; المجتمع الثقافي (1903) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1903)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 22-مايو-2010

مشاهدات 59

نشر في العدد 1903

نشر في الصفحة 46

السبت 22-مايو-2010

قصة قصيرة

القانع

بسام الطعان

كصخرة كبيرة سقطت وتدحرجت على الأرض بلا مبالاة، سقط عليك السؤال المخيف يا »قانع».

لم تعد تجرؤ على الاقتراب من القطعان البشرية التي غالبًا ما تقيدك في عمقك، ثم تجعلك هائمًا بواد ليس فيه زرع أو ضرع يا «قانع

 هل وجودك على الأرض يشكل إدانة لهذه القطعان أم لذاتك؟

ما سمعته كان غريبًا فاجأك، لقد صرت قصة تتلى في الصباح والمساء، فوق الأرصفة وأمام الأبواب، وكأن لا حكاية في العالم إلا حكايتك.

من داخل منتجع الذات التي تمتلئ بالتوهان، قلت لنفسك في ليلة شبه ميتة: »سأرحل إلى مكان لم يوطأ من قبل، ولم يحلق فيه طير، فهذه الأرض ليست جديرة بي أو لست جديرًا بها».

تذكرت أمك النائمة في حجرتها ، فدخلت في حروب ضارية مع نفسك، آه يا »قانع«تقلبت في فراشك تقلب المحتضر على سرير الموت، أنفاسك تصاعدت متقطعة، وخفقات قلبك الواهن تصارعت، شعرت بصداع قوي داخل رأسك، حاولت أن تغمض عينيك وتستسلم لسلطان النوم، لكن خلوقًا غريبًا على شكل سؤال جثم فوق صدرك وبدأ يمتص بلذة وعلى مهل أوردة دمك، كنت بأمس الحاجة إلى النوم، ولكن كيف يأتيك النوم وقد تجرعت سؤالًا علقميًا في كأس صدئة لو وجه إلى جبل لتصدع وانهار.

ابن من أنت يا «قانع»؟

سؤال أعاد الروح إلى ذاكرتك بعد أن كانت مدفونة بين أنقاض أيامك وجعلك تنفض عنها غبار النسيان، حاولت الدخول في السنين المنسية، بحثت في أراجيح الطفولة، لعلك تتذكر شيئًا منها، لكنها سرعان ما انهارت وألقت بك في بركة مليئة بتماسيح شرسة، حاولت قطف زهور الذكريات لتطرد بعبيرها الرائحة العفنة التي تبعثها أشباح ذاكرتك المفجوعة، لكن السؤال ظل يكسو رأسك.

ابن من أنت يا «قانع»؟

سؤال مخيف زمجر كآلة ميكانيكية صنعت في العصور القديمة في أذنيك سؤال،  لم تعد تريد سماعه، تكرهه كما تكره العالم الذي أنت فيه، إنه حبل من مسد يلف جسدك النحيل، وينحت كهفا بلون الدم في سراديب قلبك، دخل ألم مفاجئ في تجاويف رأسك، فضغطت عليه براحتي كفيك، ولكن ما دخل رأسك، هو الآخر يئن لحاله ويبحث عن متنفس يرمي من خلاله كوامن بركانه.

من خوابي الظلام رحت تتجول في ردهات الذاكرة من جديد، أرسلت نظراتك إلى الماضي القريب والبعيد، بحثت عن رسم لرجل حملك، مسّد شعرك، قبلك، داعبك قدم لك قطعة حلوى، لكنك لم تر غير رسم لشيطان يقف في الزاوية المقابلة ويقهقه ساخرًا .

اجتاحتك رعشة هزتك هزًا، أيقظت أوصالك، وعلقتك من قدميك ويديك بسنانير الصحو نهضت من سرير الاحتضار، مسحت حبات العرق المتناثرة على جبينك المشتعل، لملمت شظاياك وما رافقها من أهوال، زرعت في غابات الكلام أشجارًا لاتثمر إلا المرارة، دخلت إلى حجرة أمك الباردة، المدماة بويلات الأنين، وقفت بالقرب من فراشها وأنت مختنق بالنشيج.. أمي... أمي.. هل أنا .. ابن من .. هاجمك وابل من الوساوس فتراجعت بصمت، لم تدر لماذا يا «قانع»، بقيت مكانك هامدًا جامدًا كالتمثال، اقتربت منها مرة أخرى وفي عينيك تمور ملايين الأسئلة، رأيت الاصفرار باديًا على وجهها المليء بالتجاعيد، جلست بقربها، مسدت شعرها الأبيض بحنان، أمسكت يدها، قبلتها ولونتها بالدموع، نظرت إليها بعينين جاحظتين رأتا كل أنواع الهموم ثم أطبقت جفنيك وذهبت في رحلة بدايتها لهيب ونهايتها تعذيب:«كم جرحًا سأنزف يا أمي .. يا أعز الناس.. كم منفى سألقى قبل أن ينفجر هذا القلب ؟«.

فتحت عينيها ببطء، نظرت إليك بأسى، وأحست بما يجول في خاطرك، مسحت دموعك وأنت تحاول التراجع، لكنها نادتك بحنان لا يوصف، وأجهشت ببكاء مصحوب بتوجعات آلامها، اقتربت منها وأنت تحس بأن ثمة عالمًا مجهولًا بانتظارك، جلست إلى جانبها ، فشدتك إلى صدرها وضمتك بحرارة لم تعهدها من قبل، ارتميت في حضنها رمية اليتيم وانفجر السؤال:  

ابن من أنا يا أمي؟

دون مقدمات ردت:

لا أعرف ابن من أنت يا ولدي وأنا لست أمك .

ثم أضافت وهي تمسح دموعها بيديها المتعبتين من كد وتعب الليالي والسنين:

 من زمااااااان يا ولدي، وفي ليلة ماطرة وباردة، كنت أنا وزوجي نتدفأ بنار المدفأة ونحلم بأشياء كثيرة، وفجأة سمعنا دقات قوية، وما أن فتح زوجي الباب حتى وقف في مكانه مذهولًا لدقائق ولم يعد يعرف ماذا يفعل، وحين سمعت صراخ طفل رضيع تهت بين الفروض والاحتمالات، ثم هرعت نحو الباب، ولكن يا للعجب ويا للهول، رأيت رضيعًا وملفوفًا بقماط مبلل ولا يكف عن البكاء، فما كان مني إلا أن حملته بسرعة وجئت به نحو المدفأة، أما زوجي الذي رحل عني وعنك بعد ثلاث سنوات فبقي خارجًا تحت المطر وهو يطوف حول البيت لعله يرى أحدًا، ومنذ تلك الليلة وهذا الرضيع صار ابني، وقد أطلقت عليه اسم «قانع»، وقلت في نفسي: زوجي قانع بما كتبه الله له وأنا أيضًا، وهذا المسكين أيضا لا بد أنه سيكون قانعًا بمصيره، ولا أخفي عليك أننا كنا فرحين جدًا بك، صحيح أن الله القادر على كل شيء لم يرزقنا بأطفال، إلا أن الله الكريم أسعدنا بك وأزال عنا الكثير من الهموم، فلا تحزن يا ولدي ولا تلتفت لكلام الناس.

تنزلت الكلمات ويلًا من نار جرفت مسامعك كدت تهرب لمغاور وصحارى الجنون، غير أنك تمالكت زمام نفسك وقبعت في صومعة السكون، وقبل أن تنهض من حضنها وترجع أدراجك إلى الوراء، ارتجفت أمك، تأوهت وزفت نظراتها للأفق البعيد يا »قانع

واحة الشعر

 أيام وأيام

 شعر: صالح محمد جرار

 إني لأندب أيامًا أفديها                                   بكل غال، فقد كان الرضا فيها !

 أيام كانت لنا الآمال ضاحكة                          ونسأل الله أن نجني زواكيها!

  أيام كانت رياض الولد ناضرة                         تسقى الغيوث وعين الله تحميها !

أيام كان لنا طفل نداعبه                                فتنتشي الروح إذ كانوا أمانيها !

                                                *****

يا ما أحيلى عهودًا بالشذا عبقت                      من روض أطفالنا والحب حاديها!

تلك الطفولة أنستنا مكارهنا                             وغرد البشر إذ غنت أغانيها!

فهي الطفولة أطيار لنا عرفت                          أحلى الأناشيد صنع الله باريها !

من جنة الخلد قد جاءت لتنقذنا                     من ظلمة الغم إذ عمت دواجيها !

كنتم لنا حلمًا ما كان أجمله                              كنتم لأدوائنا طباً يداويها !

                                                *****

مضى زمان تذوقنا حلاوته                                 أجمل به فهو في الأيام زاكيها !

حتى تبدل ما كنا نؤمله                                       يا ويح أيامنا هبت سوافيها!

 وكان ماكان من غم ومن كدر                          هل تسمعن في رياض الدار شاديها ؟                                                            

  قد غيب البلبل الصداع عن فنن                   فهل تراه على الأفنان حاديها ؟

                                                 *****

قد كنت إسلام، روح البيت تورده                    عذب الحياة وقد طابت سواقيها ! لكن بأسرك أبدلنا بكوثرنا                               ملحًا أجاجًا فما في الدار ساقيها

قد كنت، إسلام، غيث الخير يمطرنا               بكل ما يهب الأخلاق تنزيها

قد كنت إسلام، نور الحق مؤتلقًا                    يهدي الصراط وأهدافًا نرجيها

يا حبذا العيش، يا إسلام، يجمعنا                      رب رحيم وذي الآلام ينهيها

                                               *****

يا رحمة الله جودينا بهاتنة                             تحيي الربوع فقد جفت مغانيها

سبحان ربي فقد أبقى لنا أرجًا                               من ولدنا فأعد رباه عانيها  

كيما تعود إلى روضي بلابله                                 فنسمع الشدو في شكر لباريها

الشعر العربي

ثري بروائع الشواهد

لم تخل خطب البلغاء قديمًا من شوارد الشواهد وما من عربي إلا وقد حفظ من الأشعار ما يكفي لغذاء الحس الأدبي

الشعر العربي الأصيل المنشود هو الذي يسمو بالأدب والأخلاق ويمجد الله ويشحذ الهمم في لحظات الانكسار

رافع بن علي الشهري

الأمة العربية أمة شاعرة، تتذوق الشعر وتأنس به، وتطرب له أيما طرب يقول امرؤ القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

             بسقط اللوى بين الدخول فحومل

كأني غداة البين يوم تحملوا  

         لدى سمرات الحي ناقف حظل

ويقول جرير:

 إن العيون التي في طرفها حور

       قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصر عن ذا اللب حتى لا حراك له

           وهن أضعف خلق الله إنسانا

 وبه تشحذ الهمم في ساحات الوغى،  يقول عنترة:

 لعمرك إن المجد والفخر والعلا

             ونيل الأماني وارتفاع المراتب

لمن يلتقي أبطالها وسراتها

         بقلب صبور عند وقع المصائب

ويبني بحد السيف مجدًا مشيدًا  

            على فلك العلياء فوق الكواكب  

الشعر هو الحكمة التي تصوغها عقول الشعراء، فتنثرها بين الناس، فتتلقفها ألسنتهم وأفئدتهم حتى تسير بها الركبان.

يقول زهير :

 ومن هاب أسباب المنايا ينلنه

             ولو رام أسباب السماء بسلم

ويقول طرفة بن العبد:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا   

                          ويأتيك بالأخبار من لم تزود

  صور رائعة ترسمها ريشة الشاعر في المدح والإعجاب والثناء، يقول شوقي في مدح أفضل الخلقﷺ:

 محمد صفوة الباري ورحمته

           وبغية الله من خلق ومن نسم

 سناؤه وسناء الشمس طالعة

                فالجرم في فلك والضوء في علم

ويقول المتنبي:

 ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملك

                  ملء الزمان وملء السهل والجبل

خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به

        في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل

 ديوان العرب

لم يترك الشعر في ديوان العرب شاردة ولا واردة إلا وطاف بها ولا بحرًا من بحوره إلا ومخر عبابه، ما ترك نسمة إلا وتلقفها وشمها كشم الورود، ولا طيفًا هائمًا إلا وخطف منه خطفة، أبدع في الوعظ والرثاء والهجاء.

يقول أبو العتاهية:

 عجبًا كيف يعصي الإله  

         أم كيف يجحده الجاحد ؟!

 وفي كل شيء له آية

        تدل على أنه واحد

ويقول أبو نواس بعد أن استقام واستقام شعره في آخر حياته أبياتًا تكتب بماء الذهب، وقد قيل: إن أحد الصالحين رآه في المنام بعد أن توفي، فسأله ما فعل به ربه؟ فقال له: غفر لي ربي بتلك الأبيات التي هي:

تأمل في نبات الأرض وانظر

           إلى آثار ما صنع المليك

عيون من لجين شاخصات

          بأحداق هي الذهب السبيك

على قضب الزبرجد شاهدات

            بأن الله ليس له شريك

وتقول الخنساء في رثاء أخيها :

يذكرني طلوع الشمس صخرًا

               وأذكره لكل غروب شمس

ولولا كثرة الباكين حولي

        على إخوانهم لقتلت نفسي

ويقول أبو الحسن الأنباري في رثاء الوزير ابن بقية الذي قتله عضد الدولة:

علو في الحياة وفي الممات

            لحق أنت إحدى المعجزات

 كأن الناس حولك حين قاموا

          وفود نداك أيام الصلات

مددت يديك نحوهم احتفًاء

         كمدهما إليهم بالهبات

ويذكر أن عضد الدولة الذي صلبه، قال حين سمع تلك القصيدة: تمنيت أني مكانه وأنها قد قيلت في.

وقال جرير في هجاء الفرزدق:

 فغض الطرف أنك من نمير

              فلا كعبًا بلغت ولا كلابا

ويعد هذا البيت أهجى بيت قالته العرب !!

وقال الفرزدق في جرير بعد فخره بنسبه وآبائه:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم

         إذا جمعتنا يا جرير المجامع

هذا هو شعر العرب الذي يحاكي الفطر ويمتزج بالمشاعر، فيحلق بها في عالم البلاغة والأدب.

لقد أثرى الشعر العربي وعلى امتداد العصور والأزمان الساحات الأدبية، وأصبح ما يمتلكه الخلف من الثراء الشعري أكثر مما كان يمتلكه السلف .. ولكن هل رعوه حق رعايته كما فعل الأولون؟

حيث كانت لا تخلو خطب وأحاديث البلغاء والفصحاء قديمًا من شوارد الشواهد، وما من عربي رجلًا كان أو امرأة إلا وقد حفظ من أشعار العرب ما يكفي لغذاء الحس الأدبي، لا الحس الروحي الذي لا يغذيه إلا كتاب الله عز وجل.

رسول الله والشعر

كان الرسول ﷺ يستشهد بقول طرفة بن العبد :

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا

                 ويأتيك بالأخبار من لم تزود  

فكان يقول: »ويأتيك من لم تزود بالأخبار»، فيرده الصدّيق أبو بكر فيعدل البيت كما قيل  !

وكانت أم المؤمنين الأديبة الفقهية الحافظة عائشة تسمعه أشعار العرب وأخبارهم التي قد لا يحفظها إلا عبقري حاذق لعمق مرادفاتها وقوة بيانها، وحديث أم زرع الذي حكته للنبي ﷺ وهو يصغي إليه باهتمام لدليل على ذلك كما في الصحيحين. وقد سأل عليه الصلاة والسلام أحد أصحابه عن شعر أمية بن أبي الصلت وطلب منه أن يسمعه شيئا منه، فأنشده بضع أبيات وهو يقول له: «هيه، أي زد»، وهكذا حتى أكمل مائة بيت، فقال: «شاعر استسلم شعره«،وفي رواية: «وإن لم يسلم قلبه!».

وقال عليه الصلاة والسلام: «أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد : ألا ماخلا الله باطل» وكان يقول: «إن من الشعر حكمة»، وقال: «إن من البيان لسحرًا »، وقال لحسان: «اهج قريشًا ، فإنه أشد عليهم من رشق النبل»، ثم ذكره بأن له فيهم نسبًا، فقال حسان: يا رسول الله، قد خلص لي نسبك فوالذي بعثك بالحق لأسلنك منها كما تسل الشعرة من العجين.. فقال عليه الصلاة والسلام لعائشة : «لقد هجاهم حسان فشفى وأشفى» كما في مسلم.

وقد أقيم لحسان منبر في المسجد يعتليه ليشنف الآذان ببديع قوله، بحضور أشرف الخلق وأجلهم نبينا محمدﷺ.

من هو الشاعر ؟

والشاعر عند العرب هو الذي يمتطي صهوة جواد شعره متى شاء، كما فعل حسان ابن ثابت حين طلب منه هجاء قريش، أو عندما فاخر وفد تميم بقوله:

إن الذوائب من فهر وإخوتهم

           قد بينوا سننًا للناس تتبع

إن كان في الناس سباقون بعدهم

         فكل سبق لأدنى سبقهم تبع

والأمثلة على شعر العرب غير المعدودين في أهل الشعر كثيرة، ومن ذلك لأمية «أبي طالب بن عبد المطلب« عم رسول الله ﷺ، وقصيدة مالك بن الريب حين حضرته الوفاة أو المقنع الكندي الذي قال :

يعاتبني في الدين قومي وإنما

          ديوني في أشياء تكسبهم حمدا

    وغيرهم من العرب الذين قد يرتجل

 أحدهم بيتاً أو بيتين كما فعل ذلك الأعرابي الذي نظر إلى زوجته فرآها تتجمل وهي عجوز، فقال ساخرًا :

عجوز ترجى أن تكون فتية

          وقد لحب الجنبان واحد ودب الظهر

تدس إلى العطار سلعة أهلها

       وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟!

وقد يعمد العربي إلى إنشاء قصيدة يعد لها العدة بحكم معرفته بفنون الشعر وأصوله وبحوره، وإن افتقر إلى الملكة الشعرية بخيالها الواسع وأفقها العريض، كما نلمسه في شعر بعض الأكاديميين المعاصرين والمشتغلين بالدراسات الأدبية والنقد والبلاغة، والذين سرعان ما يكتشف أمرهم بمجرد قراءة قصيدتهم !!

الشعر الأصيل والدخيل

ولكن كل ذلك يهون ويسهل، طالما أننا في فلك الشعر العربي الأصيل، سواء ارتقت القصيدة أو ضعفت! فالتفاوت النسبي بين القصائد والشعراء أمر لا جدال فيه.

ولكن المأساة التي أدخلت على أدبنا العربي - والشعر منه خاصة  - هي ما دلف إلينا من الغرب، عبر المستغربين و الحداثيين من أبناء جلدتنا، الذين يتصدر الكثير منهم  منابر إعلامية مرموقة.

بيد أن كل ما أحدثوه من بلابل ونزاعات لم يوجد لهم أية قاعدة جماهيرية تؤيدهم، بل من نحا نحوهم - وهم قلة قليلة - بدأت تتساقط في الوحل أمام شموخ الأصالة السامق.

کناطـح صـخـرةً يــومًـا ليوهنها  

           فلم يضرها وأوهـى قـرنـه الوعل

 لأن مشروعهم العليل قد بني على أفكار

»بوديير» وأستاذه «إدجار» الذي كان يقول: »يجب أن يكون الأدب كاشفًا عن الجمال ولا علاقة له بالحق والأخلاق

كما أراد القضاء على الثوابت والمثل، يقول »أدونيس» في كتابه «الثابت والمتحول»: مبدأ الحداثة هو الصراع بين النظام القائم على السلفية، والرغبة في تغيير هذا النظام.

طبعًا، لم يهتم أحد بشيء من طلاسم الحداثة! هل سمعتم أحدا استشهد بقول الشاعر الحداثي: »لبس النهر سرواله واتكأ على أمعائه«؟!! أو قوله : « وللنهر بيض يفقس بعد المساء الأخير».

 إن الشعر العربي الأصيل الذي نسعى له ونحبه ونتذوقه، هو ذلك الشعر الذي يسمو بالأدب والأخلاق ويمجد الله، ويشحذ الهمم في لحظات الانكسار، ويطرب النفس حين تتوق للطرب العفيف النقي، إنه الذي غصت به كتب الأدب العربي العريق، إنه الذي يهززك عند سماعه  :

إذا الشعر لم يهززك عند سماعه

    فليس حري أن يقال له شعر إنه شعر شوارد الشواهد !!

 

 

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

183

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

129

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم