العنوان وفي أحداث السودان عبرة (599)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1982
مشاهدات 70
نشر في العدد 599
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 14-ديسمبر-1982
الأزمة التي انفجرت في السودان قبل أسبوعين وإن جاءت كرد فعل مباشر لارتفاع أسعار السكر والوقود وبعض المواد التموينية. إلا أن هذه الأزمة لها جذور وجوانب اقتصادية سياسية زاد من حدتها ترافقها مع أزمة الجنوب السوداني. وإذا كانت التحليلات والتعليقات الصحفية عندها في هذه المرحلة الصعبة التي تمر فيها الشعوب الإسلامية بلا استثناء.
بلا هوية
المتتبع للتطورات التي مر بها النظام السوداني الراهن منذ انقلاب مايو 1969 يلاحظ غياب «الهوية» المتميزة للنظام ولسياساته الاقتصادية والسياسية، ففي المرحلة الأولى «69-73» رفع النظام شعار الثورية والاشتراكية وركب موجة الناصرية التي كانت في احتضار وانعكس ذلك على السياسة حيث تحسنت علاقات السودان بمصر ومجموع الدول «التقدمية» «والاشتراكية» وخاصة الاتحاد السوفياتي. أما على الصعيد الاقتصادي فقد مال النظام إلى تنمية القطاع العام وإقامة بعض المشاريع الزراعية الواسعة كمشروع الجزيرة ومشاريع السكر وكان من نتيجة هذه السياسة غير المدروسة أنها لم تأت بنتائج إيجابية للاقتصاد السوداني فيما أوجدت وضعًا وظيفيًا «بيروقراطيا» غير منتج.
أحداث السودان
وفيما بعد عام 1972 بدأ النظام يتجه نحو الانفتاح على النظام الرأسمالي وبدأت علاقاته مع الولايات المتحدة تتأصل وتتقوى خاصة بعد الانقلاب الشيوعي الفاشل بقيادة هاشم العطا. ويمكن القول إنها توثقت بشكل كامل منذ عام 1977 بسبب دعم الرئيس نميري لأنور السادات وتأييده لكامب ديفيد، وبسبب زيادة الانفتاح على الاقتصاد الرأسمالي الذي تترجم بازدهار تجارة استيراد السلع المصنعة من الأسواق الغربية، الأمر الذي انتفع به قلة قليلة من التجار ومؤيدي النظام.
وبسبب فشل المشاريع الكبيرة كمشاريع السكر والجزيرة وزيادة التضخم الذي وصل أخيرًا إلى حد نسبة 50% بالإضافة إلى تدهور إنتاج القطن الذي يشكل المورد الأساسي للدخل القومي والذي بدوره انخفض خلال فترة حكم النظام الحالي بنسبة 50% ازداد السودان فقرًا بحيث احتل الرقم «17» في سلم أفقر دول العالم الذي تعده الأمم المتحدة.
دور مشبوه
الأمر الذي جعل النظام يعتمد على القروض الدولية خاصة البنك والصندوق الدوليين، ولما تدهور الاقتصاد السوداني إلى الحد الذي ذكرناه ووصل العجز في ميزان المدفوعات 700 مليون دولار في العام الماضي بسبب زيادة الواردات بمعدل 25% فيما انخفضت الصادرات بنسبة حوالي 4% عام 1980، وبسبب زيادة فاتورة النفط بالطبع لجأ نميري إلى البنك الدولي للحصول على احتياجاته من الأموال التي قدرت بحوالي 4 آلاف مليون دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة. ولكن البنك الدولي الذي يفترض فيه أنه يساعد الدول الفقيرة لاجتياز أزماتها وتنمية اقتصادياتها لجأ إلى مناورة هدفها الضغط على السودان للاستجابة لشروطه الصعبة وهي الدعم الحكومي للسكر والقمح والوقود.
ففي شهر أكتوبر الماضي امتنع البنك الدولي عن تقديم القرض المقرر للسودان وقدره (220) مليون دولار مما جعل نميري يستجيب للضغط ويعلن عن خطة لإنعاش الاقتصاد السوداني من سبعة عشر نقطة
كان أهمها:
· تخفيض قيمة الجنيه السوداني بنسبة 12.5%.
· قطع الدعم الحكومي للسلع التموينية والوقود ارتفع بسببها سعر السكر بنسبة 62% والبنزين 30% وزيادة الرسوم على زيت الطعام بنسبة 40% وعلى الواردات عمومًا 10%!
وما يهدف إليه البنك الدولي هو تفكيك الاقتصاد الوطني السوداني وتكريسه بما يخدم الاقتصاد الرأسمالي، وذلك لضمان التبعية من جهة ولتبقى السودان كغيرها من دول العالم الثالث سوقًا للسلع الرأسمالية.
تبعية ممقوتة
إلا أن استجابة نميري لشروط البنك الدولي وتهديده بالاستقالة إن لم تعتمد إجراءاته الأخيرة، ودون إعداد البديل أثار موجة غضب شعبي بدأها طلاب جامعات الخرطوم وأم درمان والقاهرة فرع الخرطوم التي تسيطر على قيادة اتحادات الطلاب فيها عناصر إسلامية مناهضة للتوجه الرأسمالي للاقتصاد السوداني، ولكن هذه المظاهرات عمت معظم المدن السودانية فتصدت لها السلطة بالعنف الذي أودى بحياة بعض المواطنين.
ونحن ندرك أن التبعية السياسية للنظام السوداني هي التي فرضت عليه التبعية الاقتصادية لكن العبرة الأكيدة على كل حال أن كون النظام بلا هوية سياسية أو اقتصادية مستقلة نابعة من البعد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للشعب السوداني المسلم هو الذي أدى إلى تفاقم الأوضاع إلى هذه الدرجة.
وهكذا فالعبرة المستخلصة هي أن انعدام الهوية الاقتصادية والسياسية المتميزة لأي نظام هي السبب الأساسي في جميع مشاكله وتفاقم أزماته.
لا استقرار مع الديكتاتورية
والدرس المستفاد من الأحداث السودانية على مر السنوات الأخيرة، هو أن انفراد الحاكم بالرأي من جهة ومصادرة الحريات الشعبية من جهة أخرى كإغلاق الصحف والمجلات وحل النقابات المهنية والشعبية والطلابية وكل منابر التعبير عن الرأي من شأنه أن يثير القلائل بما يزعزع النظام ويشيع في البلد الفوضى وعدم الاستقرار الأمر الذي يحسن استغلاله القوى الدولية السياسية أو الاقتصادية.
ويبدو أن حسني مبارك قد استفاد من تجربة سلفه، مما جعله يبعث وزير خارجيته كمال حسن علي عند انفجار الأزمة السودانية فورا ليقدم له نصائح بعدم اللجوء للعنف في مقاومة المعارضة الشعبية.
أين أموال المسلمين؟
والقضية التي تطرحها الأحداث السودانية بإلحاح هي دور الثروة الإسلامية المتنامية وخاصة أموال النفط، إذ مهما قيل عن شروط الاستثمار التي وضعتها الحكومة السودانية ومهما قيل عن المساعدات التي قد يذهب قسم كبير منها إلى بنوك أوروبا لحساب بعض المتنفذين، إلا أن كون السودان «مخزنًا» للغذاء كما قالت تقارير الأمم المتحدة بسبب غناه في الثروة الحيوانية والزراعية كان يوجب على أموال النفط أن توجد الطرق والوسائل المناسبة للاستثمار في السودان. ومهما يكن من أمر فإننا فيما نظن لا يزال الباب مفتوحًا، ولكن حتى لا تتحول المعونات والاستثمارات إلى دعم للنظام نفسه يجب أن توجه الأنظار لمشاريع الاستثمار الخاصة أو اشتراط الإشراف الاقتصادي والإداري معًا.
وأخيرًا فإن السودان بالرغم من المسار السياسي الذي يعد للسير فيه، وبسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية من جهة والسياسة من جهة أخرى بسبب تفاقم أزمة الجنوب ومناداته بالاستقلال، وبسبب كونه بؤرة للتنافس الدولي يمكن أن يكون ثغرة جديدة في ديار العرب والمسلمين تنفذ منها القوى الدولية لأحكام الطوق حول العالم الإسلامي ووقف مسيرته الصحيحة التي بدت ملامحها تبدو في الأفق البعيد.
وما لم يسارع أولو الأمر من المسلمين إلى تدارس أوضاعهم وتصحيحها على أسس ثابتة وسليمة في مقدمتها قاعدة الشورى في الحكم فإن ليلنا قد يطول وقد لا نرى الفجر أبدًا.