العنوان كشف الحساب الإعلامي.. الحركة الإسلامية في مواجهة الطغيان الإعلامي
الكاتب محمد أحمد نصر
تاريخ النشر السبت 18-يناير-2003
مشاهدات 50
نشر في العدد 1535
نشر في الصفحة 66
السبت 18-يناير-2003
لا يمكن لأي مراقب، محايداً كان أم خصماً للحركة الإسلامية، إنكار أنها ظلت ملء السمع والبصر، منذ أكثر من ربع قرن. وإذا استعرضنا ما نشر وأذيع في عدد كبير من وسائل الإعلام المختلفة فسوف نكتشف أن الحركة الإسلامية المعتدلة (الإخوان على وجه الخصوص) حظوا بمساحات إعلامية لم يحظ بها غيرهم من القوى السياسية.
ولنسترجع بسرعة أبرز قضايا وأحداث ربع القرن الماضي بدءاً بخروج الرموز الإخوانية من سجون عبد الناصر وحتى الآن لنرى كيف فرضت الحركة الإسلامية نفسها على وسائل الإعلام سواء المعادية أو المحايدة:
- انتشر المد الإسلامي في الجامعات المصرية وتمت إزاحة السيطرة التقليدية للشيوعيين واليساريين وبقايا التنظيم الطليعي وكان سعي قيادات الإخوان لتوريث الدعوة للأجيال الجديدة، حديث وسائل الإعلام المختلفة منذ ذلك الحين.
- تزايد التأثير بعيد ما سمي بمبادرة السلام أي منذ عام ۱۹۷۷ وتوقيع معاهدة كامب ديفيد ثم بداية التطبيع الرسمي المصري مع العدو الصهيوني، فقد كان الإخوان على مستوى الشارع والجامعات والنقابات ثم البرلمان في قلب الحركة المصرية المناهضة للتطبيع.
- أدى حادث اغتيال السادات لجذب الأنظار أكثر نحو الإخوان باعتبارهم القوة الإسلامية الكبرى التي ترفض العنف وتدينه مقابل أولئك الذين اغتالوه.
- شهد الرئيس مبارك بنفسه أن الإخوان لم يكن لهم علاقة البتة بحادث الاغتيال، وبرغم ذلك فقد امتنع عن استقبال قيادة الإخوان ضمن المفرج عنهم من القيادات التي كان السادات اعتقلها في 5 سبتمبر عام ١٩٨١، ولا شك أن هذا قد لفت الأنظار وأثار دهشة الرأي العام.
- أدى قرار الإخوان الاستراتيجي في بداية الثمانينيات بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية والمحلية جنباً إلى جنب مع الاتحادات الطلابية والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية أدى إلى فرض وجودهم وتأثيرهم على الشارع السياسي، وتكفي الإشارة السريعة إلى أن كل القوى الحزبية والمستقلة في أي انتخابات جرت في مصر كانت إما حريصة على خطب ودهم، أو أن تعمل لهم ألف حساب، وقد تفتقت أذهان جهات الأمن والإعلام عن وسائل جهنمية لمقاومتهم أثناء الحملات الانتخابية، إلا أن ذلك كان مبعثاً لمزيد من التعاطف الشعبي معهم.
- كانت جنازة المرشد الثالث عمر التلمساني- يرحمه الله- من حيث التنظيم وأعداد الأعضاء الذين حضروها حدثاً إعلامياً، ثم ساعدت حملات الإعلام الحكومي فيما يتعلق باختيار المرشد الجديد إذ ذاك على لفت الأنظار إلى شؤون الجماعة. (حدث الشيء نفسه تقريباً عند وفاة المرشد الرابع ثم الخامس يرحمهما الله).
- تناقل إسلاميو بلاد عربية أخرى الخبرات على صعيد الانتخابات باعتبارها عملاً دعوياً على النطاق السياسي الإصلاحي.
- أدت انتفاضة الفلسطينيين الأولى في عام ۱۹۸۷ والحالية التي اندلعت في سبتمبر عام ٢٠٠٠ إلى المزيد من لفت الأنظار والاحترام للحركة الإسلامية، فقد كانت تلك الحركة هي المنبع الفكري والسند الأكبر لهاتين الانتفاضتين.
- ومع تزايد القبول الشعبي على الساحة المصرية، مترافقاً مع تزايد وتيرة الرفض والمقاومة للتطبيع الرسمي ولاتفاقيات أوسلو (خاصة من جانب الحركة الإسلامية الفلسطينية)، كان لا بد من ضرورة تحجيم الحركة ومن ثم لجأ النظام إلى أسوأ ما في جعبته أي المحاكمات العسكرية منذ العام ١٩٩٥، وبدأ الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية معاً عمليات إبعاد واعتقال وتعذيب واغتيال عناصر من قيادات حماس والجهاد الإسلامي وسط ترحيب وتشجيع غير معلن أو صمت مطبق من كثير من النظم العربية والإدارة الأمريكية التي تصدع الرؤوس بمزاعم الدفاع عن حقوق الإنسان.
ولا شك أن تزايد الظلم والعدوان والتشويه الذي تتعرض له الحركة الإسلامية يؤدي لرد فعل متعاطف من جانب الرأي العام، صحيح أن هذا التعاطف لا يترجم جماهيرياً في سلوك ظاهر بسبب الخوف من البطش إلا أنه مع أول سانحة تسنح للجماهير كي تعبر عن هذا التعاطف بلا خسائر مادية أو معنوية فإنها لا تتوانى في تأييد الإسلاميين والنموذج الأبرز في ذلك هو العملية الانتخابية سواء كانت في قطاعات الطلاب أو المهن أو المحليات أو الانتخابات البرلمانية.
والخلاصة أن المراقب المحايد لو بحث في أرشيف وسائل الإعلام المصرية والعربية والعالمية المتعاملة مع المنطقة، لاكتشف أن الإخوان بطريقة أو أخرى كانوا يفرضون أنفسهم على الصفحات الأولى أو الموضوعات الرئيسة بأفعالهم ومواقفهم وحتى بالظلم الذي يقع عليهم (المحاكمات العسكرية، وحملات الاعتقال والتعذيب التي تسبق كل انتخابات عامة أو بدايات الأعوام الدراسية... إلخ ).
لكن...
لم تشهد مدة الخمس والعشرين سنة- التي برز فيها الإسلاميون المعتدلون- امتلاكهم لوسيلة إعلامية قوية خاصة بهم، بالطبع هم حاولوا من جانبهم كسر الحصار الإعلامي المفروض عليهم، لكن محاولاتهم العديدة لم تفلح في تحقيق ملكيتهم لأي أداة إعلامية ذات وزن.
هناك فترات نجحت فيها الحركة بقدر محدود في عقد صفقة هنا أو هناك مع حزب سياسي أو صحيفة حزبية أو شبه مستقلة، لكن هذه وغيرها لا يمكن مقارنتها من حيث التوزيع والحجم مع الصحف الرسمية الكبرى وجهازي الإذاعة والتلفاز.
إذن فتجربة الوجود الإعلامي القوي للحركة الإسلامية على ساحة الرأي العام لا تتوقف على امتلاك وسائل إعلام قوية بقدر ما تتوقف على القدرة على التفاعل مع المجتمع، وعلى الفعل السياسي الإيجابي المدروس والملتزم بأخلاقيات وضوابط الشريعة، وأيضاً سوء استخدام الخصم للسلطة، ولجوئه لأدوات القمع والإعلام الموجه الفاقد للمصداقية.
إن الفعل السياسي الإيجابي للحركة الإسلامية- أياً كان- يدفع كل وسائل الإعلام للجري وراءه، وإذا تجاهلته وسيلة إعلامية لا يمكن لوسائل أخرى حتى المعادية أن تتجاهله وإذا عتمت عليه أو حرفته واحدة فسيكتشف الرأي العام وسط المنافسات الإعلامية الحامية هذا التعتيم أو التشويه وسيرتد ذلك على فاعليه بفقدان المصداقية وعدم الثقة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل