العنوان كشمير تحترق.. القصة من بدايتها
الكاتب محمد علي غوري
تاريخ النشر الأحد 01-سبتمبر-2019
مشاهدات 62
نشر في العدد 2135
نشر في الصفحة 42
الأحد 01-سبتمبر-2019
الإسلام دخلها في القرن الثامن الهجري وأصبح المسلمون أغلبية بها وصارت جزءاً من الدولة الإسلامية لقرنين
المسلمون حكموا الهند 8 قرون والهندوس لم يتخيلوا أن يحكمهم غير مسلم لما شهدوه من تطور
المودودي: السياسيون البريطانيون هم من أوجدوا مشكلة كشمير
بناء على اتفاق استقلال الهند عن بريطانيا من حق كشمير الانضمام لباكستان لأن غالبية سكانها مسلمون
إمعاناً في الظلم منعت الهند الاحتفال بعيد الأضحى الماضي وأغلقت المرافق وقتلت الكشميريين المعترضين
د. محمد علي غوري
أستاذ بالجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد
تتميز كشمير بطبيعة خلابة، حيث المناطق الجبلية الساحرة، كما تتميز بالأمطار الغزيرة التي تزيد من خصوبتها وجمالها، وموقعها الإستراتيجي المهم، حيث تحدها الصين من الشرق والشمال الشرقي، وباكستان من الغرب والجنوب الغربي، والهند من الجنوب، وتشترك مع أفغانستان في بعض حدودها.
وتوجد بها أعلى السلاسل الجبلية، مثل جبال «القراقرم» التي يبلغ ارتفاعها أكثر من 8 آلاف متر، وجبال «الهملايا»، وفي الشمال الغربي توجد جبال «الهندوكوش» الشاهقة، وبين هذه الجبال يوجد واديان؛ وادي كشمير، ووادي جامو، ويطلق اسم كشمير اليوم على هذين الواديين، ولجمال كشمير سميت بـ»جنة الأرض»، وقد قال عنها السلطان «أكبر»، الإمبراطور المغولي: إنها جنة الأحلام، لذلك كانت كشمير هدفاً لكثير من الغزاة على مر التاريخ، مثل التتار والمقدونيين والمغول والهنود.
دخل الإسلام الهند في القرن الهجري الأول، ودخل إلى هذه الربوع اليانعة في القرن الهجري الخامس عن طريق العلماء والدعاة والتجار، إلا أن الحكم الإسلامي فيها لم يبدأ إلا في القرن الثامن للهجرة/ الرابع عشر الميلادي، حين دخل حاكم كشمير البوذي واسمه «جياليورين» الإسلام، فكان أول حاكم كشميري يعتنق الإسلام، وأسلم معه جميع أفراد أسرته وأقربائه، وسمى نفسه «صدر الدين»، وترتب على ذلك أن دخلت الإسلام أعداد غفيرة من الشعب الكشميري الذي كان موزعاً بين البوذية والهندوسية، ومع مرور الزمن أصبح المسلمون أغلبية في هذه المناطق، وصارت كشمير جزءاً من الدولة الإسلامية على مدى قرنين من الزمان، حيث حكمها ولاة تعيّنهم حكومة أفغانستان الإسلامية.
حكم المسلمون الهند لمدة ثمانية قرون، حتى إن الهندوس لم يتخيلوا أن يحكمهم حاكم غير مسلم؛ فقد شهدت البلاد في تلك العصور الذهبية تطوراً ملموساً، يشهد على ذلك تلك الآثار العظيمة التي خلفوها في جميع أنحاء الهند، التي يفتخر بها كل الهنود على اختلاف أديانهم وأجناسهم إلى اليوم.
استمر حكم المسلمين للقارة الهندية حتى جاء الاستعمار البريطاني، واستطاع بدهاء ومكر أن يستولي على أجزاء كبيرة من الهند، أولاً عن طريق شركة الهند الشرقية وذلك بشراء الأراضي، ثم عن طريق القوة العسكرية حين أحكمت قبضتها على أغلب مناطق الهند، وامتدت يدها إلى كشمير، فاستولت عليها في عام 1839م، وإمعاناً في خبثها أبرمت بريطانيا مع أسرة «دوغرا» الهندوسية معاهدة عرفت باسم «أمرتسر»، باعت موجبها كشمير إلى هذه الأسرة مقابل سبعة ملايين ونصف مليون روبية لمدة مائة عام تنتهي في عام 1948م، حيث باع من لا يملك لمن لا يستحق! لذلك قال المفكر أبو الأعلى المودودي: «إن السياسيين البريطانيين هم من أوجدوا مشكلة كشمير».
اضطهاد المسلمين
توالت 28 حكومة هندوسية على الحكم في كشمير، لم يكن من بينهم مسلم واحد، وحين تولى المهراجا «غلاب سنغ» الحكم في كشمير ازداد الظلم والاضطهاد، فلم يكن يسمح بتولي المسلمين أي وظائف مدنية أو عسكرية، وفرضت على الشعب الكشميري المسلم ضرائب قصمت ظهورهم، وقيود كثيرة حتى في عباداتهم، ومُنع المسلمون من ذبح الأبقار حتى في عيد الأضحى، ومن يتجرأ على ذلك يتم إعدامه، وقد خُفف هذا القانون الجائر في عام 1934م إلى السجن لمدة عشر سنوات مع الأشغال الشاقة –علماً أن الهند تعتبر من أكبر الدول تصديراً للحم البقر في العالم- كما كان المسلمون محرومين من حمل أي سلاح، وإذا أسلم هندوسي تصادَر أمواله، ويُؤذَى، ويُضيَّق عليه في الرزق، وإذا ارتد مسلم فإنه يلقى ترحيباً رسمياً كبيراً ومعاملة فيها الكثير من الاحترام.. هكذا عاشت الأغلبية المسلمة تحت اضطهاد أقلية هندوسية غاصبة محتلة تؤازرها القوات الهندية المسلحة التي زاد عددها اليوم على 900 ألف جندي.
وفي عام 1947م، استقلت الهند عن بريطانيا، وانفصلت باكستان عن الهند على أساس ديني محض، فتم الاتفاق على أن المناطق ذات الأغلبية المسلمة تنضم إلى باكستان، والمناطق ذات الأغلبية الهندوسية تنضم إلى الهند، وهكذا تشكلت باكستان، وكان من حق كشمير أن تنضم إلى باكستان؛ لأن غالبية سكانها من المسلمين (نسبتهم آنذاك أكثر من 90%)، ولكن الهند رفضت ذلك لما لكشمير من أهمية إستراتيجية، ولأنه يمكن التحكم في مياه باكستان عن طريقها بسهولة.
ومن الجدير بالذكر هنا، أن الأنهار التي تجري في باكستان كلها تنبع من كشمير، لذلك وصف «محمد علي جناح»، مؤسس باكستان، كشمير بأنها الشريان الرئيس لباكستان، وهناك ملاحظة أخرى جديرة بالذكر؛ وهي أن كشمير متصلة بباكستان اتصالاً طبيعياً، وأما الهند فتفصلها عن كشمير جبال شاهقة يصعب عليهم قطعها والوصول إليها براً، وكأن الله قدر أن تكون كشمير جزءاً من باكستان قبل أن يصبح بها أهل كشمير الذين يرفعون اليوم شعارات تقول: «كشمير ستصبح باكستان».
ظهر في كشمير حزبان، رعت الهند أحدهما فكان موالياً لها وهو حزب «المؤتمر الوطني»، وحزب آخر اسمه «المؤتمر الإسلامي»، كان يرى أن الجهاد هو الحل المناسب لقضية كشمير، واستطاعت الهند عن طريق الحزب الموالي لها أن تضم كشمير إليها.
الدور الأممي المتواطئ
بعد رفض الهند انضمام كشمير إلى باكستان، حسب الاتفاق الذي بموجبه تم انفصال باكستان عن الهند، قامت حرب بين البلدين استمرت عاماً كاملاً، وحين رأت الهند تفوق باكستان عليها بسبب انضمام رجال قبائل شمال باكستان (الباتان) إلى الجيش الباكستاني، وأنها تكبدت خسائر كبيرة من جراء تلك الحرب، لجأت إلى الأمم المتحدة تستنجدها لتوقف القتال، فدخلت قوات دولية إلى المنطقة ونجحت في وقف إطلاق النار بين البلدين، بموجب قرار من الأمم المتحدة.
كما أصدرت الأمم المتحدة قراراً بإجراء استفتاء شعبي حر يقرر فيه شعب كشمير مصيره، ويقول كلمته فيما إذا كان يريد الانضمام إلى الهند أو إلى باكستان، فتم تنفيذ الجزء الأول من القرار؛ لأنه كان في صالح الهند، فتم وقف إطلاق النار، وانتشرت القوات الدولية في المنطقة، ولكن لم يتم تنفيذ الجزء الثاني من القرار وهو الخاص بإجراء استفتاء شعبي يقرر بموجبه الشعب الكشميري مصيره، وأخذت الهند تماطل رغم مناشدة باكستان الأمم المتحدة بتنفيذ ما قررته، ولكنها وجدت صلفاً وتعسفاً من قبل الهند، وتجاهلاً متعمداً من قبل الأمم المتحدة، وصمتاً مريباً من قبل المنظمات الإنسانية الدولية، ويضاف إلى ذلك تخاذل الدول الإسلامية وبعض الحكومات الباكستانية جرياً وراء مصالحها الخاصة مع الهند، ولم تكتف الهند بذلك، بل خالفت كل المعاهدات التي أبرمتها مع باكستان، ومنها معاهدة «شملة».
نشبت حتى الآن حربان بين الهند وباكستان على كشمير، أولاهما عام 1948م وانتهت في عام 1949م؛ أي بعد قيام دولة باكستان بعام واحدة فقط، نتج عنها تحرير جزء من كشمير يقدر بثلث مساحتها، ويطلق عليه الآن في باكستان اسم «كشمير الحرة»، وأصبحت ولاية من ولايات باكستان، أما الجزء الخاضع لسيطرة الهند فيطلق عليه اسم «كشمير المحتلة»، وهذا الجزء تمارس فيه الهند ألواناً من الظلم والاضطهاد، معتمدة على قواتها المنتشرة كل أنحاء كشمير، أما الحرب الثانية فكانت في عام 1965م.
وفي الخامس من أغسطس الماضي، أعلنت الهند فجأة إلغاء المادة (370) من الدستور، التي كانت بموجبها تتولى الشؤون الخارجية والدفاع والمواصلات في كشمير، ولم تمنح الولاية إلا جزءاً يسيراً من الاستقلال، والآن ألغيت هذه المادة، وانتهى الاستقلال الجزئي الذي كانت الولاية تتمتع به، وأصبحت كشمير ولاية كبقية الولايات الهندية الأخرى، ولم تكتف بذلك، بل أعلنت حالة الطوارئ فيها، وقطعت كل اتصال للعالم بها.
وإمعاناً في الظلم، منعت كل أنواع الاحتفال بعيد الأضحى المبارك، وأغلقت المحلات والأسواق والمدارس والمساجد، وقتلت وجرحت العديد من أبناء الشعب الكشميري الذي انتفض ضد هذا الطغيان المفروض عليه بالحديد والنار؛ حتى قلَّ الطعام والدواء وحتى حليب الأطفال، والشعب الكشميري الأعزل الآن محروم من أبسط أنواع الحقوق الإنسانية، وهو يناشد باكستان والعالم الإسلامي والنخوة الإنسانية وضمير العالم وقف سيل الدماء في كشمير، وإطفاء النار التي تحرقها.
لا تتحدى الهند -في الحقيقة- الكشميريين، ولا تتحدى باكستان فقط، وإنما تتحدى المسلمين جميعاً؛ بمحاربتها الإسلام وشعائره في كشمير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل