العنوان مستقبل القضية الكردية- في ظل الحكومة التركية الجديدة
الكاتب عبدالرحمن عثمان
تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2007
مشاهدات 61
نشر في العدد 1773
نشر في الصفحة 22
السبت 13-أكتوبر-2007
جاءت نتائج الانتخابات التركية الأخيرة عكس ما كان يتوقعها الكثيرون من حيث تفاصيلها وحصول الأحزاب المشاركة على النسب المتوقعة، وكذلك عدد المقاعد، وظهور كتل جديدة، وسقوط أخرى، مما سيؤدي إلى خلق أجواء سياسية جديدة، وظهور حالة واقعية في النسيج التشريعي لدولة تركيا التي ستتأثر بها العلاقات السياسية الإقليمية والدولية، وتتعامل دولها على ضوء تلك النتائج وأبعادها المستقبلية.
لقد راهن المتربصون بفشل حزب العدالة والتنمية على العوائق المصطنعة أمام مسيرة هذا الحزب من مماطلة في قبول تركيا بالأسرة الأوروبية إلى اختلاق أزمة التدخل في كردستان العراق، بالتزامن مع هجمة إعلامية شرسة تستهدف النيل من الحزب وادعاء أنه وراء حرمان تركيا من دخولها في الاتحاد الأوروبي، وفتح صفحة على الملف الكردي لفرض خيارين على قيادة الحزب أحلاهما مر، وذلك بحصر قبول أحد الخيارين إما بشن حملة عسكرية على كردستان العراق، بذريعة مهاجمة قواعد حزب العمال الكردستاني والموجودين في المثلث الحدودي ضمن أراضي كردستان، وفي ذلك تقع قيادة حزب العدالة والتنمية في موقف صعب وحرج أمام الشعب الكردي والمجتمع الدولي.
وفي حالة قبول الخيار الثاني، فإن ذلك الموقف سيؤدي إلى اهتزاز دورهم في المجتمع التركي الذي أوصلهم إلى سدة الحكم، والإيحاء بأن السلطة العسكرية قد اقترحت حملة عسكرية شاملة للقضاء على نشاطات حزب العمال الكردستاني، والتدخل في أراضي كردستان العراق من أجل ضربهم في عمق وجودهم، وكذلك للحد من بروزهم، وتضعيف نشاطاتهم واسترجاع هيبة تركيا، وسيطرتها على أراضيها وحدودها الجغرافية، وهيمنتها على ما وراء حدودها، وأن الحكومة تتقاعس عن إصدار أوامر بشن الحملة العسكرية. لكن قيادة حزب العدالة والتنمية تخطت هذه المرحلة الصعبة والمحرجة بحنكة ودراية وأفلتت من هذه المصيدة مثلما نجحت في بلوغ الامتحان الصعب إبان غزو العراق، حيث امتنعت عن فتح الجبهة الشرقية ما أجبر التحالف الغربي على نقل تلك القوات والمعدات إلى الدول العربية لضرب العراق، وكل ذلك بالاحتكام إلى البرلمان وأخذ رأي الشعب التركي.
وقبيل الانتخابات الأخيرة استنفذ المعسكر الآخر جميع طاقاته، وأعلن عن النفير العام لكل من يدعي العلمانية، وينتمي إلى الصنم الأتاتوركي بالحضور من أجل عرض أكبر ما يمكن جمعه، وجعله مناورة إعلامية للدفاع عن العلمانية، ومساندة العسكر، والجهات المسيطرة على قواعد الحكم في تركيا، وذلك للحيلولة دون وصول السيد عبد الله جول كمرشح حزب العدالة والتنمية إلى منصب رئاسة الجمهورية، والذي فشل في بداية الأمر في الحصول على النصاب الكافي نتيجة ممانعة الأقلية المنسوبة إلى العلمانية في البرلمان، وبتدخل من المحكمة الدستورية والرئيس نجدت سيزر المنتهية ولايته.
وبعدما اشتد الخناق على قيادة الحزب، وأجبرت على إطلاق أحد خياراتها من المخزون الاستراتيجي الذي تمتلكه، دعت إلى الانتخابات المبكرة واختيار رئيس الجمهورية عبر الانتخابات العمومية من دون خوف ولا تردد، لأن أصوات الناخبين هي التي أوصلتهم إلى هذه المرتبة التي تحسب لها السلطة العسكرية ألف حساب، حيث تخطط لمداورتهم والتعايش معهم على المدى البعيد، على أمل أن تبقى تلك الهيمنة العسكرية على مصادر القوى ومقدرات البلد.
"حلحلة الأزمة الكردية يخفف الضغوط الخارجية ويزيد من التجانس الاجتماعي في تركيا"
"حكمة أردوغان في التعاطي السياسي مع الأزمة العراقية أكسبه ثقة العرب والغرب"
هزة سياسية
وفور إعلان نتائج الانتخابات وقعت هزة سياسية مؤلمة لورثة العلمانية الأتاتوركية التناقص أعداد مقاعدها بشكل لافت، إذ إن آراءها كانت منحصرة في مناطق محددة ومحسوبة عليها، وتشاركها في نفس الوقت رقيبها اللدود، وأن معظم الاستطلاعات نتجه نحو السقوط النهائي لهذه الوراثة التقليدية الجولات المقبلة وانقراضها عن الساحة السياسية، إن كان هناك مجال لدخولهم في قائمة الترشيح مرة أخرى. وأما بالنسبة لحزب العدالة والتنمية فقد واصلوا تقدمهم في تحقيق الانتصارات وحصلوا على مكاسب كبيرة، بحيث كانت مفاجئة لبعض كوادرهم، ومن بين تلك الامتيازات أنه حصل على أصوات جيدة في المناطق المحسوبة على المناطق العلمانية، وكذلك مناطق كردستان ومن بين الجماهير الكردية التي تقطن إسطنبول وأطراف أنقرة بخلاف القوائم الأخرى التي انحصرت أصواتها في مناطق وجودها وثقلها فقط.
سيناريوهات المستقبل
الآن وبعد ما هدأت الأعاصير الانتخابية، وجفت تصويبات الناخبين تبدو جملة من السيناريوهات المتوقعة والمرجوة حسب تطلعات الشارع التركي واستنتاجات المحللين من بينها: أن تقوم قيادة هذا الحزب باستثمار تلك الانتصارات الباهرة من أجل سعادة ورفاه المجتمع التركي بكل أطيافه، وصولًا إلى تنمية سليمة وشاملة ترتقي بهذه الدولة نحو الآفاق المستقبلية، ولا يمكن تحقيق كل ذلك إلا ببسط العدالة بين جميع مكونات الشعب التركي. لقد نجحت قيادة حزب العدالة والتنمية في التخلص من عبء ومخلفات الماضي. وكذلك من الآثار السلبية لسياسات الأحزاب الحاكمة من فساد إداري ومالي، وتلك الممارسات الخاطئة التي أوصلت تركيا إلى حافة الهاوية، خاصة الاقتصادية وتراكم الديون اللا مبررة، وسقوط أسعار عملتها وتدني الحالات المعيشية لكثير من العائلات التركية وتفشي حالات الهجرة والبطالة وظهور عصابات المافيا.
ومن جهة أخرى، فإن الأحزاب السابقة قد قامت بإقامة علاقات وإبرام اتفاقيات وعقود على أساس الشراكة والانتفاع من تلك العلاقات وللحصول على مصالح إستراتيجية من دون أن تستفيد حتى في دخول بوابة الاتحاد الأوروبي مع وجود أهم عناصر الانضمام. لقد نجحت قيادة الحزب المنتصر في التغلب على كثير من مخلفات الماضي، وبقي الأهم ألا وهو حل أزمة الأكراد في تركيا، لأن حرمان شريحة واسعة من المجتمع وهي أحد أهم وأكبر مكونات هذا البلد من أبسط حقوقها القومية والإنسانية «في بعض الأحيان»، بحجة محاربة جهة «انفصالية» وتخصيص ميزانية هائلة من قوت الشعب لمواصلة هذه المواجهات اللا منتهية، تعتبر ظلمًا لا يمكن محوه إلا بتطبيق العدالة الحقيقية والكف عن معاداة شعب أثبت في الماضي تفهمه لمعاني حق المشاركة وأدى واجبه في الدفاع عن تلك الديار. فضلًا عن أن معاداة هذه الشريحة الواسعة تعتبر أحد أهم معوقات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، بغض النظر عن الذرائع والأسباب؛ لأن القضية الكردية قد دخلت ضمن الاهتمامات الدولية ولها أبعادها وخصائصها، وإن كثيرًا من الدول والهيئات الدولية تتعامل معها بجد واهتمام بخلاف الدول القريبة والمشاركة في الدين والمصالح الدنيوية، والتي أهملت مصالحها ومصالح غيرها خاصة في هذه القضية بالذات.
إن ظهور كتلة كردية في البرلمان التركي وعلى قائمة المستقلين خير وسيلة لإنجاح التجربة الديمقراطية في مجال التعددية العرقية، وتنوع المفاهيم السياسية لكي تنصب كل الجهود في مصلحة البلد، خاصة في هذه الأوضاع الراهنة التي تمر بها المنطقة، حيث تشهد احتدامًا للملفات الساخنة والعالقة دون علاج، لذلك يتوقع المتفائلون بأن تقوم قيادة الحزب بمواصلة المسيرة الإصلاحية وعلى النمط المألوف في الحكمة والتواضع والتدريج من أجل حل كافة القضايا، وعلى الأخص قضية الشعب الكردي والاستفادة من هذه الكتلة المتواضعة في الحجم والكبيرة في التأثير لترجيح كفة الميزان في كثير من المواقع للتصويت على المسائل المهمة، وبالذات في ترشيح رئيس الجمهورية.
ومن ثم فهذه التوافقات تساعد على تقوية الدور التركي لحسم عملية السلام وسائر الملفات الإقليمية، وتجعلها تدخل في قلوب الأوروبيين قبل الانضمام إلى اتحادها. وأخيرًا، لابد من الإشارة إلى أن الانتخابات التركية قد تساعد في تحسين الأجواء نحو تحقيق مشروع إقليمي كبير لإيجاد منطقة آمنة يسودها السلم والاستقرار إذا تم التعامل مع معطياتها بشكل طبيعي وسليم دون التمييز والعنصرية، ودون تناول نتائج العملية الديمقراطية بصورة انتقائية، وإزالة فيتو العسكر، ووصاية الولي التقليدي أمام الإصلاحات الدستورية والقضائية والمسيرة التنموية التي تسلكها الأحزاب الإصلاحية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل