العنوان في رحاب الشهادة على أرض الرباط
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2004
مشاهدات 89
نشر في العدد 1598
نشر في الصفحة 22
السبت 24-أبريل-2004
شهيد تلو شهيد.. وقائد يلحق بقائد.. وتظل فلسطين موقدًا للجهاد دون أن تخبو جذوته تظل الأرض غضة بدماء الشهداء لتبقى عصية على التهويد والتزييف ومهما بقي الإحتلال جاثمًا عليها، فإن طهارتها تزيل دنسه وتبقى عربية إسلامية لونًا ورائحة وهوية.
ماكينة الشهادة تدور هناك بقوة وسرعة فائقة حتى يظن ضعاف النفوس أن الغلبة صارت للصهاينة لكنهم يغفلون أن الدماء التي تتساقط بغزارة تنبت على الفور أبطالًا جددًا.. إنها مزرعة مباركة في زرعها ونمائها وثمارها.
ومنذ فجر القضية وحتى اليوم تبدو الصورة على مشهدين.. مشهد مفعم بالإحمرار حيث تدور رحى الجهاد والإستشهاد، ومشهد هزلي مكلل بالسواد وملطخ ب «الطين» يمثله الإنبطاحيون المهرولون على موائد المفاوضات حينًا، وعبر الاتصالات والزيارات والمبادرات حينًا آخر، والمحصلة واحدة وهي إيثار السلامة والنجاة بالنفس و «الكرسي» وليكن بعد ذلك الطوفان.
في مشهد الجهاد والإستشهاد، عندما سقط الشيخ عز الدين القسام-مؤسس أول عمل جهادي منظم- شهيدًا في 1935/11/25م، ظن الصهاينة -ومعهم قوات الإحتلال البريطاني وراعية الكيان الصهيوني في ذلك الوقت- أنهم تمكنوا من وأد المقاومة في مهدها خاصة أنهم تمكنوا من أسر باقي المجاهدين الذين كانوا يقاتلون إلى جواره، لكن العكس هو الذي حدث فقد تحول الشعب الفلسطيني كله إلى المقاومة المسلحة، وفجر ما يعرف في التاريخ بثورة العرب الكبرى (1936/4/20م)، وهي الثورة التي شهدت أطول إضراب عام في التاريخ، حيث امتد ستة أشهر، ابتداءً من أبريل حتى أكتوبر ١٩٣٦، وهي الثورة التي شهدت أقوى عمليات المقاومة ضد الصهاينة والإحتلال الإنجليزي.
وفي إعتقادي أن تلك الملحمة التي قدح زنادها بالأصل الشهيد عز الدين القسام لم تتوقف حتى اليوم فإن خبأ أوارها حينًا أشتد وطيسها أحيانًا.
ولا شك أن حركة حماس وأخواتها من قوى الجهاد والمقاومة ومن حولهم الشعب الفلسطيني الصابر تمثل واحدة من أهم مراحل تلك الثورة.
وقد أبدعت عبقرية الجهاد الفلسطيني عبر التاريخ دروسًا مهمة ونماذج إعجازية تسجل بالفخر في تاريخ نضال الشعوب الثائرة من أجل التحرر من الإستعمار، ومن تلك النماذج أنه كلما سقطت كوكبة من الشهداء إزدادت الثورة إشتعالًا وتزايد المجاهدون وتكاثروا، وكلما ارتوت الأرض بدماء قائد أثبتت عشرات القادة.. سقط عز الدين القسام وثلته المؤمنة المجاهدة فإذا بالشعب كله عز الدين القسام، وسقط الشيخ أحمد ياسين ثم الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ومن قبلهما سقط قادة كبار، فإذا الأرض تخرج عشرات القادة الجدد.
نحن هنا لسنا أمام منظمة محدودة العدد يمكن تصفيتها ليستتب الأمن للإحتلال، ولكننا أمام ملحمة متناغمة لشعب بأكمله... مغروس في تراب أرضه ومعجون بحب الشهادة، ولم تعرف في التاريخ أن الإحتلال- مهما كانت قوته وجبروته- تمكن من القضاء على شعب، نعم تمكن من قتل أكبر عدد ولكن كان النصر في النهاية للشعب ولئن صدق ذلك على الشعوب المستعمرة في التاريخ، فإنه يكون أكثر صدقًا مع الشعب الفلسطيني، وهنا يجدر بنا أن نسجل أن الشعب الفلسطيني بمجاهديه لن ينكسر، وستظل تضحياته محفورة في سجلات التاريخ الناصعة وإن حاول المنهزمون طمسها.
أما في مشهد الإنهزام فنرمق المنهزمين نفسيًا وعقديًا وإيمانيًا.. وهم يهرولون إلى كل الموائد طلبًا للسلامة وعلى العموم أيامهم تنقضي بحلوها ونعيمها وأمنها في ظل رضا السيد الصهيوني.. لكن النهاية تكون دائمًا ذليلة كئيبة.. وبعد ذلك يضعهم التاريخ في مزيلته.
ولسنا هنا في حاجة إلى سرد وقائع ثابتة في التاريخ، فالسجلات متخمة بأولئك الذين باعوا أنفسهم للإستعمار وشروا أوطانهم بثمن بخس منذ فجر الدولة الإسلامية الأولى، وحتى اليوم، لكن سؤالًا كبيرًا يلح على خاطري عن العلاقة بين «المقصلة» الصهيونية المنصوبة لقادة حماس والقوى الأخرى و «المقصلة» المنصوبة في الوقت نفسه للصحوة الإسلامية عمومًا في العالم، أليست هي «مقصلة» واحدة وإن تعددت المواقع وتنوع القتلة؟ أليس الهدف واحدًا وهو قتل وإبادة الروح الإسلامية المتنامية ضد الإستعمار الجديد في شتى صوره، وطلبًا للتحرر من العبودية؟
ألا تصب الحرب الدائرة على التعليم الإسلامي ومحاولة إقتلاع الإسلام من قلوب الناس.. ألا تصب في نفس الهدف؟
نحن أمام حملة كبرى تقودها الصهيونية العالمية و«يخدم» عليها المنهزمون في بلادنا لمنع الإسلام من النهوض ومحاولة الإبقاء عليه محبوسًا في الصدور.. وما يجري على أرض فلسطين هو البيان العملي الأكثر تجسيدًا. رحم الله شهيدنا الرنتيسي وأسكنه الفردوس الأعلى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل