العنوان قراءة في نتائج قمة "شرم الشيخ"
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1996
مشاهدات 70
نشر في العدد 1192
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 19-مارس-1996
قدم المشاركون في مؤتمر "شرم الشيخ"، والذين جلبتهم الضغوط الأمريكية للمؤتمر تنازلات هائلة لـ "إسرائيل"، لم تكن تحلم بها، من أهمها الاعتراف بأن أمنها واستقرارها هما الركن الأساسي في مبدأ الشرق أوسطية، الذي يجري فرضه على المنطقة، وقدموا اعتذارًا غير معلن لكل الجهاد القتالي الذي بذله العرب على مدى 60 عامًا في مواجهة اليهود، وحملوا أنفسهم بنص البيان الختامي مسؤولية محاربة المجاهدين، وصيانة الأمن الإسرائيلي في المنطقة..
إن قراءة سريعة لنتائج القمة الأخيرة تقود إلى النتائج التالية:
أولًا: بحضور أبرز رؤساء الدول الكبرى أو ممثلين عنهم تحقق التزام دولي غير مسبوق بدعم الأمن الإسرائيلي، ومراعاة متطلباته، بحيث أصبح من مسؤولية القوى الدولية أن تلهث في مطاردة من يهددون أمن "إسرائيل"، وإن تنفق المال والوقت في سبيل ذلك.
ثانيًا: كرست القمة مبدأ الشرق أوسطية، بحيث لم تعد هذه المنطقة من العالم قلبًا للعالم الإسلامي، أو مشرقًا للوطن العربي، بل هي شرق أوسطه غير ملتزم بدين أو لغة، بوجود الأمة الإسرائيلية كعضو رئيسي فيه.
ثالثًا: أعطى البيان الختامي للمؤتمر ضمنا المحور الأمريكي- الإسرائيلي صلاحية تحديد الإجراءات التنفيذية للمبادئ التي أعلن عنهافي البيان، وذلك من خلال اللجنة التي شكلت لفترة ثلاثين يومًا، وجاءت الزيارة العاجلة للرئيس الأمريكي إلى "فلسطين المحتلة" بعد القمة، واجتماعه بمجلس الأمن الإسرائيلي، كأول مسؤول غير إسرائيلي يشارك فيه، وإعلانه الشراكة الأمنية بين "تل أبيب وواشنطن" دليلًا على تورط أمريكي عميق في عملية محاربة الجهاد المشروع ضد "إسرائيل"، وإقرار الاحتلال والقمع الإسرائيلي "لفلسطين" وأبنائها.
رابعًا: ما لم يعلن عنه في المؤتمر صراحة هو الحملة الإرهابية التي سيشنها المحور الأمريكي- الإسرائيلي في القريب العاجل على كل معارض لاتفاقات التسوية، وكما خضعت عواصم عربية لهذا المحور في مناسبات سابقة، فإنها ستخضع لهذه الحملة، بحيث يتحول كل رافض للسلام الذليل إلى إرهابي لمجرد إعلانه عن رفضه لما يسمى بمسيرة السلام في "الشرق الأوسط".
خامسًا: فتحت القمة ثغرات جديدة في جدار الموقف الخليجي، بإعلان مندوب إحدى الدول الخليجية دعوة الزعيم الصهيوني لزيارة بلاده، وبزيارة باقي المندوبين له في محل إقامته في شرم الشيخ، كما ذكر التليفزيون الإسرائيلي.
سادسًا: رغم تطرق البيان الختامي للمؤتمر إلى الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين في الضفة والقطاع فإنه لم يجرؤ على تحميل إسرائيل، أية مسؤولية تجاه ذلك، ولم يحملها أي لوم تجاه الممارسات الأخيرة مثل اعتقال أفراد أسر ناشطي "حماس"، وهدم دورهم السكنية، وطرد العمال الفلسطينيين من مصادر عملهم، وإقرار "إسرائيل" على ذلك، كما لم يتعرض المتحدثون للإرهاب الإسرائيلي القائم منذ اغتصاب اليهود "لفلسطين".
سابعًا: الصيغة التي انتهت إليها القمة أكدت الأمرالواقع الإسرائيلي، بحيث إن ممارساتها وتجاوزاتها التي تنفذ باسم الأمن باتت غير قابلة للنقاش، وأكدت إسرائيل، على هذه الحقيقة بإرسالها المروحيات وقطع المدفعية لتضرب المدنيين في جنوب "لبنان"، في نفس اللحظات التي كان زعماء العالم في "شرم الشيخ"، يتبارون فيها في البكاء على القتلى الإسرائيليين.
ثامنًا: لم تخرج القمة بأي مكسب ولو كان ضئيلًا للجانب العربي، رغم أنها جرت على أرض عربية وبمشاركة مصرية رئيسية في ترتيبها، وكان واضحًا أن مشاركة معظم العواصم العربية، بل وحتى الأوروبية جاءت إرضاء للإدارة الأمريكية، وهي إدارة ربما تزول في شهر نوفمبر القادم ويبقى لـ "إسرائيل"، بعد إدارة "كلينتون" مكاسب عظيمة لم تكن قمة "شرم الشيخ"، سوى واحدة منها.
إلا أن أخطر نتائج القمة جاء متمثلًا في التطبيع الأمني بين "العرب وإسرائيل"، والذي احتواه البيان الختامي دون أن يبين تفاصيله صراحة، فالفقرة الرابعة من التوصيات أشارت إلى تنسيق الجهود من أجل وقف أعمال الإرهاب على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية، والفقرة الخامسة أكدت على بذل أقصى
الجهود لتحديد مصادر تمويل هذه الجماعات الإرهابية والتعاون في قطعها.
ومن المرجح أن تتمكن "إسرائيل"، قريبًا، وبالضغوط الأمريكية المعتادة من إلزام الأنظمة العربية بتقديم معلومات أمنية حول الجماعات والتنظيمات، وخصوصًا الإسلامية منها، وربما البنية الكاملة للمجتمعات العربية إلى الموساد الإسرائيلي، وذلك من أجل استخدامها في تدمير البنية الداخلية للمجتمعات العربية.
لقد نجحت قمة شرم الشيخ، في تحويل الإرهاب من مصطلح لغوي يتعلق بأعمال العنف ضد الأبرياء، إلى مصطلح رديف المعارضة ورفض السلام المهين الذي فرضته على المنطقة، بل وتجريم فرض من فروض الإسلام وهو فرض الجهاد واعتباره دربًا من دروب الإرهاب.
وقريبًا يصبح كل الرافضين للكيان الإسرائيلي، بل وكل الثقافة الإسلامية العربية المعارضة لهذا الكيان، جزءًا من الإرهاب يجب محاربته دوليًا.
إننا نطالب الغيورين من قادة هذه الأمة وأبنائها أن يقوموا بعقد قمة إسلامية عربية ردًا على هذه القمة، تحفظ على الأمة هويتها ودينها وثقافتها قبل أن نجد "إسرائيل" وقد أصبحت تصدر لنا الأوامر في كل شيء.
إن الانسلاخ من هوية الأمة العربية الإسلامية إلى ما يسمى بالشرق أوسطية، هو جريمة في حق الأمة، وفي حق دينها وتاريخها وعقيدتها، وإننا نأمل من الغيورين من قادة هذه الأمة وأبنائها أن يقفوا ضد هذه الدعوة التي تهدف إلى سلخ هويتها، وأن يحافظوا على دينهم وأمتهم إرضاء لربهم ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة 54) ألا هل بلغنا اللهم فاشهد.