العنوان قصة قصيرة.. القطار
الكاتب زكريا التوابتي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يوليو-1994
مشاهدات 86
نشر في العدد 1107
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 12-يوليو-1994
مد سالم يده وأمسك بذراع عزيز واتجه به نحو الباب، ثم أغلقه وراءه وعاد إلى جوار عبد الرحيم الذي تمتم هامسًا ماذا؟ ماذا لو تركتني معه قليلًا من الوقت؟
اضطرب سالم، وعكست نظراته رجاءه في أن يتلطف عبد الرحيم بصديقه القديم، ولكنه غمغم مؤكدًا في محنته ألح على مجيئك إليه، فلا تخذله لعله كان يريد أن يقول لك شيئًا لا نعرفه، لكنه مع الأسف فقد النطق قبل وصولنا إليه كما ترى.
خرج سالم من الغرفة وأغلق بابها خلفه، وعاد عبد الرحيم يتطلع إلى صديقه القديم، وامتلأت عينا المريض بالدموع سريعًا، وأدرك عبد الرحيم أنها ستحجب عنه الرؤية، فمد يده وجفف دموعه بمنديل ورقي، ثم وقف ووجه إليه حديثه قائلًا، لم يعد أمامك أكثر مما مضى.
خرج عن الصديق القديم صوت أنين بدا أنه حريص على ألا يبلغ أذان الآخرين، وعاد عبد الرحيم يقول: لم الأنين؟ ما جئت لأحاكمك فليست تلك مهمتي، فقط جئت لأقول لك: لقد سقطت الرايات الحمراء، سقط القهر والإلحاد.
خفت أنين المريض، ولكن جانبًا من شفتيه كان يرتعش بحركة لا إرادية، وواصل عبد الرحيم كلامه قال: أين الخطأ وأين الصواب الآن؟ وغدًا ستسقط الرايات الأخرى الكافرة، الرايات الزرقاء، لقد بدأ القدر عمله، أنا على يقين مما أقول.
كانت العينان تتحركان، يغلقهما ويفتحهما المريض في تتابع، بينما كان عبد الرحيم يردد: ركبت أنا القطار الذي كنت تركبه أنت من قبل أن تكون لك سيارة، لأقول لك ذلك، وعينا صديقه القديم معلقة بشفتيه كان يقول: علموك حتى أتقنت الحرفة، وصرت اسمًا يقرأ، لكن مع الأسف والأسى كان همك الأكبر تصوير لحظات العشق المدنس الشبق، الـ... أستحي أن أسمي الأشياء بأسمائها، فلست مثلك.
توقف عبد الرحيم عن الكلام متفكرًا ثم واصل قائلًا: هل كان ذلك مجرد حرفة أم كانت هواية وغواية، ولذة يتلذذ بها القلم الذي نكتب به هذا الجماد؟ لا، بل صارت هي حياتك، لا شيء غير عالم سفلي تتفنن في نسجه وتلوينه ما الغاية؟
كان نصف الوجه يختلج بإرادة تنبئ عن أحزان الصديق القديم، والنصف الآخر يرتعش مرغمًا، والعينان تعكسان ذلك الحزن وتابع عبد الرحيم قائلًا: حرية الإبداع أليس كذلك؟ التعبير عن الشبق والعشق وكل ألوان الدعارة تقدمية وحرية، قمة إبداعية خلق، أما الجانب الآخر لا هذا تخلف ورجعية أسماء سميتموها، أسماء للأسف غير مفهومة بل لا معنى لها.
صمت عبد الرحيم، وأخذ يتحرك جيئةً وذهابًا، متأملًا موضع قدميه، وقد استسلم للتفكير، هل يحدثه عن إساءته وما ناله منه؟
لا لا لقد صار الأمر أكبر من قضية فرد، صار قضية تشكيل عقل جيل بأكمله، نعم ليس من حق أحد باسم الحرية أن يهدر الألوهية والنبوة، وأن يجعل السيادة لقيم الشيطان في حركة الحياة وسلوك الإنسان.
عاد ينظر إلى وجه الصديق القديم، وتجنب النظر إلى عينيه تلك المرة، وقد أحس رعبه وفزعه، لكنه تمتم بصوت خفيض، أليس هذا ما أردتم أنت ومجموع الرفاق؟
انحنى عبد الرحيم فجأة، ثم أمعن النظر في عينيه هذه المرة، وقال هل ترضى للجميلة «لينا» أن تكون كالآتي تمجد فجورهن في كتاباتك، ولا تتورع عن كشف عوراتهن؟ ورمسيس هل ترضى أن يكون نموذجًا ممن تتعاطف مع فسقهم وضلالهم؟ أنا لا أرضى، إنهما من أبنائي.
كان الإنكار واضحًا في عيني الصديق القديم، وازدادت حركة الجسد المعطل، ثم امتلأتا بالدموع، وبدأ يصدر عنه نشيج البكاء، انتصبت قامة عبد الرحيم، وبدا له أن الجسد المشلول يريد أن يحطم دائرة العجز، تأمله لحظات، ثم قال: تحرفون معنى الحرية وتشوهون غاياتها، ما الذي يبقى للناس من إبداعك ومنهم ولدك وابنتك، لا شيء غير البراعة في تصوير الفاحشة والتلذذ بها، وتحطيم فطرة الحياء في النفوس، لقد كنت داعرًا فاسقًا في كل شيء. وبدأ النشيج يتحول إلى همهمة غاضبة، وقال عبد الرحيم: لن تستطيع أن تجيب، لكنني أعرف إجابتك، أنت الآن لا قدرة لك على أن تخط حرفًا، سلبهما منك الذي منحهما لك من قبل فلم تؤد الأمانة، ولم تحسن العمل، ثم كانت الفاجعة، انهارت تلك الراية الحمراء وأصابها العدم والفناء، أنتما معًا الآن.
صمت وكأنه يستريح من عناء البدن والروح، كان يشعر أن لديه الكثير ليقال، الكثير بطول الحياة وعرضها، منذ أن التقيا لأول مرة حتى اللحظة الحاضرة، وهتف عبد الرحيم في غضب: اذهب إليه وانظر ماذا ستقول له سبحانه؟ وسيقول لك: اقرأ كتابك.
كان الأنين يتصاعد، واليد الحرة تحاول التشبث بالملاءة التي تغطي جسده المسجى، تأمله عبد الرحيم ورأى الفزع يتصاعد من عينيه، وقال في قسوة: هل تتذكر يوم سخرت من عالم الغيب وأنكرته؟ سألتني يومها مرددًا: هل تصدق بوجود هذه العوالم؟ ترى ما رأيك الآن؟ هل هذه العوالم حقيقة أم خرافة؟
أدار عبد الرحيم وجهه وغمغم مستعيذًا: غفرانك ربي، أعوذ بك من همزات الشياطين.
كان الجسد المشلول يجاهد في سبيل الحركة، عساه يزيح تلك الأثقال الضاغطة والأنين يتضاعف، يريد الصوت أن يحطم حاجز الصمت، لتنطلق كلمات حبيسة، إلى حد ما استجاب الجسد، وتضاعفت حركته الثائرة، وانطلق الصوت فجأة، لكنه كان عويلًا وصراخًا، وانفتح بابان على الغرفة، أحدهما اندفع منه عزيز يتبعه سالم، وولجت الزوجة الغرفة من الباب الآخر، وانحنت تحاول تهدئة زوجها. أبعدها عزيز عنه، وأمسك بكتفي المريض عسى أن تهدأ ثورته العاجزة.
رآها عبد الرحيم وقد غطت شعرها، وأخفت جيوبها وتسربلت برداء طويل فضفاض، وهتف عزيز في غضب، اخرج، اخرج من هذا المكان.
كان سالم ممتقع الوقع حائرًا، بينما بدا عبد الرحيم وكأنه لم يسمع شيئًا، وسيل من الدموع يسح من عينيه سحًا، وعاد صياح عزيز غاضبًا يأمره بالخروج، ثم اتجه نحوه محاولًا دفعه بيده، لكن سالم حال بينه وبين عبد الرحيم، وقد بقي كما كان واقفًا منتصب القامة، وما زال نهر الدموع يجري، وكان في وسط هذه الدوامة، يسأل نفسه هل كان ظاهر التحامل بين الضغينة؟ هل كان يثار لنفسه؟
أخذ يفكر فيما طرحه على نفسه من تساؤل، وقد شعر بقلق قلبه خاصة وعقله يدينه، اضطرب أمام نفسه، وأخذ يتلمس لها الحجج والأعذار، نعم هو لم يكن يكره هؤلاء الناس لذواتهم، ولكن لمسلكهم في الحياة، وكثيرًا ما كان يحن لرؤية أصدقاء الماضي بعد خروجه من غيابة السجن، لكن التزامه وصدقه مع ربه كان سلوكًا وإيمانًا لا يستجيبان لأية حيلة، بل يستطيع الآن أن يقول بحق ودون خفاء، إن من أهم أسباب مجيئه مع سالم كانت رغبته في رؤية الصديق القديم، وليعلنه بسقوط الرمز الذي حمل رايته، ويبشره بسقوط الراية الأخرى عن قريب، ولن يبقى إلا ما ينفع الناس، ولكن من الذي يصدقه؟ هؤلاء الأصدقاء القدامى لن يستطيعوا استيعاب ما بنفسه من الآلام، ما تقادم منها وما جد الآن، فلا شك أنهم سيرون فيه ذلك الرجل الفظ الغليظ القلب الذي جاء؛ ليتشفى في صاحبه القديم.
انتبه عبد الرحيم على إثر حركة مفاجئة- رأى لينا ورمسيس وقد ولجا الغرفة وهما يصيحان، وأسرع عزيز وسالم ليحولا بينهما وبين أبيهما الذي سكنت حركته إلا من أنفاس بادية الثقل ما زالت تتردد في صدره، وخرج بهما بعيدًا عن أبيهما.
تفجرت عبرات عبد الرحيم مرة أخرى، وخرج عنه صوت لم يستطع حبسه، توقف والزوجة تهمس إليه، أيها السيد كان يحبك حتى كدت أغار منك، لكنني عفوًا كأنك أخي الأثير.
صمتت وهي تحاول مداراة رنة البكاء في صوتها، ثم واصلت قائلة، كان يدرك سوء موقفه منك وأنت في السجن، أخي هل عفوت؟
جلس عبد الرحيم لأول مرة منذ دخل الغرفة على مقعد قريب، وقال وأثر البكاء في صوته، ليست القضية الآن أنا، لكن القضية إلى أين نحن سائرون؟ خيانة الأجيال وتدمير بنيان الإنسان وروحه تلك هي المأساة.
ولكنها قالت: اسمح لي، ما زلت أريد الحديث عنك الآن على الأقل.
توقفت عن الحديث قليلًا، ثم عادت تقول: لقد كنت أرقبك من الحجرة الأخرى دون أن تشعر بي، وسمعت كل ما تفوهت به في هذه الغرفة، كانت تجربة قاسية لم ألق مثلها في حياتي، كان يتعذب وأنت توجه إليه حديثك، وهو سجين الجسد واللسان، عاجز عن الرد عليك، أمسكت نفسي حتى لا أصرخ، وكانت نفسي تتمزق حزنًا وألمًا، ألا ترى أنك كنت، كنت قاسيًا عليه؟
أخذ عبد الرحيم يفكر في كلماتها، وعاد يتساءل مرة أخرى بينه وبين نفسه: هل كان يثار لنفسه؟ قطعت عليه أفكاره وهي تردد في همس لا تبتئس، لقد أرضاني أن باطله سقط وطواه الفناء، لم يتمالك عبد الرحيم نفسه وغمغم دهشًا، أنت، أهي أنت التي تقول ذلك؟ قالت: نعم أنا، وهو يتكلم عنك كثيرًا، اطمأنت نفسي لما كنت تدعو إليه، لم يذهب جهدك عبثًا، أنت فقدته وكسبت زوجته، وغدًا لينا ورمسيس.
عاد عزيز وسالم إلى الغرفة، أحسا بتيار السكون والهدوء الذي يسود المكان، ولحظا آثار عبرات من دموعهما لا تزال آثارها في أعينهما، وهمس عزيز إلى أخته، الطبيب على وشك الوصول، تمتمت وهي تتطلع إليه في حزن، لم يعد به حاجة إليه.
وقال عبد الرحيم وقد وقف استعدادًا للعودة، ليس غير الولاء والبراء، هذه عقيدتي، لا تسيئوا بي الظن هل تصدقونني؟
بدت عباراته غامضة، وعكست نظرات عزيز وسالم حيرتهما، وحدها كانت تدرك أن مقصده وواصل عبد الرحيم كلامه موضحًا قال: نعم، الولاء لله سبحانه ونبذ الكفر والشرك. وقالت الزوجة وهي تنظر تجاه الزوج وقد طوته غيبوبة عميقة، لكن وحدي التي تصدقك، أنا أصدقك.
وقال عبد الرحيم: هل تسمحون لي بالانصراف؟
اتجه نحو باب الغرفة دون انتظار، وقبل أن يفيقوا كان وقع قدميه على من درجات السلم قد سبق حركتهم وراءه، لكن عبد الرحيم لم يلتفت إليهما، واقتربت الزوجة من زوجها وانحنت تتسمع حركة أنفاسه، وصوت حشرجة بدأت تصدر عنه بشكل ملحوظ، أدركت أن اللحظة التي ستفقده فيها إلى الأبد تقترب مسرعة، ولم يلبث حتى اختلج الجسد اختلاجة واحدة، وسكن كل شيء فيه، في اللحظة ذاتها كان عبد الرحيم وجهًا لوجه مع عدد من أصحابه القدامى عند الباب الخارجي بالطابق الأرضي، يتقدمهم طبيب يحمل حقيبته في يده، توقفوا جميعًا، لكنه تجاوزهم وتحرك خارجًا دون أن يفكر في مصافحة أي منهم.
احتواه الطريق وصوت الزوجة قد ارتفع معلنا رحيل الصديق القديم، توقف عبد الرحيم وقد تجمدت حركته، ثم واصل المسير دون أن يلتفت وراءه.
القطار مندفع لا يلوي على شيء ولا يحول دون حركته حائل، وتطلع عبد الرحيم إلى الأفق من خلال نافذة العربة، كان القطار كأنه يريد أن يلحق بالشمس قبل أن تغيب، وفي الوقت ذاته عساه أن يسبق الظلام، لكنه كان يعلم أن للظلمة دورتها ولابد أن تحتوي الكون، كذلك للنور دورته ولابد أن يغمر الكون.
عاد يتأمل الأفق الفسيح، رأى كأن السماء هناك تحتضن الأرض في حب وولاء، والشمس في الطرف الغربي ما زالت ترسل بأشعتها فياضة غامرة، والسماء صافية الضوء شامخة، والقطار قد بدأت حركته تهدأ وعبد الرحيم يتطلع من مكانه أين سيقف به القطار؟ كان يعلم أن محطة الوصول لابد آتية، ورغم إحساسه بالغربة والتوحد في هذه الحياة، كان سعيدًا بتميز الطريق الذي اختاره وملكته خطاه بلا تردد، فقد كان يظن أنه عاش حياته صادقًا.
تأمل الشمس وأشعتها الذهبية، وجال بعينيه يتأمل امتداداتها هنا وهناك، كان يرى كل شيء مضيئًا من حوله، ورغم إحساسه بحركة القطار وهي تبطئ، إلا أنه لم يقف بعد، وابتسم راضيًا، فقد كان يشعر بنفسه آمنة مطمئنة، ثم أخذ يهمس متغنيًا.. وأشرقت الأرض بنور ربها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل