العنوان قضاة لا بل جناة ولكن ؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1995
مشاهدات 75
نشر في العدد 1179
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 12-ديسمبر-1995
هل تتصور أن يكون الخائن قاضيًا، والمذنب حكماء أو المجرم رئيسًا للمحكمة، ومقيمًا للعدالة، وحارسًا للأمن، وحاميًا للديار وإذا تصورت هذا، فهل لك أن تتصور على أية كيفية يكون قانون تلك المحكمة وبأية صيغة تكون العدالة وعلى أي أساس يكون الذنب ويصدر الحكم؟ وبأي حجم تكون العقوبة؟ لاَ بُدَّ أن يكون الإخلاص هو الذنب والشرف هو العقوبة والرجولة هي الجريمة، ولاَ بُدَّ أن يكون القانون هو الفساد ومواده هي الرذيلة، وعدالته هي الجناية والطغيان، ومهزلة الحكم فيه هي العسف والبغي والعدوان، ولك أن تتصور حجم المصيبة والكارثة التي يقع فيها المجتمع وتنحط إليها العدالة، ويصاب بها القانون.
ولك أن تتصور حجم الهول الذي يصيب الرجال المخلصين الشرفاء المبدعين إنه ولاَ شَكَّ كارثة بكل المقاييس، ونحن نستغرب هذا ونستهوله، وهو حقيقة في دنيانا، ونستبعد هذا ونستفظعه، وهو قريب منا ومحيط بنا، وإذا اردت أن ترى ذلك مجسمًا لتشعر به محققًا، فسل فاشلًا رأيه في إنسان ناجح، وسل منحرفًا عن إنسان مستقيم، ومدمنًا عن سوي، وسارقًا عن شرطي ومجرمًا عن قانون، وشيطانًا عن تقي، وقديمًا قال قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل:56) سل الباطل عن الحق، وسل الفساد عن الصلاح، والرذيلة عن الفضيلة، وانظر ماذا يكون الجواب، سيكون عكس الحقيقة، وضد العدل، ولهذا قال تعالى مبيناً هذه الحقيقة، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. (البقرة:13) وحينما يحكم الفساد في الصلاح يكون حكمه قاسيًا بمقدار الفساد ومتوحشًا بحجم الظلم والبغي قد يكون الطرد كما في حكم قوم لوط، وقد يكون القتل كما في حكم فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر:26).
وفي فترات انحطاط الأمم تخبو العدالة، ويتنادى الفساد، ويتجمع البغاة، ويأخذ بعضهم بحجز بعض لصد الحق، وسحق رجاله، والويل كل الويل لكل أمة تسمح لأعدائها أن يكونوا حماتها وولاتها، والويل كل الويل لكل فاسد جعل من القانون أداة عداء وخصام، وسلاح تلفيق وانتقام، ولقد شهدت منطقتنا العربية حريق المواهب، وقتل الطاقات والعزائم، وواد المصلحين بطرق شتى، وألوان المحاكمات مختلفة، وأساليب بشعة، حيث شياطين الفجر ينتزعون العناصر الفاعلة في الأمة، ويأخذون صفوتها إلى السجون والمعتقلات بعد أن يحيلوا بيته إلى مدينة مهزومة اقتحمها جيش من الغزاة، فيتعرضون بعدها إلى موجات من التعذيب الفاشية النازية العربية.. ثم اعترافات «مزورة» وتحقيقات «مطبوخة» متهافتة، في ظل قانون صوري يحمي الجلادين، ويحرم الضحية من حق الطعن في أي إجراء بربري استثنائية وعسكرية ظالمة، وأحكام فاجرة، يعقب ذلك تشريد الأسر، وجوع للأطفال والزوجات، وحرمان من المرتبات أو المعاشات ومنع الناس وتحذيرهم من مساعدة هؤلاء البؤساء الذين لا يجدون ما يسد الرمق، ويواري العورة، كل ذلك لأنهم رفضوا أن يبيعوا ضمائرهم ورجولتهم الشياطين مدحورة، وكلاب مسعورة، ثم نجد في هذه الأجواء الرعيدة عوالق وجرزان تافهة، ربت بمهارة على حرق البخور لكل مستبد وطاغية، ونثر الورود لكل سفاح وداهية، وتشويه صفحة الشرفاء وتلويث سمعة النجباء، واتهام الضحايا بالخيانة أو التآمر، أو معاداة مصالح الشعب... إلخ، كما تحض على محاكمة الصفوة والنخبة والمبدعين في محاكمات هزلية عسكرية واستثنائية، لتهافت الأدلة، ومتبوعة الاتهامات وسقوط الوقائع والدعاوى، قصدًا إلى أحكام مملاة، وعقوبات مرادة وكشوفات معدة، إرضاء الأحقاد سوداوية خبيثة، وخصومات سياسية ملوثة ولكن أي القضاة يقبل أن يكون ملهاة التمثيلية فجة وأداة لمؤامرة دنيئة، ومطية العابث غاشم ومخلب المخرب ظالم لاَ بُدَّ وأن يكون مسخًا عجيبًا، وسَخْطًا طلسميًا كريهًا، ودابة فظة، وشخصية عتلة جواظة.
يحكي الكاتب الصحفي الشهير مصطفى أمين عن قاض المحكمة عسكرية، حكمت على الكثير من العباقرة والعلماء والرواد والمخلصين بالإعدام مثل الشهيد سيد قطب ورفاقه، وعلى الألوف منهم بالأشغال الشاقة المؤبدة وغير المؤبدة، وهو الفريق محمد فؤاد الدجوى رئيس المحكمة العسكرية العليا زمن عبد الناصر، والتي أسماها التاريخ بمحاكم الغدر والخراب وقتل القيم والمواهب، ومضت تحاكم وتعذب بالقول والسب والإيذاء، وتخدش حياء المتهمين وكرامتهم، وترفض سماع قصص التعذيب، وأن يتحدث المحامون عنها كأنها أمر مقرر، ولا ينقصه إلا أن يوضع لها نص في القانون يحميها ويجعلها مشروعاً كما وضع نص الاعتقال والحراسة في قانون الحريات.
يقول مصطفى أمين ذهبت إلى أمريكا المهمة أرسلني إليها عبد الناصر، أحمل صور فظائع الحرب أثناء العدوان الثلاثي على مصر لأنشرها في الجرائد الأمريكية لأدافع عن مصر، فإذا بي أجد في كل تليفزيونات أمريكا فيلمًا يعرض للواء فؤاد الدجوى حاكم غزة، وقائدها الحربي وهو يستسلم للجيش الإسرائيلي في خنوع ومذلة وزلفى أمام ضابط إسرائيلي صغير، وظل يثني على إسرائيل وجيش إسرائيل شجاعة وقوة ورحمة وإنسانية، ومروعة، ويدلل على ذلك بأن اليهود أخذوا امرأته للعلاج في تل أبيب، فضرب خطتي في فضح إسرائيل في الصميم وثار المصريون في أمريكا لهذا القائد المهين الذي يمدح العدو رغم المآسي، وقتل الأسرى والجنود وارتكاب الفظائع، ولما رجعت إلى مصر ذكرت ذلك لعبد الناصر، فقال: علمت بذلك، وعند رجوعه سيحاكم ويضرب بالنار علنًا.
ورجع الدجوى إلى مصر بعد الأسر، وبدلًا من أن يضرب بالنار، يكافأ ويختار قاض للمحكمة العسكرية التي ستحاكم أشراف مصر ووطنيها، فهالني الأمر خصوصًا أن الدجوى كان يفتخر بجهلة، ويقول إنه لا يحمل شهادة الليسانس، وأنه لم يدرس الحقوق، ولا يعرف القانون، وكان من أقواله المأثورة:
- أن الحكم لك أو عليك يتوقف على رضا ولي الأمر.
- أنا لست قاضيًا وإنما أنا شرطي أحمي النظام.
- كانت تحال عليه القضايا التي ليس لها أدلة اتهام ولا شهود ليحكم فيها بالإعدام، أو الأشغال الشاقة، يقول فيه المشير عامر الدجوى لا يصلح إلا أن يكون جزارًا وغرضه إرضاؤنا.
ومن سخرية القدر أن مصطفى أمين اتهمه عبد الناصر بما كلفه به ليقطع رقبته وكانت محاكمته أمام الدجوى فصمت طول المحاكمة لأنه يعرف الحكم مسبقًا، ثم استأذن في آخر المحاكمة ليقول كلمة، فقال: "اختارني عبد الناصر لأدافع عن مصر وجيش مصر في أمريكا"، وقال سأكلفك بمهمة قد تموت فيها، وهي أن تركب طائرة في أثناء الضرب والعدوان، وتطير إلى أمريكا لتنشر صور الفظائع وتدافع عن مصر، وأثناء وجودي عرضت محطات التليفزيون الأمريكي فيلمًا عنك وأنت تستسلم لليهود وتشكرهم، ومن سخرية القدر أن يطلب الادعاء راسي لنفس المهمة الخطرة التي اختارني لها الرئيس، وأن تتولى سيادتك محاكمتي ولم يفتح الدجوى فما وأعلن انتهاء المحاكمة، وحكم علي وبعد... أرأيت شرف القضاء العسكري وعدالته ونزاهته أم لا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل