; في بورما مآسي المسلمين مستمرة | مجلة المجتمع

العنوان في بورما مآسي المسلمين مستمرة

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1990

مشاهدات 65

نشر في العدد 974

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 17-يوليو-1990

أراكان اسم منطقة تقع في جنوب غرب بورما، ويتألف من فعلين: الأول يفيد الحاضر والمستقبل، والثاني يرمز للماضي، ويشير إلى تاريخ هذا البلد وما كانت عليه. ولعل من المفارقات أن يكون الفعل المضارع في تركيب الاسم مقدمًا على الفعل الماضي، كدلالة على إصرار أهله على العيش الكريم في الحاضر، رغم محاولات التذويب وعمليات الإبادة وأساليب التجويع والحرمان والتشريد.

 

القصة من بدايتها

لقد كانت أراكان دولة إسلامية مستقلة حرة، تبلغ مساحتها 20 ألف ميل مربع، ويحدها من الغرب خليج البنغال، ومن الشمال تتصل حدودها المائية والأرضية مع بنغلادش، ومن الشرق تقوم سلسلة جبال أراكان الشامخة التي تفصل أراكان عن أراضي بورما كلية، وتعطيها شكل وحدة جغرافية مستقلة.

 

يبلغ عدد سكان أراكان 4 ملايين نسمة، 3 ملايين منهم من المسلمين، وقد تعرف أهل أراكان على الإسلام في القرن الأول من الهجرة النبوية مع مجيء التجار العرب المسلمين إلى هذه البلاد، وقامت أول دولة إسلامية فيها عام 1430 م، وامتدت فترة طويلة من الزمن، وتتابع على حكمها نحو 48 ملكًا على مدى 350 عامًا إلى أن غزاها البوذيون الزاحفون من بورما في عام 1784 م، واحتلوا أراضيها، وسيطروا على مقدراتها. وفي عام 1824 م، احتل الاستعمار البريطاني بورما ومعها أراكان في إطار الإدارة الاستعمارية لشبه القارة الهندية. وفي عام 1948 نالت بورما استقلالها، ورغم محاولات المسلمين في أراكان ومطالبتهم بالاستقلال، فإن بريطانيا ضمتهم إلى بورما ومنحتها الاستقلال، ووضعت أراكان تحت سلطانها. ومنذ ذلك اليوم يخضع المسلمون في أراكان لبورما البوذية التي عاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة. فقد ذكر «أونو» الذي تسلم السلطة بعد الاستقلال أن بورما مشتقة من بوذا، وهي للبوذيين أينما كانوا، ولهذا يجب على المسلمين أن يقبلوا الشروط التالية إذا كانوا يريدون البقاء في البلاد:

 

يجب تغيير حروف القرآن الكريم بحروف بورمية بدلًا من العربية.

 

يجب إدخال التعليم البورمي في المدارس الإسلامية.

 

يجب أن يكون الزواج مبدئيًّا متبادلًا بين البوذيين والمسلمين.

 

يجب على المسلمين أن يتسموا بأسماء بوذية بدلًا من الأسماء الإسلامية.

 

يجب على النساء المسلمات نزع الحجاب عن رؤوسهن.

 

الأضاحي في الأعياد الإسلامية غير مصرح بها إلا بعد تصريح السلطة المختصة.

 

الشيوعية بعد البوذية

سنة 1962 استولى الجنرال «ني وين» على الحكم، وأعلن بورما دولة اشتراكية، وذكر علنًا بأن الإسلام هو عدو الدولة الأول؛ مما ترتب عنه شن حملة دعائية معادية للإسلام، وتنفيذ مخطط واسع لتشويه الإسلام برعاية وسائل الإعلام الحكومية. وكانت السياسة التي انتهجتها الحكومة الاشتراكية تقضي بإبعاد المسلمين عن دينهم من خلال العراقيل التي زرعتها في طريقهم؛ بحيث ينسون دينهم مع مرور الوقت، فكان الذين يدينون بالإسلام يتعرضون للاضطهاد والإذلال؛ حيث يُنكرون عليهم حقهم في الالتحاق بأي عمل، ويحاربونهم بشتى الطرق في كل عمل يبتغون منه رزقًا. ومن يُعرَف عنه أنه مسلم ملتزم، لا يُسمَح له بممارسة حقوقه السياسية، ولا يتمتع بأي حقوق أخرى كغيره من المواطنين. وكان من نتيجة تلك الضغوط أن تعرضت أجيال عديدة من المسلمين الذين يعيشون داخل بورما إلى استيعاب الكثير منهم في الثقافة البوذية، بل لقد تجرأ بعضهم بالجهر بالنكوص عن الإسلام؛ حتى يتمتعوا بحقهم في الوظيفة الرسمية التي توفرها لهم الحكومة.

 

صور من الاضطهاد

«تضييق في الرزق»

يلاقي المسلمون في بورما معاملة قاسية من قبل الحكومة الاشتراكية؛ حيث يُشردون من ديارهم ويرحلون منها، وتُفرَض عليهم الضرائب الباهظة. ولما كان معظمهم من المزارعين والعمال؛ فإن الحكومة تبتز أكثر من 90% من حاصل إنتاجهم الزراعي. وهناك أمثلة كثيرة من قيام الحكومة بانتزاع ملكية الأراضي وغيرها من المسلمين بالذات، ولقد وصل الكويت شاب بورمي منذ أعوام، وتحدث قائلًا: لقد انتزعوا منا كل شيء، كنت ووالدي نتاجر في الأدوات الكهربائية، وكان رأسمالنا يعادل مليون روبية، وكانت تجارتنا مزدهرة، ولكن الحكومة الاشتراكية العسكرية في بورما لم يرق لها ذلك، فأصدرت أمرًا بتأميم جميع أموالنا ولم تُبقِ لنا إلا عقارات بسيطة لم يُسمَح لنا ببيعها، وهي معرضة للتأميم، وقد فررت من بورما إلى الهند، وهمت على وجهي بحثًا عن عمل، وتركت زوجتي في الهند، وجئت إلى الكويت.

 

مصادرة الحرية الدينية

أما موقف الحكومة البوذية من الحرية الدينية؛ فإنها تحارب ممارسة الشعائر الإسلامية، فلا يجرؤ أحد على ارتياد المسجد، ونادرًا ما تسنح الفرصة لإقامة صلاة الجمعة، حتى أن المسلمين لا يُسمَح لهم بالخروج من مناطقهم، وتُسحَب بطاقاتهم الشخصية، ويُزَجُّ بكثير منهم في السجون، لا لشيء إلا لأنهم مسلمون، حتى فريضة الحج لم تسمح حكومة بورما لأحد من المسلمين بأدائها، فمنذ عام 1962 لم يخرج أحد من بورما حاجًّا إلى بيت الله الحرام.

 

الترحيل

من الممارسات البشعة التي قامت بها حكومة بورما باسم التأكد من جنسيات المسلمين، فقد بدأ مئات من ضباط الجوازات البورميين يساندُهم أفراد الشرطة والجيش، يحاصرون القرى الإسلامية لمراجعة بطاقات التسجيل الوطنية. وفي أثناء التفتيش أُحرِقَت المنازل، ونُهِبَت الممتلكات، وقُتِلَ الناس دون تمييز وبصورة عشوائية لإجبارهم على الرحيل، كما أُخِذَ الشبان والفتيات لمعسكرات التعذيب؛ حيث اغتُصِبَت الفتيات، وعُذِّبَ الشبان، وأُجبِروا على العمل في تعبيد الطرق قبل قتلهم، كما طُورِدَ الأطفال والمسنون والنساء الذين فروا من الظلم، وتم قتلهم من قبل العصابات المسلحة، ونُهِبَت ممتلكاتهم. وقد ذكر كثير من اللاجئين الذين تمكنوا لحسن حظهم من العبور إلى بنغلادش أنهم شاهدوا مئات من جثث زملائهم المواطنين على جانبي الطريق المؤدية إلى حدود بنغلادش.

 

كما ذكر اللاجئون الذين يعيشون في المعسكرات أنهم أبرزوا بطاقات تسجيلهم ووثائقهم الأخرى التي تثبت أنهم مواطنون بورميون إلا أنها لم تشفع لهم من الطرد من وطنهم ونهب ممتلكاتهم إلى جانب الفظائع التي ارتُكِبَت بالنسبة لهم ولعائلاتهم بصورة جماعية. وبالإضافة إلى ذلك فقد قامت القوات الحكومية بإجبار المسلمين على ترك وطنهم تحت تهديد السلاح، وأطلقوا عليهم النار وقتلوا منهم المئات.

 

أوراق القرآن لتغليف السجائر

زيادة في تعذيب المسلمين وحرق أعصابهم عمدت السلطات البورمية إلى جمع المصاحف والكتب الإسلامية؛ لتُستخدَم كأغلفة لعلب السجائر، ومن ثم عرضها للبيع في الأكشاك المخصصة لذلك.

 

هذا وتحاول السلطات أن تنظم عملية مركزة للحد من انتشار المسلمين في بقية الأقاليم، وللقضاء على انتشار العقيدة بين الأطفال المسلمين، فتقوم بسرقة هؤلاء الأطفال في غفلة من أولياء أمورهم، وتُودِعُهم الملاجئ المخصصة في رانجون العاصمة لإعدادهم وتربيتهم على الطريقة الشيوعية؛ ليكونوا من بعد ذلك عبيدًا للشيوعية؛ حيث مُسِخَت عقولهم وشخصياتهم، وقُتِلَ الانتماء لديهم، ولا زالت السلطات تواصل هذه العملية بغية الحد من توسيع النسل لدى هذه الأقلية المسلمة.

 

الموت صبرًا

في إحدى عمليات البطش ساقت القوات الحكومية أكثر من مائة عائلة من بيوتهم؛ حيث نُقِلوا إلى جزيرة لا تتوفر فيها أسباب الحياة، وتركوهم من غير أكل ولا شرب ولا وسيلة نقل. ولك أن تتصور كيف تذوي هذه الأجسام البشرية، وكيف تتحلق العائلة حول أحد أفرادها وهو يعالج سكرات الموت، ثم يلفظ أنفاسه الأخيرة، من غير أن يكون بوسعهم معالجته أو حتى توفير شربة الماء أو لقمة الأكل؛ فضلًا عن الدواء.

 

الكفاح المسلح

أمام هذه الاعتداءات الصارخة والاضطهاد الشنيع أقام المسلمون في أراكان تنظيمات جهادية لمواجهة الشراسة الشيوعية والحقد البوذي؛ حيث لم يبقَ أمامهم خيار إلا الكفاح المسلح. ولئن كان المجاهدون في أراكان يواجهون جيشًا نظاميًّا ودولة تريد استئصالهم بإمكاناتهم المحدودة ووسائلهم المتواضعة وأسلحتهم القديمة، لكنهم بعون الله، وبفضل مساعدات إخوانهم المسلمين في العالم سيتمكنون من رفع الظلم المسلط عليهم، وإيقاف الاضطهاد الذي يمارَس ضدهم.

 

فهل يعي المسلمون مأساة إخوانهم في بورما؟ وهل يكونون عند حسن ظنهم بهم؟! وهل يتحملون مسؤولياتهم التاريخية تجاه هؤلاء المسلمين؟ فتتحرك الحكومات الإسلامية بالمفاوضات والضغوط المختلفة لمنع السلطات البورمية من ممارساتها الوحشية. ويقوم أهل الخير والمحسنون بواجبهم تجاه اللاجئين الجائعين والعرايا، وتجاه المجاهدين الذين يتحدون البطش والإرهاب. هذا ما نرجوه، ولا يفوتنا أن نذكر بأنه «من فرج عن مسلم كربة في الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله، ومن جهز غازيًا فقد غزا، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :