العنوان قطوف تربوية حول قصة التائب كعب- رضي الله عنه
الكاتب د. حمدي شعيب
تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1992
مشاهدات 39
نشر في العدد 1029
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 15-ديسمبر-1992
«والله ما كان لي من عذر»
إنها البداية غير محسوبة العواقب،
وبداية الانحراف الذي يبدأ صغيرًا ثم يتدرج في الكبر، وهو الخطوة الأولى في مرتقى
السقوط المعروف للمربي البصير، ذلك هو «طريق المعتذرين».
إنه يبدأ باعتذار ثم اغترار فهبوط
إلى القرار، والذي رآه الحبيب كعب- رضوان الله عليه- فعرفه معرفة العالم الذي يرى
الفتنة مقبلة، بينما الجاهل يراها مدبرة، فكانت بداية نجاته عندما حكى قائلًا:
«فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابْتَعْتَ ظهرك؟
قال: قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني
سأخرج من سخطه بعذر، لقد أُعطيتُ جدلًا، ولكنني والله لقد علمت لَئِنْ حدثتك اليوم
حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله يُسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه إني
لأرجو عقبى الله عز وجل. والله ما كان لي من عذر» (متفق عليه).
هكذا على الداعية دومًا أن يعلنها في
كل لحظة: «إني لأرجو عقبى الله عز وجل، والله ما كان لي من عذر»، فإن كان الاعتذار
هو بداية السقوط فإن هذا الإعلان الصريح هو بداية النجاة.
وتاريخ الدعوة الإسلامية على مر
العصور يصدق ذلك:
1- فهؤلاء الإخوة الذين أَعماهم
الحسد على أخيهم الصغير فارتكبوا مؤامرتهم، ثم كان الاعتذار المكشوف الذي لم يستره
ظلام الليل: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ (يوسف: 16).
2- وهو نفس الطريق الذي سلكته إحدى
فئات المنافقين الثلاث في عام الدعوة الخامس من الهجرة في غزوة الأحزاب، حيث كانت
الفضيحة الخالدة لهم ولأمثالهم: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ
يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ
إِلَّا فِرَارًا﴾ (الأحزاب: 13). فيصور موقفهم سيد قطب- رحمه الله- يستأذنون بحجة
أن بيوتهم مكشوفة للعدو، متروكة بلا حماية، وهنا يكشف القرآن عن الحقيقة، ويجردهم
من العذر والحجة، ويضبطهم متلبسين بالكذب والاحتيال والجبن والفرار.
3- ويمضي موكب الدعوة الخالد، ويسير
معه موكب المنافقين المرتبط بهم دومًا بصفة الاعتذار، في عام الدعوة التاسع من
الهجرة، فكانت الاعتذارات الكثيرة وكانت فضائحهم تترى، منها: ﴿يَعْتَذِرُونَ
إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ
لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ (التوبة: 94). ويقول عنهم
الشهيد سيد قطب رحمه الله: يعتذرون إليكم عن تخلفهم وقعودهم، ذلك أنهم يخجلون من
الظهور بفعلتهم هذه عارية، فيوجه الحبيب- صلى الله عليه وسلم- قل وفروا عليكم
معاذيركم، فلن نطمئن إليكم، ولن نصدقكم.
وكما يوجهنا المربي الفاضل د. يوسف
القرضاوي، ويعلن أن هناك من يحملون الدعوة وهناك من تحملهم الدعوة، أولئك الصنف
الجاهز في جعبته كل أنواع المعاذير ولكل مناسبة.. ترى هل يحتاجون لوقفة كما كانت
وقفة القرآن الشديدة حيال المعتذرين في غزوة تبوك؟
وقديمًا فضح الشاعر ذاك الصنف
المعتذر في كل وقت فقال ونطق بالحكمة:
إذا كان يؤذيك حر المصيف وكرب الخريف وبرد الشتا
ويلهيك حسن زمان الربيع فأخْذُك للعلم قل لي متى؟
فيا داعية الإسلام الحبيب، أمامك
الطريقان وفي يدك الخياران: طريق كعب وطريق المعتذرين، فاختر لنفسك ولأمتك ما شئت.
ويا أحباب، إذا كان الله عز وجل قد
حبانا بالصحة وبالمال وبالوقت وبإمكانيات لو كانت بأيدي غيرنا لكانت لذلك أمور
وعواقب، ثم نتكاسل والأرض تنقص أطرافها من حولنا كل يوم، فماذا ننتظر؟ ولماذا
نعتذر؟
الرجال الكبار.. للمهام الكبار
ويمضي ركب الدعوة المبارك، وتتحرك
قافلة الخير بجنودها الأبرار الذين تربوا على أن «التحرك لنصرة دين الله لم يعد
نفلًا، المسلمون فيه على الخيار، بل هو على الوجوب دائر فيما هو معلوم من الدين
بالضرورة: من مات ولم يغزُ ولم يُحَدِّث نفسه بغزو، مات على شعبة من النفاق» رواه
مسلم. وهذا التحرك المبارك له خاصية متميزة، فالإنسان فيه يأخذ من خلال عطائه
للآخرين، وهذه الطبيعة تأتي متناسقة مع خلق الله العظيم: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ
تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي
أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (النمل: 88). (القيادة-
جاسم المهلهل- ص 6).
ومن خلال الحركة يتميز الصف فيبرز:
1-
صنف عالي الهمة مثل عمر رضي الله عنه، المتيقظ
أبدًا، والذي قال لمعاوية ابن خديج عندما جاء مبشرًا بفتح الإسكندرية: «لئن نمت
النهار لأُضيعن الرعية، ولئن نمت الليل لأُضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا
معاوية؟» (الزهد- الإمام أحمد- ص 163). فلا بد من العمل، فالمسلم داعية والداعية
مسؤول عن رعيته، فإذا غاب عنهم تخلى عن واجبه وعرَّضهم لعبث المبطلين وغواية
الشيطان، حتى ولو كان حسن النية في الخلوة بربه. ومن قبل تعرض موسى- عليه السلام-
للحساب وللمؤاخذة؛ لأن شعبًا بأسره ضل بغيابه عنهم: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن
قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ. قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ
رَبِّ لِتَرْضَىٰ. قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ. فَرَجَعَ مُوسَىٰ إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ (طه:
83-86). (القيادة- جاسم المهلهل- ص 13).
2- وصنف
ضعيف الهمة يراوح في القاع، يصرخ عند الملمات هاربًا وهو يحمل شعاره الخالد:
﴿ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ. رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ
وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (التوبة: 86-87). فيصفهم سيد
قطب «رحمه الله» أنهم جاؤوا ليتخاذلوا ويعتذروا ويطلبوا أن يقعدوا مع النساء، لا
يذودون عن حرمة ولا عن سكن، غير مستشعرين هذه القعدة الذليلة من صغار، مادام فيها
السلامة، ولا يحسون العار، فالسلامة هدف الراضين بالدون (في ظلال القرآن- سيد قطب-
10/1684).
3- وبين
الصنفين يبدو ذلك الصنف الوسط حاملًا إيمانه فيقوده إلى مرضاة ربه، وفي الوقت نفسه
يحمل واقعيته البشرية، يحاول عن طريقها العدو اللدود إبليس أن يزين جوانب الأرض
لهذا الكائن المتذبذب بين الغايتين، المصارع أبدًا لأعاصير وجواذب القعود. ويصف
هذه الحالة وهذه التجربة المريرة الحبيب كعب- رضوان الله عليه- فيقول: «وكان من
خير حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى
ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة» (متفق عليه).
وعن
هذه الحالة التي تعتري المسلم يحدثنا الشهيد سيد قطب- رحمه الله- حول هذه الآية:
﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء:
35). إن الابتلاء بالخير أشد وإن خُيّل للناس أنه دون الابتلاء بالشر، إن كثيرين
يصمدون للابتلاء بالشر، ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير.. كثيرون
يصبرون على الكفاح والجراح، ولكن قليل هم الذين يصبرون على الدعة والمراح.. إن
الشدة تستنهض الهمم والمقاومة وتعبئ القوى، أما الرخاء فيُرخي الأعصاب ويُنيم
المقاومة ويُخدر القوى.. إن اليقظة للنفس في الإيثار بالخير أولى من اليقظة لها في
الابتلاء بالشر، والصلة بالله سبحانه في الحالين هي وحدها الضمان (المصدر السابق:
17/ 2377-2378).
وهذه الأصناف يضمها الصف المسلم على
رحابته واستيعابه للجميع، ولكن «الأعمال الكبار يُطلب لها كبار الرجال». قال رجل
لعبدالله بن عباس: «أتيتك في حاجة صغيرة، قال: فاطلب لها رجيلًا صغيرًا» (القيادة-
جاسم المهلهل- 16).
وهنا يحدثنا الإمام حسن البنا- رحمه
الله- موضحًا: «إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها،
وازدادت الحماسة لها، ووُجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها» (رسالة
إلى الشباب- مجموعة الرسائل- البنا- ص137).
وبعد يا داعية الإسلام.. إن من جدّ
وجد، وليس من سهر كمن رقد، فلا تكن ممن تضمه الكتائب، وقلبه عن المشاركة غائب،
وهذا الموت منك قيد الشبر، وهذا دبيب الليالي يُسارق نفسك ساعتها، وإن سلع المعالي
غاليات الثمن، وإنما ثمنها اتّباع سير ذوي الهمم العالية والرجال الكبار، فانظر
لنفسك، واغتنم وقتك فإن الثواء قليل، والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب،
والخطر عظيم، والناقد بصير» (الرقائق- الراشد- ص136، 137).
فلقد اختارتك أمتك وصاح بك دعاتها،
وإن أبيت إلا التذبذب والاضطراب، والتردد بين الدعوات الدائرة والمناهج الفاشلة،
فإن كتيبة الله ستسير غير عابئة بقلة ولا كثرة: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ
عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران: 126) – (رسالة إلى الشباب- مجموعة
الرسائل- البنا- ص181- بتصرف).
ولا أراك إلا ملتحقًا بها حاملًا
شعارك الناصع:
إذا القوم قالوا من الفتى خلت أنني
عُنيتُ فلم أكسل ولم أتبلد
واقرأ أيضًا: