; قصة الأسبوع.. الصراع الرهيب | مجلة المجتمع

العنوان قصة الأسبوع.. الصراع الرهيب

الكاتب عبد العزيز عطايا

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1978

مشاهدات 86

نشر في العدد 406

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 01-أغسطس-1978

ملخص ما نشر:

محمود إنسان موجود في مجتمعنا المادي، تحول إلى آلة تعمل طوال النهار وفي جزء من الليل، من أجل المال وحُسن المظهر. ولم يكف عن البحث عن عمل جيد يضاعف دخله رغم أنه يكسب كثيرًا، ويفيض ماله ويدخر بعضه. وذات يوم أحس بشيء في معدته، وذهب إلى الطبيب ولكنه لم يأخذ بنصيحته، ولا بنصيحة زوجته، التي شكت من انصرافه عنها كما شكا أولاده، من نفس السبب. وفي فجر يوم، وبعد أن قضى ليلته قلقًا، أحس بما أحس به من قبل في معدته، ومع ذلك خرج من داره يتحدى مرضه، وأخذ يجري إلى عمله متلهفًا متكلفًا القدرة على الحركة. ونسى أن الإنسان يتكون من جسم لم يصنع من حديد، وأن الإنسان ضعيف مهما كانت طاقته.

لم يشرب شيئًا في تلك الساعة التي خرج فيها، ولم يرم بشيء إلى فمه لم يتعود أن يأكل أو يشرب في تلك الساعة من الصباح الباكر. ولكنه يلتهم طعامه قبل أن يصل مبنى الوزارة يجلس داخل السيارة ويأكل طعامًا أعدته زوجته وأعطته له قبل أن ينصرف. غير أنه في هذا الصباح لم يمد يديه إلى الطعام، ولم يشعر برغبة فيه. كانت نفسه عازفة، وبطنه شاكية من ألم ضعيف. 

لم يكد ينتهي من توزيع الصحف حتى اتجه إلى مبنى الوزارة، وشرب قدحًا من القهوة مع سيجارة جلس يدخنها في قرف. كان كلام زوجته زوبعة ذرت تراب الغضب وأطارته حول نفسه. أكانت تنصحه؟ يالها من زوجة غبية. أتكون النصيحة في ذلك الوقت الذي يسبق الخروج؟ وعلام تكون النصيحة، ولمن؟ إنه يجري من أجل أن يوفر لها ولأولادها حياة ترقى إلى مستوى كبار الموظفين، من سوء حظه أنه لم يحصل على شهادة عالية تضعه بين أصحاب المرتبات المرتفعة، بيد أنه يتمتع بقدرة على العمل لا حدود لها، ويتحرك بسرعة في جميع الجهات دون أن يصاب بصداع أو بفقدان الذات، يضاف إلى ذلك كل قوة ذاكرته التي تدير له أعماله الكثيرة كسكرتيرة مدربة على أحسن الإدارة وفنها الدقيق وهذا من حُسن حظه ولا شك، فيم كانت نصيحة الزوجة إذن؟

أفاق من شروده على رنين جرس جاء من جهة مكتب المدير، فنهض يجري ليلبي طلبه، بدأ محمود يجري بدلًا من المشي السريع، انتقل من عصر المشي بسرعة إلى عصر الجري بلهفة. وخرج من حجرة المدير ليدخل حجرة أخرى، ويدلف إلى حجرة ثالثة. أما حجرة هؤلاء الموظفين فهو يمر بها دون أن يقف فيها كالعادة. قد تأكد أن شجرة الحقد والحسد تنمو داخلها، ولا ينبغي أن يقترب منها. ومع ذلك دارت رأسه بعد أن خرج منها مباشرة. واتهم الحجرة المشؤومة وأصحابها. ولم يتهم نفسه التي كرهت الطعام في الصباح، وبطنه التي رفضت أي لقمة تهبط إليها.

وعند الساعة العاشرة سقط محمود فوق الدرج، ووقعت الأوراق من يده وأسرع إليه رجل وامرأة كانا يصعدان إلى الطابق الذي نزل منه محمود. كانت لحظة خاطفة خائفة. فقد ظنت المرأة أن الواقع على الأرض قد فقد الحياة، وظن الرجل إنه في حاجة إلى إسعاف لعله ينقذ حياته.

وأقبل الناس وهرعوا من أعلى ومن أسفل، وحملوه إلى حيث يقع الطابق الذي يعمل فيه.

تنبه محمود إلى وجوده في حجرة الطبيب، وسمعه يقول بصوت بلغ درجة من الهمس واضحة:

- قرحة في المعدة..

التفت محمود رأى أخاه جالسًا غير بعيد، فتصنع أنه نام من جديد، وأغلق عينيه، وركز كل انتباهه في أذنيه. وعرف بعد ذلك أن أحد الموظفين اتصل بأخيه وأتى به ليتولى أمره المفاجئ. ربما تنبه محمود إلى نفسه في أثناء النهار، ولكن الساعات التي قضاها نائمًا جعلته يبدو تائهًا أغلب الوقت.

- حصلت على إجازة للراحة.. لن تخرج

رفع رأسه فقال أخوه:

- استرح أرجوك.. في هذه الورقة أسماء أدوية.. سأشرف بنفسي على تناولها بنظام كما هو مكتوب..  مفهوم يا محمود.

قال محمود بصوت ضعيف:

- ولكن..

قال أخوه بصوت قاطع:

- في هذه المرة سقطت على الدرج.. بين الناس. في المرة القدمة لا أعرف أين تسقط.

- لم أتناول طعام الإفطار.. هذا هو الخطأ.

- ويوجد خطأ آخر تتجاهله.. تعمل كل الوقت.. دون أن تمنح نفسك ساعة من الراحة.

- حتى أنت تحسدني على العمل.

- أنا لا أحسدك.. لا تكون مجنونًا.. لا يحسد الأخ أخاه.. إلا إذا كنت أنت من الحاسدين.

- أنا.. لم أفكر في أن أحسدك أبدًا.. وإنما أفكر في أن أكون كالآخرين

- محمود يا أخي.. نعمة الله تصبغ حياتك كلها بالترف.. ورحمة الله تشملك.. ماذا ينقصك غير الاعتراف بهذه النعمة وتلك الرحمة..

سكت محمود ولم يفتح فمه بكلمة. وتذكر قول زوجته في الصباح الباكر حين سألته عن صلاة الفجر. إنه يخرج من داره قبل أن يطلع الصباح ليوزع الصحف، ولم يفكر في أن يصلي في ذلك الوقت ولا في غيره من الأوقات. كأن الصلاة مكتوبة على المسلمين وليست مكتوبة على أمثاله، طال سكوت محمود فقال أخوه:

- على أي حال أزمة تنتهي بخير 

قال محمود معترفًا بخطئه لأول مرة:

- أجري هنا وهناك.. في سباق مع ظلي.

- كان لابد أن يحدث ما حدث لتتوقف فترة.

- صدقني يا أخي.. مشيتي هي هكذا، تبدو بسرعة.. ولم أبدأ الجري إلا في هذا اليوم الذي سقطت فيه.. صراع رهيب غريب.

- بدأت تجري بعيدًا عن زوجتك وأولادك.

- وكنت أعتقد أني أجري نحوهم ومن أجلهم.

- من حقهم ساعة أو أكثر أو نصف النهار.

سأله محمود بخوف حقيقي:

- ما حكاية القرحة.. سمعت الطبيب يهمس بها؟

- بداية قرحة كما فهمت منه.. وبالعلاج تختفي.

وبعد أيام قليلة، عاد محمود إلى حياته الطبيعية وقد انتزع منها الأشواك المؤلمة. قنع بعمله الرسمي في مبنى الوزارة، وبعمله الإضافي في المطعم. واعتذر عن بقية الأعمال. ترك تنظيف عيادة الطبيب، وهجر العمل في توزيع الصحف، وزهد البيع في الأشياء التي تشبه المعالق والقمصان، والتي كان يعرضها على الموظفين في حجراتهم.

واكتشف أنه كان شخصًا غريبًا يعيش في أسرة تتكون من زوجته وأبنائه. واكتشف أن المشي بسرعة وباضطراب في الحركة يعجل بالوصول إلى القبر. هي السرعة مذهب في هذا العصر. والدين الذي يعتنقه أغلب الناس هو المادة والآلة. لا يكذب ويزعم أنه يفهم في الأديان، ولكنه يفهم أن عبادة القرن العشرين فيها أصنام وأوثان كالتي كانت في الجاهلية إن لم تكن تفوقها شكلًا وجهلًا.

وأصبح محمود يستيقظ في الصباح الباكر قبل شروق الشمس ليصلي ويقرأ القرآن. يتوضأ ويسرع إلى السجادة. بدأت السرعة تتجه نحو العبادة. ووجد في ذلك لذة  وحلاوة. إن مشيته في الحياة صارت معتدلة قامته الطويلة بدت مهيبة. نظرته إلى الوجود مرت بتجربة عميقة زادته خبرة وحكمة. لا يكسب الإنسان بالمال وحده وإنما يكسب بحساب النفس قبل أن تحاسب. وقال محمود لنفسه أخيرًا:

- يولد الإنسان عندما يجد نفسه.. إنها ولادة غير منظورة.. ولكنها الولادة الحقيقية.. وما الولادة الأولى إلا لتتحقق الولادة الأصلية.. ولا يجد الإنسان نفسه كما ينبغي أن توجد إلا في رحاب الله:

ثم قال بعد ذلك لزوجته:

- كثير من المال لتبديل سيارة بسيارة.. وقليل من المال يكفي للحج

فقالت زوجته:

- اسمك محمود وأنت محمود.

- تمت -

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

185

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

130

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم