العنوان قمة «مجموعة العشرين» الاقتصادية... والمهمة الصعبة!
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 11-أبريل-2009
مشاهدات 67
نشر في العدد 1847
نشر في الصفحة 14
السبت 11-أبريل-2009
* تستحوذ دول المجموعة على 90% من الناتج الاقتصادي العالمي و 80% من التجارة العالمية وثلثي سكان الأرض
* الأهداف المعلنة للقمة:
- تنسيق الجهود لإنعاش الاقتصاد العالمي
- وضع خطط لتجنب الوقوع في أزمات مشابهة
- صياغة وثيقة للإصلاحات في النظام المالي العالمي
* «ذي إندبندنت» حذرت من انتهاء القمة بتعهدات لا تساوي قيمة الورق المكتوبة عليه بسبب الخلاف بين أمريكا والدول الأوروبية
* «ذا فايننشيال تايمز» أيدت اقتراحًا بإنشاء «صندوق للضعفاء» يتيح للدول الفقيرة الحصول على بعض أموال الدول الغنية
* نشرت السلطات الآلاف من رجال الشرطة في أنحاء لندن.. في خطة أمنية بلغت كلفتها ما يعادل نحو11 مليون دولار أمريكي
* وقعت اشتباكات في حي المال بوسط لندن بين قوات مكافحة الشغب ومتظاهرين ضد القمة حاولوا اقتحام بنك إنجلترا المركزي
70% ممن شملهم استطلاع للرأي أجرته B.B.C في ٢٩ دولة أيدوا إدخال تغييرات جذرية على النظام الاقتصادي العالمي
* تبنت القمة أضخم خطة في التاريخ لإنعاش الاقتصاد العالمي.. ووضع حد لما يوصف بانفلات الرأسمالية العالمية
تحالف عجيب- كألوان «قوس قزح»- استبق قمة «مجموعة العشرين» الاقتصادية، التي عقدت بالعاصمة البريطانية لندن في الثاني من أبريل الجاري.. وقد ضم ذلك التحالف مناهضي الرأسمالية، ومناهضي العولمة ومناهضي الحرب، والمعترضين على الفقر والظلم والمعاناة، وأنصار البيئة المهتمين بتغييرات المناخ، والذين فقدوا وظائفهم، وأكاديميين راديكاليين، وكذلك فوضويين.. وتجمع ذلك التحالف في وسط لندن خلال انعقاد القمة، في مظاهرات غير مسبوقة ضد تلك القمة التي تزامنت مع تفاقم الكارثة المالية العالمية.
والحقيقة أن كلا الطرفين-أهل القمة، وأهل المظاهرات-كانت أمامه مهمة غاية في الصعوبة.
فالسياسات لا تتغير-للأسف بالمظاهرات، وإلا كانت سياسة الحرب ضد أفغانستان والعراق والهجمات الصهيونية على غزة قد توقفت مع مظاهرات مليونية سابقة.. ولكن لعل هذه المظاهرات تصنع رأيًا عامًا، قد يكون له تأثير بطريقة غير مباشرة في مؤسسات التعليم والإدارة والتشريع وعند التصويت في الانتخابات.
وكذلك هناك فرق بين هذه المظاهرات وتلك في أن هذه تهتم بالأوضاع الداخلية، أما تغيير مهمة «المؤتمرين» فقد تجد صعوبات كثيرة فالكل يسعى إلى تحقيق مصالحه بالدرجة الأولى، وإن شعروا بأن النظام المالي العالمي معقد ومتشابك، وأن المحك الحقيقي الذي يرضي «المتظاهرين» ومن يحذو حذوهم في التفكير هو نظرة الإشفاق العملية لفقراء العالم الذين أضحوا ضحية العولمة، والشركات والبنوك الكبرى.
والذي يطلب التغيير هم معظم الناس، وإن لم يشتركوا في المظاهرات، ففي استطلاع للرأي أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (B.B.C) بهذه المناسبة في ٢٩ دولة، قال 70% ممن شملهم الاستطلاع: إنهم يريدون إدخال تغييرات كبيرة على النظام الاقتصادي العالمي.. وبعض الناس يلوم نظام السوق الحر، خاصة النمط الأمريكي البريطاني الذي أعطى حرية شبه كاملة للأسواق المالية، والبعض الآخر منهم يقول: إن الجشع الذي كرسه نظام السوق الحر هو السبب.. ويدعي البعض أن النظام الاشتراكي- رغم أنه ثبت فشله-يحقق بعض العدل؛ حيث تقوم الحكومة بالتدخل في الاقتصاد عن طريق خطوات منها: تحديد أسعار السلع، ومنع استيراد بعض السلع والتوسع في القطاع العام والتعيين الحكومي.
محل نقاش:
والناظر بدقة يرى أن أخلاقيات الاقتصاد التي يدعو إليها الإسلام هي الحل، والدليل هو عدم تأثر المؤسسات المالية الإسلامية بما حدث، ويرى كثيرون أن البنوك التي تدير أعمالها حسب القواعد الإسلامية وقواعد المرابحة وتقاسم الأخطار تعمل بأسلوب أكثر عدالة وأقل تركيزًا على الربح، وأنها تبدي عطفًا أكثر على المجتمعات التي تعمل فيها وبالتالي فإن انعدام هذه الأخلاق هو الذي عرقل - بتوابعه الاقتصاد العالمي المبني على الغش والفساد والجشع، وليس فيه القيمة الكبرى للزكاة كما في الإسلام.
والفارق معروف بين الزكاة والضرائب وقد ازداد هذا الفارق اتساعًا مؤخرًا عندما تم دفع أموال الضرائب إلى البنوك والشركات الكبرى كي تنهض من عثرتها، ولم تعط قط للفقراء والمحتاجين، وكانت هذه إحدى نقاط النقاش الدائم في أوروبا وأمريكا بعد ضخ الأموال للبنوك المتعثرة وبالتأكيد كانت هذه محل نقاش في هذه القمة .
ثلاث دول إسلامية:
ما أعجبني في توقيت القمة والدول المشاركة فيها أن العالم أصبح لا يرى السيد الواحد أو الدولة العظمى الوحيدة، وإنما تطور الفكر وازداد عدد الدول التي تحضر هذه القمم الاقتصادية من سبع إلى ثمان إلى ... إلى عشرين دولة من بينها ثلاث دول إسلامية كبيرة هي: السعودية وتركيا وإندونيسيا.
قد يقول قائل: إنهم في حاجة إلى أموال هذه الدول، وخاصة السعودية، ولكن- في الوقت نفسه- استطاعت هذه الدول أن تفكر لنفسها وتختار ما ينفعها، ليتم وضعها في مصاف الدول الكبرى رأسًا برأس!
والحقيقة، أن بيانات صندوق النقد الدولي كشفت أن السعودية هي الأكثر إنفاقًا على خطط الحفز الاقتصادي من دول مجموعة العشرين من حيث معدل الإنفاق للناتج المحلي الإجمالي. فقد ضخت السعودية أكثر من 2% من ناتجها المحلي الإجمالي في خطط العام الماضي(۲۰۰۸م) كما ستنفق أكثر من 3% خلال العام الجاري (2009م).. في حين تقاعست إيطاليا التي سينخفض معدل إنفاقها خلال العام المقبل (۲۰۱۰م) إلى 1%، كما يرجح انخفاض معدل إنفاق كل من فرنسا وبريطانيا إلى صفر في المائة، أما روسيا فلن تسهم في تمويل الخطة هذا العام.
أقوى الاقتصادات:
مجموعة العشرين هي أقوى الاقتصادات في العالم، إذ تستحوذ على 90% من الناتج الاقتصادي العالمي، و ٨٠٪ من التجارة العالمية وثلثي سكان الأرض.
والدول الأعضاء في المجموعة هي: الأرجنتين، وأستراليا، والبرازيل، وكندا، والصين، وفرنسا وألمانيا، والهند، وإندونيسيا، وإيطاليا، واليابان، والمكسيك، وروسيا، والسعودية، وجنوب أفريقيا، وكوريا الجنوبية، وتركيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي.
وهناك ثلاثة أهداف رئيسة معلنة لهذه القمة:
أولها: تنسيق الجهود لإنعاش الاقتصاد العالمي، من خلال تقليص أسعار الفائدة ووضع ضوابط جديدة لتنظيم أسواق المال.
وثانيها: وضع خطط لتجنب الوقوع في أزمات مشابهة، من خلال دعم وتقوية أنظمة الرقابة والرصد العالمية على البنوك والمؤسسات المالية .
وثالثها: الاتفاق على وثيقة تنظيم للإصلاحات المستقبلية في النظام المالي العالمي، تتضمن تغييرات في المؤسسات التي تتولى تنظيم الاقتصاد العالمي؛ مثل صندوق النقد الدولي، ومنح الدول الأفقر صوتًا أقوى ودعمًا أكثر.
قالت الجهة المنظمة للاحتجاجات في بيان على (Meltdown G20)، وتدعى موقعها الإلكتروني: «سنسيطر على المدينة وسنندفع إلى حيث مربض الوحش؛ مصرف إنجلترا المركزي». وتساءلت في بيانها: «هل يمكننا طرد المصرفيين من السلطة؟ هل يمكننا أن نتخلص من السياسيين الفاسدين؟ هل يمكننا أن نضمن لكل فرد وظيفة، ومنزلًا، ومستقبلًا؟ هل يمكننا إلغاء كل الحدود ونصير وطنيين موالين لكوكبنا؟ هل يمكننا أن نعيش جميعًا بطريقة الاكتفاء الذاتي، ووقف فوضى المناخ؟».
ومن أمثلة اللافتات التي رفعها النشطاء الغاضبون: «لن ندفع ثمن أزمتهم».. «إنها أموالنا التي سرقوها»...«أيها الرأسماليون أنتم سبب الأزمة»...«العدل لفقراء العالم».. «الوظائف- العدل- المناخ». أما حركة «مناهضي الحرب»(Stop the War Coalition)فقد قامت بمظاهرة سلمية كبيرة رفعت خلالها لافتات أمام السفارة الأمريكية في لندن بمناسبة المؤتمر، منها «نريد وظائف لا قنابل»... «أوقفوا تسليح إسرائيل»... «الحرية لفلسطين».
ووقعت اشتباكات بين المتظاهرين ضد قمة العشرين وقوات مكافحة الشغب البريطانية في حي المال بوسط العاصمة وحطم المتظاهرون نوافذ «بنك أسكتلندا الملكي» الذي فرضت عليه حراسة مشددة. وحاول بعض المتظاهرين اقتحام «بنك إنجلترا المركزي»، ودفعوا الحواجز التي أقامتها الشرطة خارج البنك، ورددوا هتافات مناهضة للعولمة، فيما أغلقت بعض شوارع حي المال.
وكانت السلطات قد نشرت الآلاف من رجال الشرطة في أنحاء لندن، كما فرضت إجراءات أمنية مشددة تحسبًا لاندلاع مظاهرات قد يشوبها العنف احتجاجًا على القمة. وقد ألغيت إجازات أفراد الشرطة ودعيت ستة تشكيلات، وتقدر كلفة هذه الخطة بنحو ١١ مليون دولار أمريكي.
تعليقات الصحافة:
لم تخل صحيفة بريطانية من خبر أو تعليق يتناول القمة، وعلى صفحتها الأولى نشرت «ذي إندبندنت» تقريرًا تحت عنوان «سبع ساعات لإنقاذ العالم»، أشارت فيه الصحيفة إلى الخلافات التي لا تزال ناشبة بين الدول العشرين حول آلية إصلاح الاقتصاد العالمي، وقالت: «إن أمام القوى الاقتصادية الكبرى- التي تشارك في أكبر تجمع لها منذ عام ١٩٤٧م - أقل من يوم واحد للاتفاق على خطة موحدة».
وحذرت الصحيفة من انتهاء القمة بتعهدات لا تساوي قيمة الورق المكتوبة عليه؛ بسبب الخلاف الذي لا يزال قائمًا بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين الكبار، فالرئيس الأمريكي يحث بقية الدول العشرين على التدخل بمزيد من حزم الإنفاق الحكومية السخية كما يفعل، على أمل أن يؤدي ذلك إلى إعادة دوران عجلة الاقتصاد فيما يصر الأوروبيون على عدم اتباع نفس النموذج، والتركيز على تنظيم الأنظمة المالية والمصرفية.
وأضافت «ذي إندبندنت» قائلة: «إن النجاح الأكبر خلال القمة- للصين ودو أخرى-تمثل في الإعلان بأن رؤساء «صندوق النقد الدولي» سوف يتم اختيارهم-من الآن فصاعدًا-بناء على ما يملكون من مؤهلات وقدرات، ولن يكون قرار اختيارهم بعد اليوم حكرًا على الولايات المتحدة وأوروبا».
وقالت صحيفة «ذا تايمز»: «إن اجتماع قادة الدول العشرين، وما سيكتنفه من احتجاجات، يمثل فرصة لإعادة تقويم النقاش بشأن الرأسمالية والعولمة». ودافعت الصحيفة عن الرأسمالية، مقرة بالأخطاء التي شابت الأنظمة المالية والمصرفية وبفشل الأشخاص والحكومات في التنبؤ بعمق الأزمة.
أما صحيفة «ذا فايننشيال تايمز» فقد سادت على افتتاحيتها مسحة من التشاؤم؛ حيث توقعت أن تكون القمة «جعجعة رمزية بلا طحن يعتمد عليه، ويسد الرمق ويفي بالحاجة».. وقالت: «إن القمة ينبغي أن تكون فرصة للتفكير في مصير فقراء العالم ومعاناتهم، فعلى الرغم من أن أصل الأزمة هو العالم الصناعي المتقدم إلا أن بلدان العالم النامي ترزح تحت كثير من أعبائها». وأثنت الصحيفة على الانكباب على إنعاش الاقتصاد العالمي، قائلة: «إن الكثير من الدول النامية يعاني من تضاؤل الطلب وتناقص عائدات المهاجرين من مواطنيها بفعل الانكماش الاقتصادي»، وأيدت الصحيفة اقتراح مدير البنك الأمريكي بإنشاء «صندوق للضعفاء» يتيح للبلدان الفقيرة الحصول على شيء من أموال البلدان الثرية.
لقد تبنت القمة أضخم خطة في التاريخ لإنعاش الاقتصاد العالمي، ووضع حد لما يوصف بانفلات الرأسمالية العالمية.. ولكن أيعني هذا التبني تنفيذًا فعليًا، خاصة أن القمة لا تمثل مؤسسة رسمية، وإنما هي عبارة عن منتدى قراراته غير ملزمة؟ وهل حدث أي انفراج منذ القمة الأولى في نوفمبر الماضي؟ وهل وعدت بما يكفي الفقراء ويحافظ على كوكب الأرض ويخلق الوظائف أم أن المتظاهرين يستعدون من الآن لرفع صراخهم وراياتهم في الجولة القادمة؟! كما قالت «نافي بيلاي» مسؤولة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة: «إن الدول الفقيرة والمتظاهرين بقوا بعيدين عن القمة فقد رأيت كيف أن أولئك الذين كانت القمة بالنسبة لهم أمرًا مركزيًا تجمعوا في الشوارع وحرصت الشرطة على إبقائهم بعيدًا، وهذا مثال حي للإقصاء»!
قرارات القمة:
- تخصيص ٥٠٠ مليار دولار لتعزيز دور صندوق النقد الدولي، وتمكينه من تقديم القروض للاقتصادات المتعثرة.
- رصد مبلغ ٢٥٠ مليار دولار أمريكي لتمويل الخطوات والإجراءات التي من شأنها تعزيز وتنشيط حركة التجارة العالمية.
- تقديم مبلغ ٢٥٠ مليار دولار أخرى الصندوق النقد الدولي كتعزيز لحقوق السحب الخاصة- أو خدمة السحب على المكشوف-التي تمكن الدول من الاقتراض منها.
- تخصيص مبلغ ۱۰۰ مليار دولار المساعدة بنوك التنمية في العالم للتمكن من تقديم القروض للدول الفقيرة.
- إخضاع المرتبات والحوافز والزيادات التي يتقاضاها العاملون في القطاع المصرفي لإجراءات رقابة صارمة ولصيقة.
- إنشاء مجلس عالمي للاستقرار المالي؛ ليعمل مع صندوق النقد الدولي ويكون مسؤولًا عن التأكد من سلامة العمليات المالية العابرة للحدود بين الدول، وتقديم آلية إنذار مبكر للنظام المالي.
- اتخاذ المزيد من إجراءات التنظيم والرقابة على صناديق الاستثمار السيادية والوكالات التي تمنح الائتمان.
- الاتفاق على اعتماد نهج مشترك لتنظيف المصارف من الديون السامة أو المعدومة.