العنوان قصة قصيرة- طفل من كوسوفا
الكاتب منى العمدة
تاريخ النشر السبت 29-مارس-2008
مشاهدات 62
نشر في العدد 1795
نشر في الصفحة 46
السبت 29-مارس-2008
خرجت مع طفلها تحت جنح الظلام، وحسب الموعد التقت بهم أخرجهم ما أخرجها تركوا مدينتهم المنكوبة، فرارًا بحياتهم وحياة أسرهم، وحفظًا لأعراضهم.
كانوا يمشون يحبسون أنفاسهم حتى لا يسمعهم جنود الصرب فيبطشون بهم يتلفتون حولهم في رعب وينظر بعضهم إلى بعض كأنما يستمدون القوة، ويواصلون السير وبين الفينة والفينة ينظرون إلى السماء ولا يتمتمون بالدعاء بل تسجد قلوبهم وتبتهل بالدعاء إلى الله أن يعمي عيون أعدائهم عنهم. بكي رضيعاها فجأة، فنظر الجميع إليها، يشيرون لها بإسكاته بأي طريقة حتى لا ينم صوته عنهم، وينبه الذئاب الجائعة التي تبحث عن فرائسها. وضعته على صدرها وأخذت ترضعه كي يسكت وتابعت سيرها، وآلاف من صور المجازر الرهيبة تمر في مخيلتها.
لن تنسى تلك المجزرة في المدرسة الابتدائية القريبة، فقد خرج الأطفال في الصباح الباكر إلى مدرستهم وفي رؤوسهم أحلام صغيرة، ودعهم أهلوهم عند الحافلة على أمل عودة قريبة ليجتمعوا على طعام الغداء كالعادة لكنهم في ذلك اليوم الأسود. لم يرجع منهم أحد، فقد دخلت عصابات القتل والإجرام إلى المدرسة وقاموا بذبح الأطفال ذبح الشياه بل قطعوا أطرافهم ورموها أمام المدرسة واجتمع الأهالي ظهرًا لينظروا بعيونهم إلى مأساة تشيب من هولها الولدان.
تنظر إلى طفلها وتلصقه بصدرها، وتمضي يدفعها الحزن والخوف إلى الاستمرار، بكي الطفل. النظر الجميع إليها وكل منهم ينظر بعينيه إلى شبح مذبحة يمكن أن تحدث لهم بسبب بكاء هذا الطفل وضعت يدها على فمه حتى لا يفضح صراخه هروبهم هذه الليلة، مروا في الغابة بمحاذاة نقطة تفتيش، وأخذوا يتسللون لواذًا لا يكاد أحدهم يسمع صوت أنفاسه لشدة الرعب، وكانوا ينظرون إليها محذرين لا يعرضنا طفلك لهذه العصابات المتعطشة للقتل والتعذيب، وكانت الأم تضغط على فم طفلها حتى لا يفضح صوته فرارهم في هذا الليل الكتيب وتغطيه ببطانية ثقيلة إمعانًا في محاولة إسكاته. المخاوف حولهم شتى فإن هم استطاعوا الهرب من جيش الصرب الذي نقد فظائع في مدينتهم المنكوبة تنسي مذابح دير ياسين، فهم إن سلموا من هذه ربما تعرضوا لضربات قوات حلف الناتو التي كانت كثيرًا ما تضرب قوافل الفارين من بطش الصرب تضربهم بطريق الخطأ طبعًا، بالرغم من أنهم كانوا يحملون رايات بيضاء.
أخيرًا انتهت رحلة الخوف هذه. وهاهم يصلون إلى مأمنهم ينظرون إلى بعضهم لا يقوون حتى على التبسم رفعت الأم يدها عن فم طفلها فليصرخ كما يشاء الآن، لكن الطفل لم يصرخ، نظرت إليه في رعب إنه لا يتحرك بل هو حتى لا يتنفس، لقد سكت الرضيع إلى الأبد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل