجيهات الإسلام يدلنا على أن المساجد تكون في المدن الإسلامية على ثلاثة أنحاء:

الأول: مسجد الحي، وهو مسجد صغير يبنى في كل حي يتسع لأهل المنطقة لأداء الصلوات الخمس المفروضة.

والثاني: مسجد الجمعة: فالجمعة من الاجتماع، ولا بد أن يكون المسجد الذي تؤدى فيه الجمعة مسجد جامعًا، فإن كانت البلدة صغيرة اكتفي فيها بمسجد واحد يجتمع فيه أهلها في يوم الجمعة لصلاة الجمعة وإن كانت مدينة كبيرة كالكويت اكتفي في كل منطقة من مناطق المدينة بمسجد في وسطها، تقام فيه الجمعة.

والثالث: مصلى العيد، وقد كان هدي الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يصلى العيد في المسجد، وإنما يصلى العيد في العراء، في موضع واسع غير مبني يستوعب المصلين مهما كان العدد كبيرًا

وهذا التنظيم للمساجد على هذا النحو يحقق عدة فوائد:

الأولى: تكون للمسلمين اجتماعات دورية في كل مدينة أو قرية، فأهل الحي الواحد يجتمعون في إطار الحي في مسجد الحي في الصلوات الخمس، وأهل المنطقة يجتمعون مرة في الأسبوع، وأهل المدينة يجتمعون في الأعياد، في كل عام مرتين، وهذه الاجتماعات مظهر عملي يقوي أواصر الأخوة والمحبة بين المسلمين وتتجسد وحدة المسلمين من خلال هذه اللقاءات ونحن نرى اليوم كم تبذل الدول من أموال لتحقيق هذه اللقاءات والمسيرات لإيجاد التقارب والوحدة بين أبناء شعوبها.

الثانية: يحقق لنا هذا النظام القدرة على تجهيز المساجد بما يلزمها لتحقيق دورها الذي أراده الإسلام، فالمساجد الصغيرة (مساجد الأحياء( لا تحتاج إلا لإمام يتقن الإمامة بالناس والصلاة بهم، وهذا الصنف من الأئمة كثير، أما الصنف الذي يستطيع توجيه الناس في خطب الجمعة، كما يصلح لأن يكون مرجعًا لأهل المنطقة في الفتوى، ويصلح أن يكون معلمًا ومربيًا وموجهًا وفقيهًا فهو قليل، ونظام الدوائر الذي ذكرناه يحل لنا مشكلة إمام مسجد الجمعة، ذلك أن مساجد الجمعة ستقل، ولا نحتاج إلا لعدد قليل من الأئمة لهذه المساجد، وبذلك يمكن للقائمين على المساجد توفير نوعيات جيدة صالحة للتأثير في الناس، كما تصلح للتوجيه والتعليم والتربية والفتوى.

الثالثة: هذه الطريقة تحقق وفرة في المال، ذلك أن مساجد الأحياء تبنى بمقدار حاجة أهل الحي للصلوات الخمس، أما الطريقة الحالية فإن المساجد كلها تبنى واسعة كأنها مساجد جمعة.

فضيلة الشيخ صلاح أبو إسماعيل:

أما مقترحات الشيخ صلاح أبو إسماعيل حول النقطة نفسها فهي كما يلي:

لذا أن يكون في المسجد داعية معاصر يزور مدارس الحي ومستشفياته ويشارك الناس مشاركات وجدانية يرد على الخطابات ويقرأ عن التيارات الفكرية المعاصرة ويتعقبها بتسليط الضوء عليها رضوانًا بخيرها ورفضًا لشرها وعندما يجد الناس مثل هذا الداعية يرحلون إليه ويقطعون إليه المسافات ويحجز كل منهم مكانه في مجلسه ويعدون الساعات والأيام عبر الأسبوع ليشهدوا الجمعة في هذا المكان. وهناك واجب على الدولة وواجب على الداعية وواجب على الجماهير المسلمة، وحبذا أن يكون للمسجد لجنة من أئمة الفكر الحي يمكن أن نسميها لجنة المنبر يقترح على الخطيب موضوع الخطبة ويتدارسها معه حتى يكون الخطيب في خطبة الجمعة بيانه وصوته وفكره وايمانه وعقيدته، ولمن معه من أعضاء لجنة الخطبة حق المداولة والمقترحات البناءة وهذا عندي أفضل عنوان التعاون على البر والتقوى، ثم يلتقون به بعد الجمعة للتقييم تشجيعًا لإحسانه وتوجيها له على جوانب القصور أو التقصير وبهذا ينمو المنبر ويتعاظم دوره ويجد الجمهور المسلم في هذا الزمان توجيهًا سليمًا وفكرًا قويًا.

٤- توصيات

المجتمع: ما هي توصياتكم للأئمة والخطباء والدعاة وجميع المسؤولين عن المساجد بشأن إحياء دور المسجد في الدعوة الإسلامية؟

د. عمر الأشقر:

ينبه د. عمر الأشقر إلى نقاط هامة مما يتعلق بالسؤال فيقول:

مما ينبغي التنبه له لإحياء دور المساجد هو اختيار نوعيات ممتازة من الأئمة والخطباء، ثم تقام لهؤلاء دورات بين الفترة والأخرى ترفع مستوياتهم، وتجعلهم أقدر على التوجيه والتعليم.

إن إمام الحي وخطيب الجمعة يجب أن يكون كل منهما شعلة نشاط في الحي أو المنطقة، يفقه أهل المسجد، ويحل مشكلاتهم ويعود المرضى، ويشارك في الأفراح، وبذلك يشعر المسلمون بأهمية الدور الذي يقوم به الأئمة والخطباء، ومن ذلك العناية بالناشئين وبعض الأئمة اليوم يقومون بجهود مشكورة، ولكنها تحتاج إلى إنماء وتجديد.

ومما يجب أن ينتبه له الخطباء مخاطبة الناس في أمور دينهم ودنياهم التي تواجه الناس، فالرسل كانوا يعالجون الحياة في ضوء ما أنزل الله، فيصلحون الانحرافات والخلل في المجتمع الذي أرسلوا إليه، وهذا نهج جديد علينا أن نلتفت إليه.

أحمد بن غيث:

أنا في الحقيقة أصغر شأنًا من أن أوصي الدعاة إلى الله تعالى ولكنه من باب النصح الذي هو حق كل مسلم في الإسلام فأقول:

إذا أردنا عودة الأمة إلى ماضي عزتها ورفعتها لابد من العمل على عودة بيوت الله المساجد إلى أن تؤدي دورها في المجتمع المسلم وأن ترتفع المساجد على جميع المؤسسات ارتفاعًا ماديًا ومعنويًا. وإذا أردنا إيجاد جيل مسلم غيور على دينه وأمته جيل لا يخشى في الله لومة لائم ينفي الله به تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، كما قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، فلابد من عودة حلقات العلم والتزكية والتكوين المركزة إلى المساجد وأن يتبوأ ذلك مجموعة من العلماء المخلصين والمقتدرين.

الشيخ صلاح أبو إسماعيل

ويوصي فضيلته المسؤولين عن المساجد بما يلي:

ألا يكونوا ممن يفصلون بين الدين والسياسة وأن لا يسمحوا بتطويق رجال الأمن على دعاة الإيمان ولست أزعم بهذا أن دعاة الإيمان معصومون فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ولو اشترط لصعود المنبر العصمة ما وجدنا خطيبًا واحدًا في الدنيا كلها ولكن يحاسب الإمام بمعرفة نظرائه وأنداده إن لم يكونوا أساتذته ومعلميه، أما أن يكون تحت رحمة المسؤولية الأمنية فذلك هو البلاء المبين.

د. فاروق بطل

ويختتم الدكتور بطل إجابات هذا المنتدى بعدد من الوصايا فيقول:

أوصي الأئمة والدعاة والخطباء بالصبر على ذلك لأنه لابد أن تصادفنا العقبات وتحول دوننا العراقيل وما لم نتحلَّ بالصبر فسوف نخسر ثغرًا مهمًا من ثغور الإسلام وقد نفرط بالمسجد ونلقي به بين أيدي من لا يخافون الله وأوصي إخواني الأئمة والخطباء بالأمور التالية:

1- المسجد أمانة الله في أعناقنا وأهم ثغر من ثغور الإسلام.

2- مهمات المسجد رسالة قبل أن تكون وظيفة.

3- الأئمة والدعاة والخطباء يتوبون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبليغ عن الله تعالى.

4- المسجد بيت الله والخطبة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يرفع فيه غير اسم الله وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا.

5- الحث على التفرغ له تفرغًا كاملًا وعلى أغنيائنا الموسرين أن يعينوا على ذلك.

6- على الأئمة والدعاة والخطباء أن يقتبسوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته التعليم الشرعي الذي يرشدون به في المساجد.

7- على الأئمة والدعاة والخطباء أن يستعينوا بذوي الاختصاص المخلصين وذوي الخبرات التربوية في تعليم الحلقات التعليمية كما كان حال المسجد في العصور الإسلامية الزاهرة حلقة للتفسير وحلقة للحديث وحلقة للسيرة وحلقة للأدب وغيرها من العلوم الإسلامية.

8- على الأئمة والدعاة والخطباء أن يستفيدوا من تجارب رواد العمل الدعوي في العصر الحديث كالإمام الشهيد حسن البنا والشيخ محمد الإبراهيمي والشيخ علي بن بادريس والشيخ أحمد البيانوني.. وغيرهم من أحباء الله من أحيا الله بهم دور المسجد وقد كان لهم تلاميذ تابعوا من بعدهم أعمالهم الصالحة.

9- إمام المسجد ليس مسؤولًا فقط عن إمامة الصلاة وإلقاء الخطب بل هو قائد وموجه بمعنى أنه يجب أن يتحرك في مجتمع المسجد يعظ الغافل ويعلم الجاهل ويزور المريض ويتفقد الغائب ويرعى اليتيم ويساعد الضعيف ويسأل عن صاحب الحاجة تمامًا كما كان يفعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

10- صلاح المجتمع رهن بصلاح المرأة وصلاح المرأة رهن بصلاح الأمهات فلا بد أن يتيح المسجد للمرأة فرصة التعليم والتربية ويهيئ لها مكانًا خاصًا لتحضر صلاة الجمعة والجماعات ولعلنا بذلك نفسح الطريق أمام النساء المتخصصات المخلصات الصالحات ليقمن بالتعليم في حلقات النساء.

11- الشباب هم عدة الأمة وأملها بعد الله يجب أن يستجلبوا إلى المسجد بطرق مناسبة لتعليمهم وتحصينهم ضد مغريات الحياة واجتنابهم عن الفساد.

المجتمع: نشكر الإخوة الأفاضل الذين شاركونا في الإجابة على أسئلة هذا المنتدى وندعو كل من له رأي بناء فيما أثارته هذه الندوة أن يرسل إلينا ما يراه مناسبًا والله ولي التوفيق.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل