العنوان قراءة في ملف - المعونات الأمريكية لمصر «1975 – 1988»
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1989
مشاهدات 66
نشر في العدد 925
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 25-يوليو-1989
برنامج المساعدات يهدف إلى تكريس التبعية الاقتصادية لأمريكا.
كيف تأخذ أمريكا باليد اليسرى أكثر مما تعطيه باليد اليمنى؟!
القاهرة: من مراسل المجتمع:
ملف المساعدات الأمريكية لمصر والذي بدأ في
29 يونيو 1975م وما زال مستمرًّا حتى الآن، مليء بالأسرار والأرقام الخطيرة التي
تكشف عن حقيقة هذه المعونات، وهل تستحق كل هذا الضجيج الإعلامي الذي يصاحب إعلان
أمريكا الموافقة على برنامج المعونات لمصر أم لا؟ والمتأمل في أوراق ملف المعونات
يكتشف كيف أن هذا البرنامج قد خطط بمهارة فائقة وخبث شديد لاستغلال ما تواجهه مصر
من مشكلات، وتكريس التبعية الاقتصادية والسياسية لأمريكا، ولأهمية موقع مصر ودورها
في المنطقة العربية، فإن برنامج المساعدات يحظى بقدر كبير من العناية
والتخطيط.
وإذا كانت صورة الاستعمار العسكري، الذي
ينزل بجيوشه ليحتل أرضًا ليست له، قد اختفت أو كادت إلا أن الظاهرة الاستعمارية قد
اتخذت أساليب أخرى أشد وأقوى للسيطرة على الشعوب والحكومات والضغط عليها لتنفيذ ما
تراه الدولة الاستعمارية من سياسات وبرنامج المساعدات الأمريكية عمومًا يسير في
ركب محاولة السيطرة على الشعوب والأنظمة الحاكمة عن طريق ربط اقتصاديات هذه الدول
بعجلة الاقتصاد الأمريكي، فإذا تأخرت سفن شحن الأغذية، حدثت قلاقل ومتاعب
واضطرابات في دول التبعية، وهذا ما يتضح من قراءتنا لأوراق ملف المعونات.... فماذا
تقول أوراق الملف؟!
- برامج أربعة:
بدأ برنامج المعونات الأمريكية بقرض قيمته
53٫7 مليون دولار لإنشاء صومعتين للغلال بشبرا الخيمة والإسكندرية، وتلا ذلك سيل
من القروض والمنح، بلغت قيمتها حتى العام الماضي (1988) ما قيمته 13 مليارًا
و151 مليون دولار، وتدفقت المعونات والقروض من خلال أربعة برامج أساسية:
1- برنامج الغذاء من أجل السلام بلغت ميزانيته حتى الآن مليارين و960
مليون دولار لتوفير الدعم لميزان المدفوعات المصري من خلال تمويل الواردات من
السلع الزراعية الأمريكية عبر قروض بفوائد تصاعدية.
2- برنامج الاستيراد السلمي لمساعدة مصر على تلبية الطلبات الاستيرادية
التي تحتاجها لزيادة المعدلات الحالية للإنتاج والاستثمار والاستهلاك، وبلغت
ميزانيته 3 مليارات و817 مليون دولار حتى الآن، وقد جاءت في صورة عدد وآلات ومواد
خام وسلع استهلاكية.
3- برنامج المساعدة بالمشروعات الاستثمارية كإنشاء محطات الكهرباء
والصرف الصحي والمياه ومشروعات الري... إلخ بميزانية 5 مليارات و417 مليون
دولار وبلغ عدد المشروعات التي شارك فيها الجانب الأمريكي حوالي 112 مشروعًا.
4- برنامج التحويلات النقدية، وقد بدأ هذا النوع من المساعدات في عام
1984م على إثر طلب الحكومة المصرية تحويل جزء من القروض والمنح السلعية في
صورة تحويلات نقدية سنوية بلغت حتى العام الماضي 926 مليون دولار.
وإذا كانت المعونات الأمريكية قد أسهمت
في تنفيذ بعض المشروعات الهامة، إلا أنها في إطارها العام كانت مجحفة وظالمة،
وكلفت مصر فوق ما تطيق، فقد نجح الأمريكيون في رسم وتحديد الخطوط الرئيسية التي
تحكم برنامج المساعدات لمصر لإدخالها ضمن دائرة الهيمنة الأمريكية وذلك من خلال
وضع شروط ظالمة للحصول على القروض والمنح وتركيزها على الجوانب الاستهلاكية
والخدمية بدلًا من القطاعات الإنتاجية الحقيقية كذلك إقحام الإدارة الأمريكية على
المؤسسات المصرية عن طريق التحكم في مدخلات التكنولوجيا والإشراف على عمليات
التدريب والتشغيل والصيانة، ثم محاولات اختراق العقل المصري وتسخيره من خلال المنح
الدراسية والبحوث المشتركة... هذا بالإضافة إلى الطرق الملتوية لتبديد المنح
والقروض قبل أن تحقق أهدافها الاستثمارية، من خلال التلاعب بالبرامج الزمنية
للمشروعات وتأخيرها، وتوريد آلات ومعدات غير مطابقة للمواصفات، وتوجيه قروض ضخمة
لعلاج بعض المشكلات الكبرى كالصحة والإسكان بينما في الحقيقة تنفق غالبية هذه
الأموال على علاج القشور دون الغوص في أسباب هذه المشكلات ومحاولة اقتلاعها من
جذورها.. وهناك دراسات دون جدوى حيث تخصص الملايين الدراسات حول فرص الاستثمار في
مصر وتقديمها للشركات الأمريكية التي قد ترفضها فتوضع هذه الدراسات على الرف
دون جدوى.
وحتى لا يكون الحديث مرسلًا نفتح
معًا صفحات الملف لنستخرج أمثلة حية على ما نقول وهي أمثلة نذكرها على سبيل
التوضيح لا الحصر:
- قيود على القروض:
وضعت الحكومة الأمريكية عدة شروط للحصول
على القروض كانت تؤدي في النهاية إلى استنزاف جزء كبير من قيمة القروض
الأصلية قبل أن تلمسها الأيدي المصرية، ومن هذه الشروط:
- سداد 15% من قيمة القرض بالدولار مقدمًا عند فتح الاعتماد، و10%
عن كل رسالة سلعية تصل إلى مصر بالجنيه المصري، وذلك بالنسبة للمعاملات التي
تتم من خلال برنامج «الغذاء من أجل السلام».
- أن يكون مصدر السلع والخدمات هو أمريكا «وذلك بالرغم من ارتفاع
أسعارها إلى ما يقرب من الضعف عن كثير من الدول الأخرى في أوروبا وجنوب شرق
آسيا».
- أن يتم الشحن على سفن أمريكية ومن خلال ميناء أمريكي «برغم
ارتفاع تكلفة الشحن عنه في السفن الأخرى فيما يصل إلى ثلاثة أضعاف في بعض
الأحيان».
- في قروض المشروعات الاستثمارية يشترط أن يتم التعاقد مع أحد
مكاتب الخبرة الأمريكية لاحتكار المشورة الفنية بأسعار بلغت أحيانًا 60%، 46%
من قيمة القرض الأصلي كما حدث في مشروعي مجاري الإسكندرية وميناء السويس.
- أن يكون المقاول الرئيسي «العمومي» من إحدى شركات المقاولات
الأمريكية، وأن يكون هو المسؤول عن تحديد مقاولي الباطن سواء الأمريكان أو
المصريين.
- ضرورة الحصول على موافقة الجانب الأمريكي كتابة على خطط وبرامج
المشروعات وعلى مواصفات السلع قبل طرحها في مناقصات وقبل البت فيها.
- الجانب الأمريكي مسؤول عن اختيار وتحديد الجهة المشرفة على
عمليات رقابة الجودة والمواصفات القياسية للسلع المستوردة من أمريكا.
- تلتزم مصر بتقديم تقرير سنوي لتحديد أسلوب التعامل مع البرنامج
الذي أعدته أمريكا لكل قرض أو منحة.
- تلتزم مصر بمراجعة سياسات تسعير عناصر الإنتاج والدعم بصفة
دورية، بما يتناسب مع متطلبات الوفاء بما جاء في الاتفاقيات من شروط.
- تشجيع مصر لمستوردي القطاع الخاص وحثهم على استيراد كميات إضافية
من بعض خامات وعناصر الإنتاج.
- قروض استهلاكية:
لقد وزع الأمريكيون قروضهم ومنحهم على
القطاعات المختلفة بعناية فائقة بحيث وجهوا سيلًا من القروض والمنح للقطاعات التي
ليس لديها القدرة على سداد القروض والفوائد المترتبة عليها، بينما كانت القروض
والمنح الموجهة للقطاعات التي تستطيع السداد من أرباح إنتاجها- كالقطاع الصناعي-
قليلة جدًّا، وهذه أمثلة:
- تم تخصيص 10.3% فقط من القروض الخاصة ببرنامج المساعدة بالمشروعات
«المشروعات الاستثمارية» لقطاع الصناعة، الذي يمكن أن يسهم إنتاجه في زيادة المتاح
من النقد الأجنبي وبالتالي زيادة الصادرات أو تقليل الواردات، في حين خصص الجانب
الأمريكي حوالي 72.1% من قروضه ومنحه لمشروعات لا تسهم مباشرة في زيادة حصيلة
النقد الأجنبي، لتغطية أقساط الديون وفوائدها بالعملة الصعبة.
- تم تخصيص حوالي 50,2 % من القروض السلعية لقطاع التمويل الاستهلاكي
مثل السلع الزراعية والخدمات الحكومية والخدمات البشرية والنقل، في حين لم يحصل
قطاع الصناعة إلا على 10,3 % والمعدات الزراعية الثقيلة
اللازمة للاستصلاح والميكنة على 2,7 %.
- تشكل الالتزامات المترتبة على قروض فائض الحاصلات الزراعية الأمريكية
المصدرة إلى مصر حوالي 46 % من جملة الديون الأمريكية لأنها قروض تلبي احتياجات
استهلاكية واستهلاكها لا يحقق موردًا لسداد الالتزامات الناتجة عنها، ويزيد من
الضغوط التي يتعرض لها ميزان المدفوعات المصري، والتي يزيد من أعبائها تدبير سداد
15% بالدولار عند فتح الاعتماد و10% بالجنيه عند تسلم الرسالة.
- المشاركة في إدارة المؤسسات:
وضع المخطط الأمريكي مجموعة من المشروعات
لمحاولة المشاركة في إدارة المؤسسات والمصانع والمشروعات بطريق مباشر أو غير مباشر
من خلال التحكم في التكنولوجيا والتدريب والصيانة ومن هذه المشروعات:
- مشروع تطبيقات التكنولوجيا الصناعية لزيادة الإنتاجية في الشركات
الصناعية من خلال تحسين واختيار واستخدام التكنولوجيا الحديثة، والمشروع بدأ
عام 1980م وانتهى في عام 1987م بتكلفة 8,9 مليون دولار.
- مشروع العلوم والتكنولوجيا من أجل التنمية للمساهمة في حل مشاكل
التنمية من خلال الأبحاث التطبيقية والتكنولوجية الحديثة في الطاقة والصناعة
والصحة والزراعة، وقد بدأ في عام 1986م، ويستمر حتى عام 1994م بميزانية 131,6
مليون دولار، أنفق منها حتى الآن 41 مليون دولار.
- مشروع تطبيق البحث العلمي والتكنولوجيا لحل مشاكل تطوير الإدارة
الزراعية والطاقة الحيوية والصيانة بدأ في عام 1977م وانتهى في عام 1988م بتكلفة
22,9 مليون دولار.
- مشروع التدريب التنموي لإتاحة فرص التدريب للقياديين في القطاعات
المختلفة بدأ في عام 1985م ويستمر حتى عام 1991م بتكلفة 109 ملايين
دولار أنفق منها 265 مليون دولار.
المعونات والعقل المصري:
تضمن برنامج المساعدات عدة مشروعات كبيرة
لتسخير واستغلال أساتذة البحث العلمي في الجامعات والمعاهد البحثية لخدمة أغراض
البحث العلمي في أمريكا، ومن أهم هذه المشروعات:
- مشروع الترابط بين الجامعات المصرية والأمريكية الذي يهدف إلى تدعيم
الأبحاث التطبيقية من خلال مشروعات مشتركة مع الجامعات الأمريكية، وقد اشترك في
هذه المشروعات حتى الآن حوالي 1300 باحث وأستاذ جامعي من حوالي عشر جامعات،
شملت أحد عشر قطاعًا رئيسيًّا، وحصل الأمريكيون على النتائج أولًا بأول، والمشروع
بدأ في عام 1980م وينتهي هذا العام بتكلفة 27٫5 مليون دولار.
- مشروع منح السلام الذي بدأ كجزء من مشروع التدريب التنموي
من 1980م وحتى 1988م بتكلفة 60 مليون دولار، وقدم منحًا دراسية بأمريكا
لـ1900 من القياديين المصريين منهم 52% من الأساتذة والباحثين الجامعيين، 20% من
الوزارات و12% من الشركات العامة و10% من الشركات الخاصة و4% من المراكز البحثية..
وشملت المنح قطاعات التعليم والطاقة والزراعة والصحة والعلوم الطبيعية والعلوم
الاجتماعية وإدارة الأعمال والاقتصاد والمعروف أن المنح الدراسية بأمريكا تحاول أن
تصنع من الدراسة هناك وتمنحها لشخصية قيادية يسيطر عليها أمران: الأول: الانبهار
الكامل بأمريكا وحضارتها ومجتمعها وبالتالي التسخط والازدراء للمجتمع المصري
المتخلف، والثاني أنه لن تقوم لمصر نهضة إلا بمساعدة أمريكا والسير في ركابها،
وهذا له أكبر الخطر على المستوى البعيد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل