العنوان قضية المعتقلين.. الرقم الصعب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 19-يوليو-2003
مشاهدات 57
نشر في العدد 1560
نشر في الصفحة 28
السبت 19-يوليو-2003
إبراهيم أبو الهيجا
كاتب وباحث فلسطيني- جنين
قضية المعتقلين هي كلمة السر التي حسمت موقف فصائل المقاومة لقبول الهدنة باشتراط الإفراج عن مجمل المعتقلين ولاسيما ذوي الأحكام العالية، وهذا بالمناسبة مبدأ شمولي يدرك الصهاينة مدى أهميته السياسية بالنسبة للفلسطينيين من حيث:
- استمرار تعليق العمليات العسكرية كونه الثمن الوحيد المعقول بالتعليق.
- تصدع أو تمتين العلاقات الداخلية حساسيته الشعبية كونه على تماس مباشر مع كل القطاعات.
الكيان الصهيوني من طرفه اعتبر قضية الأسرى الفلسطينيين قضية شكلية يساهم من خلالها بتحسين سمعته الدولية وإثبات جديته تجاه التسوية، ومساعدة تيار التسوية الفلسطيني الذي يقوده الخط الرسمي الفلسطيني، وتحديداً الذي يتزعمه محمود عباس.
وبرأينا أن العدو لن يذهب بعيداً في الإفراج عن جميع المعتقلين لعدة إشكالات أهمها:
- إشكالات أمنية حيث إنه يخشى من خبرة هؤلاء المعتقلين العسكرية وتأثيرهم بالتالي في موازين القوى في الصراع الدائر بين قوى المقاومة الفلسطينية والاحتلال الصهيوني.
- إشكالات سياسية حيث إن العدو يستخدم ورقة المعتقلين للابتزاز السياسي لتقليل سقف المطالب الفلسطينية، والأهم إلقاء هذه الورقة كبادرة حسن نية كلما أراد العدو إثبات حسن نيته.
- إشكالات ائتلافية فالائتلاف اليمني الحاكم في تل أبيب ليس من السهل عليه تمرير قرار شمولي كلي بالإفراج عن جميع المعتقلين الفلسطينيين بغض النظر عن انتماءاتهم أو أفعالهم.
إذن فالعدو - في ضوء هذه التعقيدات . مضافاً إلى فلسفة شارون الخاصة تجاه التسوية التي تأمل بتأجيل القضايا النهائية وإعطاء الفلسطينيين دولة مقطعة على أقل من ٤٠ % من أصل 20% من أرض فلسطين الكلية فإنه سيلجأ في ملف الأسرى والمعتقلين إلى التالي:
أولاً: التكتيك السياسي في أقصى مدى
بما يجعل الفلسطينيين مستنزفين سياسياً يطالبون بالشارع والطريق والمدينة والقرية بل إنه سيساومهم على كل معتقل على حدة.
ثانياً: ربح الزمن
فشارون يدرك أن الورقة المطلب الأول لحماس والجهاد هو الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وإن استمرار الفلسطينيين بالهدنة هو بتلبية هذا المطلب لذا سيلجأ للتسويف وتجزئة المعتقلين قدر الإمكان حتى تنجز الهدنة هدوءً يمكنه من إنجاز التالي:
- المراحل الرئيسة في الجدار الفاصل من جهة .
- تبريد الانتفاضة الفلسطينية، وتسريب الهزيمة.
- إعطاء الفرصة لأجهزة السلطة لكي تستعد جيداً، أو لكي لا تتهرب من مواجهة القوى الإسلامية بحجة عدم الجاهزية.
بعد ذلك سيلجأ شارون إلى تفريغ مطلب الفلسطينيين في قضية المعتقلين وتحويله من مطلب اشتراطي جاء في مبادرة هدنة إلى شكل من أشكال الاستجداء.
ثالثاً: توظيفه كفتنة
يأمل شارون أن تجد حركات المقاومة الفلسطينية نفسها في حيرة بعد انقضاء مدة الهدنة، حيث سيجبرها من خلال بعض التصعيد وعدم الإفراج عن المعتقلين وبخاصة المحكوم عليهم بالمؤيد إلى التحلل من الهدنة، وستحاول السلطة ثني هذه الحركات عن مطالبها، وإعطاءها المزيد من الوقت السلطة ستفشل حتماً لأن حركات المقاومة إن استمرت في ظل هذه المعادلة تكون بذلك كمن انتهت كمشروع وكفكرعندها ستنتهي الهدنة وعندها سيطلب العدو من السلطة مواجهة حركات المقاومة، وسيستغل شارون أجواء الانتخابات الأمريكية للاستفراد تماماً بالفلسطينيين، مما قد يؤدي إلى مواجهات محدودة بين السلطة وحركات المقاومة، وهذا يعيد علاقات هذه الاتجاهات إلى ما قبل الانتفاضة الحالية (حيث السجون والملاحقة)،ورغم أن هذا السيناريو مما لا نتمناه إلا أنه يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عند تحليل كل المعطيات.
رابعاً: تجزئة المعتقلين
سيحاول العدو خلال كل ذلك ممارسة كل أنواع التسويف مستخدماً كل الأشكال الإعلامية والمساومات والضغوط العربية والدولية لجر المقاومة وبالتالي مطلب الإفراج عن المعتقلين - إلى ملعب المساومات والتجزئة، حيث سيدعي في البداية أن هذه خطوة أولى وتتبعها أخرى ثم يجزئ المعتقلين إلى نساء وكبار وأطفال، ثم إلى من قاوم قبل أوسلو أو بعده وهكذا حتى يجزئ مطلب الإفراج الشامل عن المعتقلين، بحيث تبقى ورقة المعتقلين بيده بأقل الخسائر وبأفضل المساومات وستدير السلطة هنا مفاوضات بالوكالة مع المقاومة، بحيث تطالبها مثلا بتحديد الأولويات بالإفراج كأسماء أو كفئات وهكذا.
خامساً: التبادلية
سيحاول العدو في إطار كل ذلك تحويل قضية المعتقلين إلى أم القضايا، بحيث يلمح لمصر والولايات المتحدة وحزب الله أنه مستعد للإفراج عن جزء مهم من المعتقلين في حال إفراجهم عن بولارد الجاسوس الإسرائيلي المسجون لدى الولايات المتحدة، وعزام عزام الجاسوس الإسرائيلي المسجون في مصر والعسكريين الأربعة المخطوفين لدى حزب الله، وربما تضغط لكي تغري إيران لتفرج هي الأخرى عن الطيار رون أراد الذي يعتقد أنه محجوز لديها وهكذا سيحول العدو قضية المعتقلين الفلسطينيين والعرب من قضية جزئية في التفاوض إلى قضية إقليمية.
سادساً: الباب الدوار
خلال كل ذلك سيلجأ العدو إلى استمرار الاعتقال فيفرج عن عشرة ويعتقل عشرين، بحيث يبقي قبضته الأمنية قائمة من جهة، ورادعة للآخرين من جهة ثانية والأهم أنها ستعوض على إسرائيل ميزة وجود معتقلين هامشيين يمكنها الإفراج عنهم كلما اشتد الضغط أو احتاجت إلى مبادرات حسن نية جديدة وهكذا دواليك.
في ضوء ذلك فإن الاحتمال الأكبر أن تحرك قضية المعتقلين، المعتقلين أنفسهم من خلال الإضرابات وشحن الشارع الفلسطيني كما حدث فيما بعد أوسلو، إذ أنت القضية إلى تحرك موجات انتفاضية وأفعال عسكرية بل إنهم سيكونون قوة فاعلة وضاغطة على الحركات المقاومة في إيقافها عن فخ الاستدراجالإسرائيلي أو تفريغ قضيتهم من مضمونها ونعتقد أن قوة المعتقلين هائلة على الحركات المقاومة والسلطة لعدة أسباب:
- محمود عباس متهم لدى الأسرى أنه فرط بقضيتهم في مفاوضات أوسلو وما تبعها من مفاوضات، لذا فهو يشعر بعقدة الذنب ويحاول التأكيد على دوره الفاعل ولا يمكنه بالتالي مواجهة الموقف أكثر مما يحتمل.
- إن تعداد المعتقلين المقارب ال٨٠٠٠ شخص ليس هيناً في ضوء معرفتنا أن خلف كل معتقل أسرة، وإذا تعاضدت معها البنية الاجتماعية التي تسيطر فيها العائلة الكبيرة في فلسطين، فإن هذه القضية كفيلة بخلق اهتزاز سیاسي بالغ على مسار التسوية والسلطة والمقاومة تدركان ذلك جيداً.
- من بين ال۸۰۰۰ معتقل هناك حوالي ۲۰۰۰ معتقل يشكلون البنية العسكرية لمجمل حركات المقاومة وأحكامهم عالية تصل إلى المؤيدات، وهؤلاء يعتبرون بنظر الشارع الفلسطيني (النموذج البطل المضحي). والاستخفاف بقيمة هذا النموذج جدير بإسقاط أعلى الشخصيات الفلسطينية الرسمية أو الشعبية، وبالتالي فإن أي موقف لهؤلاء المعتقلين كفيل بهز أي اتجاه يتخلى عنهم أو خلق انشقاق جدي فيه.
- ثبت فيما مضى أن المعتقلين وخاصة أحكام المؤبدات كانوا القادة الموجهين لكثير من الخلايا العسكرية الفلسطينية وتحديداً للحركات الإسلامية، وشعور المعتقلين بأي تهاون في قضيتهم سيدفع بهم إلى تجنيد جدد وإحداث عمليات ضخمة كفيلة بتغيير المسار والموقف السياسي، وكلنا يذكر أن من أقوى خلايا حماس التي شكلت وبرعت خلية شهداء من أجل الأسرى والتي كان مطلبها الوحيد الإفراج عن الأسرى وتحديداً ذوي الأحكامالعالية.
- لقد اكتوى مجمل الفلسطينيين في الضفة والقطاع من تجربة الاعتقال، حيث تعرض اكثر من ربع الفلسطينيين لتجربة أو تجارب الاعتقال، وهذه التجربة تعطي زخماً معنوياً لأي حركة تضامن أو احتجاج.
- يساهم توزع المعتقلين على مختلف المناطق الفلسطينية في الضفة والقطاع في قوة وفاعلية أي تحرك على مستوى المحافظات الفلسطينية الممتدة، وهذا يخلق امتداداً جغرافياً فاعلاً لأي حركة تصعيد للإفراج عن المعتقلين فهم عبارة عن تنظيم منتشر في كل مكان له متضررون في دائرة الأسرة، ومتعاطفون في دائرة العائلة الأكبر، وأنصار ورفاق في الحركات التي ينتمون لها، ومتعاطفون من مجمل الشعب متأثرون من التجربة التي سبق أن مروا بها، أو لديهم مخزون من القهر ضد ممارسات أخرى للاحتلال وكل هذه التركيبة من المعادلات من السهل أن تتفاعل وتؤثر .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل