العنوان العرب والأكراد والتركمان تعايشوا في ود وسلام في الماضي.. كركوك.. برميل نفط قابل للاشتعال!
الكاتب كامل الشرقي
تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2005
مشاهدات 66
نشر في العدد 1657
نشر في الصفحة 22
السبت 25-يونيو-2005
العرب والأكراد والتركمان تعايشوا في ود وسلام في الماضي
كركوك.. برميل نفط قابل للاشتعال!
قاسم اتهم البارزاني بأنه ناكر الجميل ومحترف الفتن بعد أن كرمه وأطلق عليه لقب «بطل الثورة الكردية».
المدينة عراقية مفتوحة للجميع.. وتكريدها أشبه بإشعال فتيل في برميل البارود!
مظاهرات تطالب لأول مرة بانفصال كردستان عن العراق وبطرد العرب من مدينة كركوك!!
جماعة قوامها نصف مليون كردي تطالب بحق تقرير المصير.
شهر العسل بين أنقرة والأكراد أوشك على النهاية بسبب قضية كركوك التي تعتبرها تركيا محمية تركمانية.
شكلت قضية كركوك على الدوام الخاصرة الدامية في جسم العلاقات بين الحكومات العراقية المتعاقبة في بغداد والأكراد، حيث اعتبر الأكراد أن مدينة كركوك الغنية بالنفط منطقة كردية، بينما اعتبرت حكومات بغداد كركوك محافظة عراقية غير كردية لأنها تضم خليطًا من السكان العرب والتركمان بالإضافة إلى الأكراد الذين لا يشكلون أكثرية سكان المحافظة، بل يمثلون نسبة 30 ٪ فقط من سكانها.
أما الأكراد فقد اتهموا حكومات بغداد المتعاقبة - وخاصة نظام صدام حسين - بأنها مارست سياسة تعريب كركوك طوال نصف القرن الماضي من أجل تغيير هويتها وطابعها الكردي، ويشيرون إلى أن الإحصاء السكاني لعام 1957 م أظهر أن الأكراد يمثلون 60 % من سكان المدينة.. بينما تقول السلطات الحكومية إن التغيرات الديمجرافية السكانية حدثت في كل محافظات العراق منذ ذلك الوقت، وكركوك ليست استثناء منها.
وكاد الخلاف على كركوك أن يطيح بالمفاوضات التي دارت في عام 1970 م بين صدام والزعيم الكردي مصطفى البارزاني للتوصل إلى حل سلمي للمشكلة الكردية، لكن صدام قدم للزعيم الكردي بذكاء ملعقة دسمة تمثلت بقانون الحكم الذاتي الذي اعترف بالحقوق القومية والثقافية للأكراد لأول مرة في تاريخهم، وسمح بقيام مجالس برلمانية وإدارة محلية لإقليمهم الذي سمي بإقليم كردستان، وضم ثلاث محافظات هي: أربيل ودهوك والسليمانية، والذي مثل انتصارًا كبيرًا للقضية الكردية في العراق قياسًا بوضع أكراد دول الجوار، وخاصة في إيران وتركيا الذين كانوا محرومين من أبسط حقوقهم القومية، وهو الأمر الذي دفع البارزاني إلى أن يضع قضية كركوك على الرف مؤقتًا بانتظار ظرف أفضل لكي لا ينسف ما حصل عليه من حقوق عظيمة.
في بيان 11 مارس 1970 م وخلال مشاركة الأكراد مع البعث في السلطة التي استمرت من عام 1970 م وحتى عام 1974 م فإنهم لم ينسوا قضية كركوك، حيث كانوا يؤكدون في كل مناسبة أن هذه المدينة هي كردية، ويجب أن تنضم إلى إقليم كردستان.
الانتفاضة المسلحة
في أعقاب خرق الأكراد لتحالفهم مع نظام صدام حسين عام 1974 م وصعودهم للجبال حاملين معهم أسلحتهم معلنين البدء بانتفاضة مسلحة جديدة، تدخل شاه إيران فأمد الأكراد بالأسلحة والمساعدات المالية وبالدعم اللوجستي والعسكري، لكن بعد اتفاق صدام حسين مع الشاه على حل خلافاتهما السياسية والحدودية برعاية «الرئيس الجزائري» هواري بومدين في الجزائر عام 1975 م، نفض شاه إيران يده من أكراد العراق فانهار التمرد الكردي خلال أسابيع قليلة، فهرب قادتهم وعلى رأسهم مصطفى البارزاني الذي توجه إلى إيران وبعدها إلى الولايات المتحدة وتوفي فيها.
وفي أعقاب حرب الخليج الثانية عام 1991 م بأشهر قليلة دارت مباحثات سرية بين نظام صدام والحزبين الكرديين الرئيسين اللذين يتزعمهما جلال الطالباني ومسعود البارزاني، وكان من جملة العقبات الرئيسة التي حالت دون التوصل إلى اتفاق بين الجانبين.. مطالبة الطرف الكردي بضم كركوك إلى منطقة الحكم الذاتي الكردية، هذه العلاقة المتشنجة التي طبعت على الدوام علاقات الأكراد مع حكومة بغداد شجعت على دخول أطراف أجنبية على الخط لتصفية حساباتها مع حكومة بغداد أو لتحقيق أهداف استراتيجية تخدم مصالحها من خلال استغلال القضية الكردية لإنهاك العراق وإشغاله واستنزافه اقتصاديًا وبشريًا.
الصهاينة والأكراد
كان الصهاينة قد سبقوا الشاه في التدخل في الشأن الكردي، فأقاموا علاقات مع مصطفى البارزاني منذ الستينات، وقدموا له المشورة العسكرية والأسلحة، ودربوا قادة فصائل البيشمركة الكردية، وأقاموا مركز اتصال لهم في شمال العراق، وهذه العلاقة كشفتها الصحافة العبرية فيما بعد، وكان مصطفى البارزاني قبلها لاجئًا سياسيًا في الاتحاد السوفييتي بعد هروبه من العراق إثر فشل ثورته الكردية خلال العهد الملكي، لكن بعد انقلاب 14 يوليو 1958 م دعاه عبد الكريم قاسم للعودة إلى العراق، حيث استقبله استقبال الأبطال لدى عودته وكرمه وأطلق عليه لقب «بطل الثورة الكردية» لكن شهر العسل لم يدم طويلًا بين الاثنين، فسرعان ما أعلن البارزاني ثورته الكردية الثانية عام 1961 م بعدما فشل في إقناع عبد الكريم قاسم بإعطاء الأكراد، حكمًا لا مركزيًا في المحافظات الشمالية، واندلعت المواجهات المسلحة مرة أخرى بين الجيش العراقي والمتمردين الأكراد بعد أن وصف عبد الكريم قاسم الزعيم الكردي مصطفى البارزاني بناكر الجميل ومحترف الفتن!
لكن موضوع القضية الكردية لم يكن بهذا التبسيط الذي حاول قاسم وصف البارزاني به، فالأكراد كانت لهم مطالبهم الواضحة آنذاك، والتي تتمثل بالاعتراف بهويتهم القومية ومنحهم إدارة لا مركزية لمحافظاتهم الكردية، ومن بينها كركوك، وقد ظل التمرد الكردي مشتعلًا في شمال العراق تارة يتقد وتارة يخبو حتى مجيء حكومة عبد الرحمن البزاز عام 1996 م، حيث اتفق مع «زعيم التمرد» البارزاني على منحهم جزءًا مما طالبوا به فتوقف القتال، لكنه كان اتفاقًا لالتقاط أنفاس أقرب منه إلى حل يرضى به الأكراد التي كانت مطالبهم واضحة باعتبار كركوك محافظة كردية، وكان ذلك المطلب يتقدم على مطالبهم الأخرى.
التحالف مع الشيطان
يقول الباحث في الشأن الكردي الدكتور جاسم الساعدي الذي ألف كتابًا حول القضية الكردية بعنوان «أكراد العراق.. إلى أين؟»: إن الأكراد - وفي سبيل تحقيق مصالحهم - كانوا مستعدين للتحالف مع الشيطان، ولهذا تعاونوا مع الكيان الصهيوني ومع تركيا وإيران، ورغم أن الأكراد يعيشون في وضع مأساوي في هذين البلدين على عكس العراق الذي تبوأت شخصيات كردية مرموقة مواقع بارزة في الدولة العراقية خلال تاريخها الحديث، حيث تولوا مناصب، مثل وزارات الداخلية والدفاع ورئاسة أركان الجيش وقادة فرق عسكرية ورؤساء برلمان ومحافظين لمحافظات غير كردية وغيرها من مواقع الدولة المهمة، ولهذا كانت تحالفاتهم مع هذه القوى الخارجية هي أكبر خطأ يرتكبونه، لأن هذه الدول لم تساعدهم لسواد عيونهم أو حبًا بالشعب الكردي بل لغايات وأهداف سياسية تتمثل في الضغط على العراق وإشغاله واستنزافه، وعندما تتغير الأهداف يسحبون يدهم بنفس السرعة التي مدوها إليهم.. واتفاقية الجزائر عام 1975 م بين العراق وإيران مثال واضح على ذلك، ويضيف الدكتور الساعدي قائلًا: «يبدو أن الأمريكان يدعمون بالسر مطالبة الأكراد لكركوك كجائزة يقدمونها لهم تقديرًا لموقفهم المساند لهم خلال حربهم الأخيرة ضد صدام حسين»!
ويؤكد الدكتور الساعدي أن قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت الذي تمت صياغته قد ثبت الحدود للدولة الكردية القادمة من خلال قانون الفيدرالية، وأن مسألة إقامة الدولة الكردية هي مسألة وقت، وما المطالبة بكركوك - كي تكون عاصمة لإقليم كردستان إلا تهيئة لهذا الأمر، حيث إن القادة الأكراد يعرفون حق المعرفة أنه بدون كركوك الغنية بالموارد النفطية لا قيمة لدولتهم الكردية القادمة الفقيرة بالموارد الطبيعية.
المطالبة بالانفصال
وفي الأسابيع القليلة الماضية نظمت الأحزاب الكردية في المدينة تظاهرة طالبت لأول مرة بانفصال كردستان عن العراق وبطرد العرب من مدينة كركوك!! ويبدو أن ما كان محظورًا بالأمس أصبح مطلوبًا اليوم، حيث بدأت تتسع ظاهرة المطالبة بحق تقرير المصير للأكراد، وتأسست في كردستان جمعية قالت: إن عدد أعضائها يبلغ أكثر من نصف مليون كردي يطالبون بحق تقرير مصير الشعب الكردي نظموا مسيرة كبرى في أربيل تطالب بهذا الحق! ورغم أن زعماء الأحزاب الكردية الرئيسة يؤكدون أنهم لا يرغبون في الانفصال عن العراق، وأنهم يؤمنون بوحدة العراق، وأن مثل هذه الحركات التي تطالب بتقرير المصير هي جزء من الحرية الواسعة التي يتمتع بها شعبنا الكردي والديمقراطية التي يمارسها والتي لا يمكن أن نقف أمامها، وأن حق تقرير المصير أمر طبيعي للشعوب التي عانت من القهر والقمع والاضطهاد مثلما عانى الشعب الكردي، إلا أن العديد من زعماء الأكراد لا يخفون أنهم يحلمون بإقامة دولتهم المستقلة، بل بكردستان الكبرى على أن ينضم إليهم أكراد تركيا وإيران وسورية.
موقف الحكومة
في الوقت نفسه ردت الحكومة العراقية المؤقتة بخجل على الدعوات بطرد العرب من كركوك، وقالت: إن من حق العراقي أن يسكن في أي منطقة ما دام العراق هو وطنه.. وفي الزيارة الأخيرة التي قام بها مسعود البارزاني إلى أنقرة تحدث عن كردية كركوك، وذهب إلى أبعد من ذلك بأن قال: «إننا مستعدون للقتال من أجل ذلك لأن كركوك بالنسبة لنا هي أشبه بالقلب في الجسم!».
وقد حذفت الصحيفة الكردية «التأخي» الناطقة باسم حزب البارزاني العبارة التي تقول: «بأننا مستعدون للقتال من أجل ذلك» لعدم إثارة الحساسية في الشارع العراقي الذي يعارض قسم كبير منه الفدرالية للأكراد.
شهر العسل بين أنقرة والأكراد أوشك على النهاية على خلفية قضية كركوك، فقد أعرب وزير الخارجية التركي عبد الله جول أن بلاده مستعدة للذهاب إلى أبعد مدى للتدخل من أجل حماية التركمان في كركوك أو تغيير هوية المدينة، ومثلما هدد الأتراك يوقف تعاونهم العسكري مع الولايات المتحدة خلال أحداث مدينة تلعفر التي تسكنها جالية تركمانية كبيرة، أكد كافة السياسيين الأتراك - على اختلاف انتماءاتهم السياسية - أن كركوك تأتي في مقدمة اهتمامات تركيا، وأنها خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
مدينة للقوميات
من جانبه أكد الشيخ سليمان بيك «رئيس عشيرة البيات التركمانية في كركوك» أن كركوك تسكنها ثلاث قوميات رئيسة، وهم: العرب والأكراد والتركمان، وطالما تعايشوا في ود وسلام في الماضي، لذا لا يمكن تغليب قومية على أخرى، فيجب أن تكون كركوك مدينة عراقية مفتوحة للجميع، وأن ما تسعى إليه الأحزاب الكردية في سياسة تكريد المنطقة هو أشبه بإشعال الفتيل لبرميل البارود الذي نجلس عليه جميعًا، ويدعو الشيخ سليمان الحكومة العراقية إلى عدم الوقوف ساكنة أمام الدعوات الكردية خوفًا من الإئتلاف الهش الذي تشكله، ويقول: «إن قضية كركوك هي قضية وطنية تهم كافة أبناء الشعب العراقي ولا يجب أن تسكتنا المصالح الوقتية على القضايا الوطنية الكبرى» وأضاف: «ألم يكتف الأكراد بما حصلوا عليه الآن من فيدرالية والمشاركة في السلطة المركزية بسبع حقائب وزارية مهمة وبمنصب رئيس الجمهورية، بينما التركمان مهمشون في هذه التركيبة» !.
إن كركوك ستبقى بمثابة برميل نفط قابل للإنفجار، في أية لحظة في ظل تدفق استمرار الهجرة الكردية على المدينة، ما لم تتحرك الحكومة العراقية والفعاليات والأحزاب السياسية العراقية لكبح جماح الدعوات الكردية التي تصاعدت بعد ما لمست سكونًا وصمتًا يثير الدهشة من قبل الجهات الرسمية والقوى الفاعلة العراقية الأخرى التي وقفت متفرجة على ما يجري في كركوك من سياسة تكريد منظمة لتغيير الهوية الديمجرافية للمدينة، باستثناء بعض الدعوات المهمة والخجولة لبعض الشخصيات السياسية حول وحدة مدينة كركوك، والشراكة
القومية فيها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل