العنوان كلمات لها صدى - العروبة والإسلام
الكاتب الشيخ حسن البنا
تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2005
مشاهدات 59
نشر في العدد 1657
نشر في الصفحة 44
السبت 25-يونيو-2005
«هناك كلمات تظل - رغم تباعد الزمان - ذات صدى طيب فتنفذ إلى أعماق الواقع وتعالج علله.. ومنها الكلمات التي خطها الشيخ حسن البنا يرحمه الله قبل سبعة وخمسين عامًا، تمثل نموذجًا على ذلك».
قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (سورة الزخرف: 44).
نزل القرآن الكريم عربيًا، واختير نبي الإسلام العظيم عربيًا، وفي هذا الدين الإسلامي معنى من معاني العروبة الخالصة: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ (سورة الشعراء: 192,193,194,195)، ففعل في نفوس الأمة العربية فعل السحر، وصقل جواهر الخلق الحر من نفسها، فجعل استقلالها ثورة على الخرافة، وجهادها حربًا على الباطل، وشجاعتها نصرة في جانب الحق، وكرمها وسخاءها بذلًا في سبيل الله العلي الكبير.
وامتد بذلك رواق العروبة الصريحة من قلب الجزيرة حتى بلغ قرني الدنيا، واستظلت به أمم وشعوب لم تكن تدري ما الكتاب ولا الإيمان، واتسع بذلك معنى العروبة، وانتقل الدم العربي الصافي إلى عروق كريمة فارت به وغلا فيها حتى حول كل شيء يتصل بحياتها عربيًا خالصًا، فلم تصبح الأمة العربية هذه الآلاف التي تضمها رمال الصحراء وتحجبها حدود الجزيرة، ولكنها صارت ثمانين مليونًا من فلذات كبد الإنسانية تحتل قلب الدنيا من الخليج إلى المحيط الأطلسي بعد مراكش، ويظاهرها ويمدها ثلاثمائة مليون من المسلمين، يفكرون بعقلها ويشعرون بوجدانها ويؤمنون بالوحدة القوية الحقيقية التي تربطهم بها، ويعتقدون أن قوتها قوة لهم وضعفها ضعف لهم، وأن المصلحة العامة - إلى جانب العقيدة الروحية - قد جعلت من الجميع أمة واحدة.. مشتركة الآلام والآمال.
وكان من عجيب صنع الله لهذا الإسلام أن ضمنه معنيين كريمين عظيمين:
أولهما: أن جعله رسالة المبادئ الإنسانية السامية التي لا يقوم أمر السماوات والأرضين ومن فيها إلا عليها: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ (سورة المؤمنون: 71).
فهذا الإسلام يدعو أول ما يدعو إلى الربانية وحسن الصلة بالله، ثم إلى الإنسانية والتسامي بحقيقة الإنسان، ثم إلى العالمية وتأكيد معنى الأخوة والرحمة والصلة بين الناس، وكل ما جاء به من فرائض ونوافل وعبادات وأعمال وأقوال وأحكام، إنما يقصد به تثبيت هذه المعاني العليا في نفوس الناس حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
وثانيهما: أن هذا الدين العالي قد أسس على معانٍ من التسامح والسعة والصفح والغفران تجعله أمنًا وسلاماً أو قسطًا ومعدلة مع الذين لا يؤمنون به ولا يدينون له، ففرض على أتباعه أن يؤمنوا بكل نبي سبق، وبكل كتاب نزل، وهو يثني على الأنبياء والكتب والحواريين والرسل والأمم التي سبقته والمؤمنين ممن تقدموه، ويدعو المؤمنين به إلى أن ينهجوا نهجهم ويأخذوا أخذهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾ (سورة الصف: 14).
والمسلم يرى في كتابه هذه المعاني واضحة لا لبس فيها ولا غموض، فهو يقرأ عن موسى عليه السلام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (سورة الأحزاب: 69)، وعن توراة موسى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (سورة المائدة: 44)، وعن شعب موسى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الجاثية: 16).
كما يقرأ عن المسيح عليه السلام: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (سورة آل عمران: 45,46)، وعن إنجيل عيسى: ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (سورة المائدة: 46)، وفي شعب عيسى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (سورة المائدة: 82)، يقرأ مثل هذا الثناء على الأنبياء السابقين جميعًا والكتب السابقة كلها: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ (سورة البقرة: 285).
ولا يقف هذا الدين الإسلامي الحنيف عند هذا الحد.. بل يفتح باب التعاون العملي والاتصال العقلي بين المسلمين وغيرهم من المخالفين لهم فيقول: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (سورة المائدة: 5)، وانظر إلى مدى التسمية هنا حتى في العبارات.. لترى كم كان هذا الدين ساميًا متساميًا راغبًا أشد الرغبة في تمهيد الطريق للتعاون والامتزاج والاتحاد.
وبهذين المعنيين استطاع الإسلام أن يقدم للدنيا حضارة تقوم على الفضائل النفسانية والعزائم العملية، وأن يقيم في التاريخ إمبراطورية لم يمنعها اختلاف الأجناس والعقائد أن تكون مثال العدالة والتسامح.
ومن هنا كان على العرب جميعًا مسلمهم وغير مسلمهم أن يعتزوا بالإسلام، ويفخروا به ويشيدوا بذكره، ويتعصبوا له، وأن يعتبروا ثقافته وتشريعه وحضارته هي اللون الأساسي الذي يجب أن تصطبغ به حياتهم العملية، فأما المسلمون فلأنه دينهم وعقيدتهم، وأما غير المسلمين فلأنه ميراثهم وقوميتهم ومفخرتهم الخالدة ومعجزتهم الباقية، وصدق الله العظيم:﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (سورة الزخرف: 44)، ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ (سورة الأنبياء: 10).
نكتب هذه بمناسبة ما يتردد كثيرًا من وجوب إبعاد المعاني الإسلامية عن كل ما يتصل بالأوضاع العامة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل