العنوان قصة العدد - الطريد
الكاتب عبد العزيز عطايا
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1979
مشاهدات 68
نشر في العدد 433
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 20-فبراير-1979
ملخص ما نشر :
دخل الحيسمان بن عبد الله الخزاعي مكة وأخبر أهلها بهزيمة جيش قريش في بدر. كانت المفاجأة التي خلعت القلوب بالرعب، وزلزلت النفوس بالفزع، حتى سقط أبو لهب يحترق في فراش الحمى إلى أن فارق الحياة. وما أجدر أبا لهب أن يصعق ويهلك. ومنعت قريش البكاء على القتلى، وفضلت أن تكتم حزنها حتى لا تتعرض لشماتة المسلمين كما ظنت.. ونسيت أن المسلمين لا يشمتون بهم. وساء ما تو همت قريش، وبينما كانت مكة تتحدث في أمر هزيمتها، كان «وحشي» يتحدث مع أحد العبيد في الحرية التي يزداد شوقه إليها. وناداه سيده ذات ليلة وعرض عليه أن يكون حرًّا، وأن يدفع ثمن تلك الحرية .
----------------------
رمى جبير قدحه من يده، وعاد بظهره إلى الوراء، وبدا جبير في هيئة السادة الذين يملكون أمر عبيدهم في أيديهم، ويمنحون السعادة لهم أو يمنعونها .
ثم قال بلسان يتلوى ولكنه يتعالى :
إني أعرض عليك هذه الحرية .
لم يستطع وحشي أن يتكلم -أشار الى نفسه كأنه أخرس لا يصدق ما يقال أمامه، قال جبير ليلهب شوقه إلى ما يعرض عليه من حديث :
- أعرض عليك هذه الحرية.. إن شئت.. فأد ثمنها .
ركع وحشي عند قدميه، وقال برذاذ يتطاير من فمه، من سرعة نطقه، ومن لهفته: كيف أدفع ثمن هذه الحرية.. لوأني أستطيع أن أبلغه في جو السماء أو في أقصى الأرض لفعلت.
ليس ثمن الحرية في جو السماء ولا في أقصى الأرض .
سال وحشي بجنون :
- أین؟
أجاب جبير :
-إن ثمن الحرية أدنى إليك مما تتوقع .
كاد وحشي يصرخ، لولا أنه يحدث سیده، سأله:
-أين.. أين؟
قال جبير بلهجة الآمر:
- اذهب مع قريش في حربها هذه التي تتجهز لها.. ثم عد إليَّ بمقتل حمزة بن عبد المطلب .
ردد وحشي جملة سيده:
-بمقتل حمزة بن عبد المطلب؟ فقال السيد وهو يلوح له بالأمل :
- عد إليَّ بمقتل حمزة بن عبد المطلب. وأنت بعد ذلك طليق. وأنت بعد ذلك حر.
لمعت عينا وحشي كأنهما من زجاج مرآة تعكس شوقه إلى الحرية، وجحظت عيناه، ثم حركهما كأنه يدير الأمر في ذهنه، بيد أنه لم يفكر طويلًا. أي طريق يسلك من أجل ما يتمنى؟ إنه يحلم بهذه الحرية منذ وقع في الأسر، وصار عبدًا لسيد من سادات قريش، كيف يرفض أن يدفع ثمن الحرية حتى ولو كان الثمن هو القتل؟ أحس بجسمه يرتجف. أمن فرحة أم من خوف؟ ولكنه ملك زمام نفسه. لن يدع الفرصة تضيع.. حان الوقت أخيرًا ليكون حرًا، وليتحقق المستحيل. صاح كأنه حسم الموقف قبل أن يلتقيا :
إني ذاهب مع قريش.. وعائد إليك بمقتل حمزة.. أو لاقٍ من دون ذلك الموت.. فهو أهون عليّ.. وآثر عندي من حياة الرقيق .
علت ابتسامة وجه جبير. وأطلت من عينيه نظرة النار، قال يحدث نفسه، مع أن خادمه لا يزال واقفًا أمامه :
-حمزة بن عبد المطلب هو الذي قتل عمي.. ولأنتقمن منه .
قال وحشي وكأنه رد إلى نفسه :
- شردت يا سيدي.. أتكلمني؟
-لا.. اذهب أنت يا وحشي واستعد للحرب.
خرج وحشي من الدار، وكتم. الأمر في صدره. لم يخبر أحدًا. غرق في الظلام مع تفكيره الجديد. وطال الليل كأنه بلا فجر وبلا ضوء. طلبالنوم في تلك الليلة فلم يستجب له. وأتى النهار ووحشي يتقلب في النار، والانتظار. ويعد حربته ليوم الانتقام.
وكانت هند زوجة أبي سفيان أكثر النساء رغبة في الانتقام من حمزة بن عبد المطلب، كان قد قتل يوم بدر عتبة أبا هند، كما قتل أخاها ونكل بكثير من الأعزة عليها. فأرسلت إلى وحشي، ووعدته بمال وفير، وخواتيم ودنانير إن قتل حمزة بن عبد المطلب.
عاد وحشي بأمل الثروة بعد أمل الحرية. وبات يحلم بيوم خروج قريش للحرب. وألفت قريش جيشًا جرارًا قوامه ثلاثة آلاف من الرجال تحت قيادة أبي سفيان. وكان فيه مائتان من الفرسان تحت قيادة خالد بن الوليد الذي سار على ميمنة الجيش، وسار عكرمة بن أبي جهل على الميسرة. وخرجت النساء مع المحاربين ليلهبن صدورهم بالحماسة، وكانت هند في مقدمة النساء. وذهب وحشي بين الجموع يحمل حربته وأمله في الحرية والثروة.
وخرج الرسول- عليه السلام- يقود رجاله، واختار جبل أُحد وهو صخرة مرتفعة في الصحراء، ليست من شوامخ الجبال، وليست من عوالي التلال، ولكن العرب كانوا قد ألفوا أن يطلقوا عليها وصف الجبل. وأعد الرسول خمسين من أبرع الرماة في عالية الجبل لحماية ظهور المقاتلين .
وظهرت طلائع الأعداء قادمة في السهل، وهند وصواحبها ضاربات بالدفوف، والتقى الجيشان.
واندفع حمزة كالجمل الأورق يضرب بشجاعة لا نظير لها. وسرعان ما رجحت كفة المسلمين. واستدار جيش قريش يهرب من ذلك الجحيم، وظن الرماة أن الحرب قد انتهت، ونسوا أمر رسول الله، وتركوا أماكنهم، ولم يضع خالد بن الوليد تلك الفرصة النادرة سدی، فنادی فرسانه أن يحتلوا مشارف الرماة. وهكذا بدأت المعركة تأخذ طريقها ضد المسلمين. واضطرب الأمر، وعاد الهاربون من جيش قريش ينقضون. وكان وحشي قد هرب معهم وفر قبلهم. وعاود الأمل وحشيًّا من جديد، ورجع يرقب حمزة لعله يتمكن منه وقد دبت الهزيمةفي صفوف المسلمين.
رأى وحشي حمزة يهجم ويضرب دون ضعف، ويصول كالأسد، لم تمنعه الهزيمة من الاقتحام. واقترب وحشي وسدد إليه طعنة نافذه قاتلة وقعت تحت درعه وخرجت من بين رجليه. ولما جذب حربته عاد إلى هند يزف إليها النبأ، ويرشدها إلى مكانه.. ثم تركها ورجع إلى المعسكر يقعد فيه. لم يكن له بغيره حاجة. ولم يشترك في القتال بعد قتله حمزة .
وأسدل الستار على المشهد الحزين .
وحزن النبي- عليه السلام- حين رأى عمه حمزة في منظر لم ير مثله قط، ودفن حمزة. وأمر النبي بدفن القتلي حيث لقوا مصارعهم. وانصرف المسلمون إلى المدينة تاركين وراءهم سبعين من القتلى .
وعاد وحشي إلى مكة وأصبح حرًا.. أعتقه سیده جبير. فانطلق وحشي يرمي قدميه في الطرقات، ويبحث له عن مكان يتنفس فيه هواء الحرية بعيدًا عن العبودية التي طالما ضاق بها، والتي قتل حمزة بن عبد المطلب لينجو منها، ولكنّ وحشيًّا لم يذهب إلى بلدة أخرى. ظل مقيمًا في مكة. والتقى بصديقه القديم الذي كان يحدثه فيما يفكر فيه .
قال صديقه :
أصبحت حرًّا يا وحشي.. ومثلي لا يزال كما هو. كما تراني لا زلت عبدًا .
قال وحشي وعيناه تتحركان حوله:
- قد دفعت ثمن هذه الحرية.. وهو مقتل حمزة .
قال العبد اليائس :- إنه ثمن لا يقدر عليه أحد.
ولكن.. لم لم تعد إلى بلدك؟
جلس وحشي وكان واقفًا قرب جدار وقال :
إلى بلدي أعود... وكيف سبيل العودة إليها؟
ضحك العبد، وكشف عن أسنان الغيظ ثم قال :
-ألا تعرف كيف السبيل؟
- لا.. لا أعرف.. إلى أين أذهب..
-وفيم كان قتلك.. وذهابك إلي الحرب؟
- لا أدري.. فقد قتلت وحصلت على حريتي..
-أنت بين قريش حر كالعبد..
-كمن حصل على ما يريد. ثمبعد ذلك لا يعرف ماذا يفعل به؟.
نظر إليه العبد دهشًا، وانصرف عنه أكثر دهشة. والتصق وحشي بالجدار كأنه لا يجد ما يفعل غير هذا الجلوس الممل. وتحرك الزمن وهو لا يكاد يتحرك إلا من مكان لآخر، غير أنه لم يغادر مكة.
وربما فوجئ وحشي بالخبر الذي طار إليه وهو أن جيش المسلمين قادم لفتح مكة. وخاف على نفسه من القتل، فهرب من بطاح مكة كلها لاذ بالصحراء الممتدة. تاه في الفلاة. ذاب فوق رمال كأمواج البحر، واحترق تحت نار الشمس .لو امتدت يد المسلمين لقتلته .
أين هي الحرية وهو طريد؟ كسر قيد العبودية التي كانت في دار سيده جبير، ووضع قيد الخوف حول عنقه.. وأشرقت شمس الإسلام على أرض العرب، بزغ نورها في كل مكان. ووحشي يجر قدميه هربًا وهلعً، وهو يسمع صوتًا يدوي في الفضاء :
- لا مقام لك هنا ولا هناك ..أنت قاتل حمزة ..
ووقع وحشي في حفرة الندم يغرف، كان متشوقًا إلى الحرية. فهل هو الآن حر؟ إنه طريد الخوف. وإنه أسير العذاب. إذا عرف الحازم كيف يتوخى أهدافه ويسددها، فلا ريب في بلوعه كل ما يتمناه.. تعجل شيئًا بلا روية وبلا تفكير صائب، بل وبلا عقل وحزم. إنه جنى ثمارًا فجة. أليست العبرة بالخواتيم؟ ما هو حر فيما يظن ولكنه في الحقيقة عبد مكبل بأشد وأقسی أنواع العبودية، كان عبدًا لسيد من سادات قريش، لإنسان من البشر. أما الآن فهو عبد لشيء موجود في داخله، لا يفارقه لحظة، وهو الخوف ..
وكأنما شعر بالسخرية من نفسه فراح يكيل لها بأقوال لا نهاية لها وكأنه لم يرتكب ذنبًا، وإنما الذي ارتكب الذنب هو شخص آخر اسمه النفس.
وأفاق على الخبر اليقين. انتصر المسلمون في حنين. وأذعن أهل الطائف لمحمد والمسلمين. والإسلام ينتشر في الأرض. وإنه دائم الجري مطرود، مفزوع، وإنه لا يطمئن إلى ظله، ولا ينام. وإن أغلق عينيه أيقظته الأحلام كأنها الأفاعي تزحف على صدره .
وهكذا استولت عليه الأفكار الجامحة بالخوف. حتى دفعته إلى العدو في طريق لا ينتهي إلى الأمان.
وصار ظلًّا لجسم إنسان، ومن شدة النحول. كان خوفه لا يعدله إلا جهله. لا يوجد مكان يأويه. لاريب أن وحشيًّا كاشف نفسه بالذنبواتهمها، وانقسم على نفسه، فتضاعف عذابه.
لا فائدة من أن يفر من محكمة الذات. أنى له الفرار؟ وخطر له أن يسأل أصحاب الرأي عساه أن يجد حلًّا لمسألته وحدّث شخصًّا بتفصيل ما يجري له. فهو يهرب من نفسه إلى نفسه، وتوشك يد المسلمين أن تمسك به. فقال له الشخص :
-أدلك علي طريق الخلاص.
لمعت عينا وحشي كما لمعت من قبل حين حدثه سيده جبير عن الحرية وقال بلهفة :
-أي طريق.. حدثني.. أنقذني ارجوك.
قال الشخص بلسان المنقذ الوحيد:- إن محمدًا لا يقتل رجلًا جاءه مسلمًا.
وسكت الشخص برهة ثم استطرد :
-هذا هو سبيل الخلاص.. اذهب إلى محمد وأعلن إسلامك.
لم يكد وحشي يسمع ذلك حتى أحس أنه يسلك الطريق الصحيح.
وغمر وجهه نور جديد. ونهض من أمام الشخص يسأل عن مكان النبي عليه السلام. أخيرًا اهتدى إلى بر الاطمئنان. سيصبح حرًّا بمعنى آخر لم يسبق له أن فهمه. ودخل المدينة يعلن إسلامه. وعصم الله دمه بالإسلام رغم أنه قاتل حمزة بن عبد المطلب.
وأمره الرسول عليه السلام أن يحدثه كيف قتل عمه حمزة. وحدثه وحشي بلسان الندم والألم. وعفا عنه النبي كما عفا عن هند حين أسلمت. وقد مثلت بعمه، بل هي التي حرضت وحشيًّا على قتله، هي وجبير سيده، لكن النبي قال له: «غيّب وجهك عني» ومنذ ذلك الوقت، لا يرى وحشي النبي في طريق، إلا تنكب طريقه واجتنب لقاءه.
-إلى اللقاء في العدد القادم-