; في وداع رمضان | مجلة المجتمع

العنوان في وداع رمضان

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 18-أغسطس-2012

مشاهدات 73

نشر في العدد 2016

نشر في الصفحة 48

السبت 18-أغسطس-2012

 داعية سعودي - المشرف على موقع التاريخ

إن من أوضح خصائص رمضان أنه يمضي سريعا، فإذا بدأ كرت أيامه ولياليه كأنها عقد انفرط نظامه وهذا أمر مشاهد معلوم يشتكي منه جميع الناس، فما أحسن صنيع من علت همته وقوي عزمه، وأقبل على القيام، وقراءة القرآن والذكر والاستغفار، ومحاولة إصابة ليلة القدر، وما أسوأ صنيع من فرط ولم يعط الشهر حقه، وفي هذا المعنى قال الإمام ابن رجب رحمه الله تعالي: كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده

كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده وهؤلاء الذين: ﴿والدين يُؤْتُونَ مَا آتَوُا وَقُلُوبُهُمْ وَجَلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى ربهم راجعون﴾ (المؤمنون).

قبول العمل

روي عن علي از قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منكم بالعمل ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين (المائدة: 27).

وعن فضالة بن عبيد قال: لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إلي من الدنيا وما فيها لأن الله يقول: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين (المائدة: 27). قال ابن دينار: الخوف على العمل ألا يتقبل أشد من العمل.

وقال عبدالعزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم، أيقبل منهم أم لا؟

وقال بعض السلف: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم.

خرج عمر بن عبدالعزيز يرحمه الله في يوم عيد فطر فقال في خطبته أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يوما وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم.

روي عن علي أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ومن هذا المحروم فتعزيه.

وعن ابن مسعود أنه كان يقول: من هذا المقبول منا فنهنيه، ومن هذا المحروم منا فتعزيه أيها المقبول هنيئًا لك أيها المردود جبر الله مصيبتك.

ماذا فات من فاته خير رمضان، وأي شيء أدرك من أدركه فيه الغفران؟

كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل، وإكماله وإتقانه ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده وهؤلاء الذين: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجَلَّةَ أَنَّهُمْ إِلَى ربهم راجعون (المؤمنون: 60).

كم بين من حظه فيه القبول والغفران ومن كان حظه فيه الخيبة والخسران؟ 

رب قائم حظه من قيامه السهر، وصائم حظه من صيامه الجوع والعطش.

شهر رمضان تكثر فيه أسباب الغفران، فمن أسباب المغفرة فيه صيامه وقيامه وقيام ليلة القدر فيه.

ذكر الله تعالى

ومنها الذكر... ومنها الاستغفار، والاستغفار طلب المغفرة، ودعاء الصائم مستجاب في صيامه وعند فطره، ولهذا كان ابن عمر إذا أفطر يقول: اللهم يا واسع المغفرة اغفر لي.

ومنها استغفار الملائكة للصائمين حتى يفطروا.

فلما كثرت أسباب المغفرة في رمضان كان الذي تفوته المغفرة فيه محروما غاية الحرمان في صحيح ابن حبان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: آمين آمين آمين قيل يا رسول الله: إنك صعدت المنبر فقلت: آمين آمين آمين؟ قال: إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت: آمین، ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات دخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت، آمين، ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل: آمین، فقلت: آمین...

متى يقبل من رد في ليلة القدر؟ متى يصلح من لا يصلح في رمضان؟ متى يصلح من كان به فيه من داء الجهالة والغفلة مرضان؟

مغفرة وعتق

العيد للذي عاوده صفاؤه وقوي إيمانه وازداد يقينه وشب عزمه

والتهبت غيرته وعلت همته وأصبح سيدا على نفسه

الزرقاني: هل هلال العيد يشع على العالم الإسلامي إشعاع السرور على أمل أن يكونوا قد خرجوا من مستشفى رمضان أصحاء بعزائم جديدة فتية

لما كانت المغفرة والعتق كل منهما مرتبًا على صيام رمضان وقيامه أمر الله سبحانه وتعالى عند إكمال العدة بتكبيره وشكره فقال: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبَرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (البقرة: 185).

فشكر من أنعم على عباده بتوفيقهم للصيام وإعانتهم عليه ومغفرته لهم به وعتقهم من النار أن يذكروه ويشكروه ويتقوه حق تقاته، وقد فسر ابن مسعود و تقواه حق تقاته بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر.

فيا أرباب الذنوب العظيمة: الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة، فما منها عوض ولا لغيرها قيمة، فمن يعتق فيها من النار فقد فاز بالجائزة العظيمة، والمنحة الجسيمة يا من أعتقه مولاه من النار، إياك أن تعود بعد أن صرت حرا إلى رق الأوزار أي بعدك مولاك من النار وتتقرب منها وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها؟ 

طهرة الصائم 

وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر، فإن صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث والاستغفار يرقع ما تخرق من الصيام باللغو والرفث ولهذا قال بعض العلماء المتقدمين: إن صدقة الفطر للصائم كسجدتي السهو للصلاة.

وفي وداع رمضان واستقبال العيد قال الأستاذ الإمام محمد عبدالعظيم الزرقاني مبينًا كيفية الاستفادة من رمضان وحسن استقبال العيد:

هل هلال العيد السعيد يشع على العالم الإسلامي إشعاع السرور والغبطة، ويبعث فيه روح البشر والبهجة ويحمل إليه رسالة التهنئة مكتوبة على جبين السماء بحروف من نور فيها إمتاع للنفوس وشفاء لما في الصدور، وإنها لتهنئة كريمة من وافد كريم لشعب كريم... ولكن على أمل أن يكون هذا الشعب الكريم، قد خرج من مستشفى رمضان سليمًا معافى، وصحيحًا قويًا، يواجه الحياة بنفوس غير الأولى، ويحل مشكلاتها بعزائم سوى الغابرة بعزائم جديدة فتية قد صهرها الصيام، وصقلها القيام، وصنعها على عينه رمضان، فإذا هي من سلالة تلك العزمات الإسلامية الصادقة وعلى غرار تلك الهمم الوثابة التي أنجبها الإسلام في عصوره الأولى لحماية عرين الإنسانية ولحراسة محراب الفضيلة.

شجاعة وتضحية

فينا اليوم أمراض متشابهة من رخاوة وانحلال، وبخل وشح وجين ووهن وذلة وخنوع وكان حظ الصيام منا أو كان حظنا منه أن تتبدل رخاوتنا صلابة وانحلالنا تماسكًا، وبخلنا بذلًا، وشحنا تضحية وجبننا شجاعة، ووهننا قوة، وذلتنا عزة وخنوعنا طموحًا، فهل ظفرنا بما أردنا أو بما أراد الصوم منا؟ إذا كان ذلك فقل: يا بهجة العيد، ويا سعادة الحظ، ويا أمنية النفس إذا يجب أن نحافظ على هذا الانتصار فلا نتقهقر إلى الوراء، ولا نتردى مرة ثانية في هاوية ذلك الداء، إن عاد كان أوجع والمريض إن انتكس صار في خطر. أما إن كنا قد خرجنا من رمضان بخفي حنين نشعر بتعذيب الجوع ولم نصل إلى تهذيبه إذا فقل: يا خيبة الأمل، ويا ضيعة العمر ويا فجيعة الرجاء!

إصلاح ما فسد

إذا يجب أن نلتمس العلاج لأنفسنا من جديد، وأن نصلح ما أفسدنا، وأن نصدق الله فيما نقول ونعمل وأن تعتبر العيد خالصة لأولئك الذين تمتعوا بصحة أرواحهم وشفائها دون غيرهم من المستهترين والمفتونين.

العيد في الحقيقة إنما هو للذي عاوده صفاؤه وقوي إيمانه وازداد يقينه، وشب عزمه والتهبت غيرته، وعلت همته وأصبح سيدا على نفسه، حاكمًا لأمياله وأهوائه ضابطًا لعواطفه وشهواته، موطنًا نفسه على خوض غمار الحياة برجولة كاملة، وما أدراك ما الرجولة الكاملة؟ إنها الأمل المنشود، والرجاء المفقود، في هذا الجيل المنكود.

الرابط المختصر :