; «فكر» و«وعبَّر بحريٍة» عن الهولوكوست فكان مصيره السجن!.. قضية «أرفينج» تعري حرية الفكر والتعبير في الغرب | مجلة المجتمع

العنوان «فكر» و«وعبَّر بحريٍة» عن الهولوكوست فكان مصيره السجن!.. قضية «أرفينج» تعري حرية الفكر والتعبير في الغرب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 04-مارس-2006

مشاهدات 52

نشر في العدد 1691

نشر في الصفحة 29

السبت 04-مارس-2006

فضيحة كبرى انفجرت في النمسا الـ الأسبوع الماضي، حين أدانت محكمة نمساوية في العاصمة فيينا الكاتب والمؤرخ البريطاني ديفيد أرفينج بتهمة معاداة السامية هي المرة الأولى التي تتهم محكمة بهذا المستوى كاتبًا مؤرخا بتهمة مماثلة، وفي هذا الوقت تحديدًا بعد أن أعلن ديفيد أرفينج في العديد من المرات وعلى موقعه على الإنترنت عدم اعترافه أساسًا، بما يسمى بقضية الهولوكوست اليهودية أي المحرقة النازية التي أودت بحياة ٦ ملايين يهودي حسب ما يقوله الصهاينة. 

لعل الفضيحة تكمن أصلًا في الادعاء الغربي الذي جاء على شكل تضامن إعلامي مشترك بين العديد من الدول الاسكندنافية، والتي انضمت إليها بعض الدوريات الإعلامية من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبولونيا، ممن ساندوا بشكل مباشر حرية التعبير والحق في إبداء الرأي بعد أن انفجرت قضية الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة لرسول الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد أخذ ورد رفضت الحكومة الدانماركية رسميًا الاعتذار عن تلك الرسوم المهينة، التي نشرتها صحيفة يولاند بوستن الدانماركية، التي لم تكن معروفة لعدد من الدانماركيين أصلًا قبل تلك الفضيحة. 

الكيل بمكيالين!

ونظرة سريعة لموقع الجالية اليهودية في فرنسا على الإنترنت([1]) تعطينا فكرة عن حدة الاحتجاجات الرسمية التي تصدر عن العديد من الجهات اليهودية داخل وخارج فرنسا، ضد من تسميهم بمعادين السامية، ولعل تلك أهم المقاطعات والحروب الإعلامية الضخمة التي مارسها الموقع على غرار مواقع يهودية كثيرة من بينها موقع المخابرات الإسرائيلية الموساد([2]) على النت الذي يشن حربًا إعلامية تحت صيغة القائمة السوداء ضد العديد من الشخصيات الفكرية والإعلامية الغربية وغير الغربية، طالت حتى الذين أبدوا مجرد رأى صحفي في قضية تبقى مطروحة على المستويين الفكري والإيديولوجي في الشرق الأوسط ألا وهي قضية الصراع العربي الصهيوني، التي لا يمكن الاختلاف على أنها صراع من أجل إقرار حق الشعب الفلسطيني في استرداد أرضه وإقامة دولته. 

كان صدور مقال على موقع جريدة اللوموند ديبلوماتيك، على الإنترنت بتاريخ يناير ٢٠٠٦ بعنوان «فلسطين المتروكة لمصيرها»([3]) بقلم رئيس تحريرها «ألان غريش» بمثابة الضجة الكبيرة وغير المسبوقة إلى درجة شنت ضده العديد من مواقع الإنترنت اليهودية حالة من الحصار قادتها أقلام كثيرة معروفة بمعاداتها العميقة للفلسطينيين، من أهمهم برنارد ليفي أحد المقربين من اليمين المتطرف الإسرائيلي.

 لم يكن الأمر يدخل في سياق حرية التعبير التي يدافع عنها الغرب اليوم حين تعرضت جريدة اللوموند ديبلوماتيك في أكثر من مرة إلى مضايقات إعلامية شديدة في سنوات 2003/2004، ولم يكن الأمر يدخل في حرية التعبير والحق في الرأي حين اعتبر بنيامين موردخاي المسؤول عن النشر في وزارة الإعلام الإسرائيلية في ١٤ سبتمبر من السنة الماضية أن «الإساءة» «لإسرائيل» يجب أن تمنع بموجب قوانين واضحة وصارمة، والحال أنه أصدرت العديد من الدول فجأة قوانينها التي تمنع منعًا باتًا الإساءة لليهود.. كان تأسيس ما يسمى بهيئة الرقابة السمعية البصرية في فرنسا التطبيق العملي الذي أسقط رؤوس الكثيرين من الذين أبدوا رأيهم في الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، إلى درجة أن مدير إذاعة فرنسا الدولية قدم استقالته احتجاجًا على اللا حرية، فيما يخص العمل المهني ... تلك هي أهم المسارات التي تراجعت على أساسها حرية التعبير التي يتباهى بها الغرب في الشهرين الماضيين. 

قضية الهولوكوست 

بعد كتاب Holocaust denier»  «لديفيد أرفينج بمثابة الوثيقة المهمة ومرجعية في غاية الخطورة بالنسبة إليه وللقراء جميعًا، والحال أنه من خلال هذه الوثيقة / الكتاب أكد أن قضية المحرقة لا أساس لها من الصحة، وأن اليهود سوقوا لها وفق نظرية صهيونية كانت تؤسس زمنيًا لقوة عسكرية تعتمد على الفكر الصهيوني المسيحي لأجل الهيمنة ،وهو الأمر الذي جعل اليهود يعتبرون ديفيد أرفينج عدوهم رقم واحد على المستوى الإعلامي الفكري والإيديولوجي, وربما المثير للسخرية إلى حد أن يتهم موقع الاستخبارات الإسرائيلية عبر الإنترنت المفكر البريطاني بأنه متواطئ مع المسلمين لمجرد أنه أعلن في أهم كتاب له، وعلى أساس العديد من البحوث التي قام بها على أرض الواقع أن البحوث التي قام بها على أرض الواقع أن الهولوكوست هي الكذبة الصهيونية، التي جاءت حجة لاحتلال العالم فيما بعد، ولعل بداية الصراع الخفي بين ديفيد أرفينج والموساد الإسرائيلي غير ملموسة بهذا القدر من التعتيم الإعلامي الذي فرض على معطيات الصراع الفكري بين الجانبين، بالخصوص وأن أقلامًا يهودية أخرى أعلنوا معارضتهم الشديدة لديفيد أرفينج، لأنه لا يعترف بالمحرقة النازية ضد اليهود، وبأنه يسوق دومًا لـ«تشويه» سمعة «إسرائيل» في العالم عبر تشويه سمعة اليهودي، مما أدى إلى المطالبة بالتضييق على أفكاره حد المطالبة بقتله «انظر موقع المخابرات الإسرائيلية عبر الإنترنت» والحال أن تلك المضايقات أدت فعلًا إلى الاعتداء الجسدي على المفكر البريطاني في صيف ۲۰۰۲ «انظر الصورة»، وهو الاعتداء الذي يحكي عنه المفكر في موقعه عبر الإنترنت([4] ) مواقف أرفينج، لم تكن في الحقيقة أكثر من وجهات نظر طرحها على فكري، ومع ذلك صار محل انتقادات شديدة في الغرب في بريطانيا والولايات الأمريكية التي نشر في أكبر دور النشر فيها، لكن كتاب «الهولوكوست» الأخير كان صدمة بالنسبة لهؤلاء الذين فرضوا عليه حصارًا كبيرًا وصل إلى حد الاعتداء، فقد قال أرفينج عبر موقعه على الإنترنت إنه مقتنع أن الحصار الإعلامي ضده في السنوات الأخيرة كان لتدمير سمعته والقضاء على شرعيته كمؤرخ ، وهي حملة عالمية تقودها جهات صهيونية رافضة للحقيقة .. بيد أنه يقول في كتابه الهولوكوست الأخير: إن اليهود في موقفهم الاستغلالي لقضية المحرقة يثبتون قدرة عجيبة في التأثير على الفكر الغربي خصوصًا، بل والمؤسف أيضًا أن نجد العرب من يكاد يصدقهم في مقولتهم هذه التي تثبت أفعالهم عكسها فما فعلته «إسرائيل» في هجمات بربرية وحشية على مناطق عربية مثل جنوب لبنان يؤكد النزعة الدموية الخالية من التوجه الإنساني لديهم، ويكفي أن نتذكر هنا مجزرة قانا ومقولة ديفيد ليفي الأخيرة بأنه سيحرق لبنان ثم أي عنصرية أبشع من تشريد شعٍب كامٍل، وقتل أبنائه والتصدي للعالم كله من أجل الوصول إلى حٍل عادٍل يعطي أصحاب الأرض من الفلسطينيين بعض حقهم وليس كله. 

إن المحرقة لا شك أنها وإن وقعت جزئيًا غير مقبولة إنسانيًا، إلا أن الفعل الإسرائيلي لا يختلف بحال من الأحوال في بشاعته عن بشاعة المحرقة إن كانت حقيقة على الصورة التي يتناقلها اليهود. 

حرية التعبير الهشة!

 قرار محكمة فيينا بسجن «ديفيد أرفينج» بمثابة الصدمة الحقيقية، لأن التهمة في النهاية تدخل في سياق حرية التعبير التي يدافع عنها الغرب، والتي عبرها أباح لنفسه نشر الرسومات الكاريكاتيرية المسيئة لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بيد أن رفض الاعتذار الرسمي للمسلمين من قبل الحكومة الدانماركية «البادئة في نشر تلك الرسومات» بحجة الحق في التعبير يتعارض تمامًا مع القرار السويدي

ومع الحملة الاسكندنافية المناهضة للمفكر «دافيد أرفينج»، لم يكن السبب تعارضًا عسكريًا أو أمنيًا بالمعنى الشامل بل وجهات نظر يكتشف الغرب أنها مسيئة لليهود، وبالتالي يجب أن تطبق عليها القوانين الجديدة الرافضة تمامًا الإساءة لهم، وهي القوانين السارية فعليًا في دولة مثل النمسا التي تعتبر أن مجرد الشك في قضية الهولوكوست تهمٌة عقابها السجن، وهو نفاق كبير يمارسه الغرب اليوم على العالم لأجل التسويق لنفس الماهية الفكرية التي تعتبر اليهود جنسًا ساميًا لا يمكن الاعتداء عليه بينما بقية الشعوب أشباه شعوب يمكن حرقها ورميها في البحر، وإبادتها تمامًا كما قال إيهود باراك في ١١ سبتمبر «أيلول» ٢٠٠٤ ضد الفلسطينيين الذين يعتبرهم حثالة الشرق الأوسط!.

 أن يتضامن الغرب مع الدانمارك ويعيد الصور المسيئة للرسول من منظور حرية التعبير، وأن يحاكم مفكر بريطاني بـ ٣ سنوات سجن نافذة لأنه يشكك في وجود الهولوكوست، فهذا يعني أن المشكلة الكبيرة، صارت مشكلة حرب حقيقية يشنها اللوبي اليهودي للقضاء على الحرية والإنسانية والحوار والسلام والتعايش لأجل إعادة الحياة لـ اليهودي السامي، كما جاء في جريدة يديعوت الإسرائيلية في عددها الصادر الخميس ٥ يناير 2006.

 

([1] ) موقع الجالية اليهودية في فرنسا على الرابط التالي: www.col.fr

([2] )  المقال في موقع الصحيفة على الإنترنت على الرابط: www.monde-diplomatique.fr

([3] )   www.mossad.gov.il

([4]) موقع المفكر البريطاني على الإنترنت: www.davidirving.8m.com

الرابط المختصر :