العنوان كلنا مسؤولون عن فلسطين
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 27-أبريل-2002
مشاهدات 65
نشر في العدد 1498
نشر في الصفحة 34
السبت 27-أبريل-2002
مع اشتداد الأزمة يشتد التساؤل من منا المسؤول، وغالباً ما يتم تدافع المسؤولية وإلقاء التبعة على الآخر.
لسنا متشائمين، كما أننا لن نكون مغالين إن الوعي بالمسؤولية، أخذ خطه البياني بالتصاعد مع تطاول الزمن، وتقادم الجراح، وصار النقد الذاتي ينحو شيئاً فشيئاً منحى سليماً غير المنحى القديم... جلد الذات المازوكي، مع تفاوت بين الناقدين، لكننا لم نصل بعد إلى المستوى المطلوب.
إن أول مظاهر الصحة في فهم المسؤولية. اعتماد الشعب الفلسطيني الشقيق على نفسه بعد الله تعالى، وهذه هي الخطوة الأولى، وليست الأخيرة لذلك لن نتحدث عن توزع حصص المسؤولية في فلسطيننا المحتلة، لأن أهلنا هناك قد كفونا هذه المؤونة، ولم يبق إلا أن تتساءل عن دورنا نحن العرب والمسلمين خارج فلسطين. وفي دول الطوق أو الرباط وبقية الأقطار.
أعلى الأصوات اليوم هو تحميل الأنظمة الحكام المسؤولية أولاً، والعلماء أو قادة الرأي والفكر والأحزاب ثانياً، وهذا التوجه. على صحته، حين يعلن بتعميم وإطلاق، ثم استسلام للراحة من عناء البحث عن بقية أطراف المعادلة كلها، أو عن كيفية إصلاح هؤلاء الحكام والقيادات أو تغييرها، لأنها ليست قدراً أبدياً، هذا التوجه التسطيحي في التعويم أصبح في. حد ذاته مرضاً أخر مزمناً، ينضاف إلى ! أمراضنا.
أولاً : أليست الأنظمة والقيادات منا؟
ثانياً: وإذا كانت مفروضة علينا فرضاً قسرياً، أليس لنا دور ما في الرفض والتغيير والمعارضة بأنواعها.
ثالثاً: وعلى الرغم من عظم المسؤولية الملقاة على عاتق الأنظمة والقيادات أليس بوسعنا.. نحن الأفراد والجماعات تقديم شيء ما في هذه المعركة المصيرية الطاحنة الطويلة الأمد، بدءاً بالاهتمام ، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم مرورا بالتعبير والتبرع بالقرش والدم.
وانتهاء بتوظيف المتاح من الإمكانات والمواقع التي نشغلها في سلم المجتمع والدولة، وما أكثرها؟!
إن الذي يحدث في فلسطيننا المحتلة درس لكل فرد وجماعة ونظام والعاقل من اتعظ بغيره فكيف بأخيه، والدور عليه؟!
مما لا يغيب عن الدارسين والمحللين أن الصراع في الأرض المحتلة، هو مدرسة لصهر الأمة ولإعادة تشكيلها من جديد بريئة من حب الدنيا، وزيف الشعارات وإرهاب الآلة الحربية العمياء، وغطرسة الباطل المدجج بالسلاح الأصم.
لا يغيب عن هؤلاء أن شعب فلسطين غير الهنود الحمر الذين أبادتهم العصابات الأنجلوسكسونية الأمريكية في غفلة من العالم يوماً ما، وأن زنوج أمريكا برغم السحق والمحق انتصروا أخيراً في معركة الحقوق الإنسانية كما انتصروا في جنوب إفريقيا، وغيرهم انتصر في فيتنام وشمال إفريقيا العربي، فلم لا ينتصر شعب فلسطين، المؤمن الواعي، المتجذر تاريخاً وحضارة وامتداداً بشرياً في الزمان والمكان من طنجة إلى جاكرتا؟!
وإلى أن ينتصر الإخوة الفلسطينيون النصر الأخير المؤزر كيف تخفف عنهم كيف نؤدي واجبنا تجاههم أفراداً وجماعات وأنظمة كيف تتوزع حصص المسؤولية بيننا وبينهم بالقسطاس المستقيم، بل بالمفاداة والتنافس على الأحسن؟!
مما يجهض الإفادة من جو التوتر والمواجهات الدامية في استثمار الحس بالمسؤولية، والبحث عن الدور المطلوب لكل منا.الخلط بين المستويات - جهلاً أو تجاهلاً - فهناك من يقول: فاتت الفرصة، كان يجب أن تفعل كذا وكذا، كما فعل الصهاينة، أما الآن فعلينا السلام، وعلى العكس هناك من يستغرقه الحدث اليومي الملح، فيقدم مخلصاً كل ما عنده وأقصى ما لديه، ثم يستقيل يأساً أو استسلاماً لمتطلبات الحياة اليومية. وبين هذا وذاك درجات وأنواع من النفوس والجهود والتداعيات، مع العلم أن هناك ثلاثة مستويات من الاستحقاقات.
أولاً: على المدى الفوري العاجل الإسعافي التبرعات والمطالبات الجماهيرية الفعالة.
ثانياً: على المدى المتوسط خلال شهور مثل تصعيد الأنشطة التي بدأت في المرحلة السابقة حتى تؤتي أكلها، والبحث عن وسائل جديدة للضغط والنصرة تتجاوز حدود التنديد اللفظي، والانتقال إلى مرحلة الدعم لوقف النزف. أو لحم الإبادة، فضلاً عن تثبيت الحقوق والمواقع في معركة غير متكافئة.
ثالثاً: على المدى البعيد، مثل وضع مشروع استراتيجي مكافئ ومناهض للمشروع الصهيوني، ينهض بالأمة من النقطة التي هي فيها إلى مستوى القدرة على التحرير الكامل للأرض والإنسان على حد سواء، لأن المعركة واسعة وهي طويلة الأمد أيضاً، عرف من عرف وجهل من جهل، والذكرى تعيد إلى الأذهان فقرات من المشروع التعبوي الشامل للدولة والشعب الذي تقدمت به جماعة الإخوان المسلمين السورية مطلع عام ١٩٥٦م إلى رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي ورئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع، جاء في ديباجته: إن من الواجب أن يكون برنامج كل حكومة في بلادنا بعد الهدنة أن تهيئ البلاد للمقاومة في الجولة الثانية، بكل وسائل المقاومة الروحية والخلقية والمادية والعسكرية، ولم تر حكومة قامت على هذا الأساس، كما أننا لم نر حزباً منذ وقعت الهدنة جعل من قضية فلسطين وقضية البلاد المهددة يخطر العدوان الأثيم شغله الشاغل، ومبعث نشاطه وأساس برنامجه في الحكم وخارجه بل إننا نصرح بأن البلاد عانت من سياسة التفرقة والعداوة وسفك الدماء وإيغار الصدور... ما تتحمل الأحزاب القائمة الآن من وزرها القسط الأكبر. أما المطالب التي تضمنتها تلك المذكرة المشروع، فيمكن إجمال محاورها الخمسة بما يلي:
أولاً: شراء السلاح الثقيل والطائرات المقاتلة والمدافع المضادة.... وأن تتحرر في شرائه من كل قيد، وأن نطلبه من أية دولة شرقية أو غربية، وإقامة معامل السلاح الثقيل خاصة، والسلاح والذخيرة بشكل عام، واستقدام الخبراء والفنيين من الدول العربية والإسلامية المتحررة من نفوذ الاستعمار.
ثانياً: تدريب الشعب. بما فيه المعلمون والمدرسون وأساتذة الجامعات الموظفون الموفدون للدراسة في الخارج ولا يرفع أحد من هؤلاء إلا باجتياز امتحانات التدريب... وكذلك التجار والعمال وأرباب المهن الحرة والعلماء والخطباء وعلماء الدين والفلاحون والمزارعون ومالكو الأراضي، واللاجئون من أبناء فلسطين لأهميتهم.
ثالثاً: وقاية المدن من الغارات الجوية بإقامة الملاجئ والخنادق، وفرق المقاومة الشعبية.
رابعاً: فرض التقشف، بالامتناع عن سياسة التبذير والاقتصاد في : نفقات الأثاث والسيارات، وتعميم لباس موحد للطلاب والأساتذة، ومنع استيراد المواد الكمالية، وتحديد بيع اللحوم والحلوى وبعض المواد الغذائية في أيام معينة من الأسبوع.
خامساً: تقويم الأخلاق، لأن أخلاق الحرب غير أخلاق السلم، ككل الأمم المحاربة، وضمان ذلك كله ونجاحه أن نبعث روح التدين الخالص، الذي يجعل الاستشهاد في سبيل الله أحلى الأماني انظر مجلة الشهاب عدد ٣٤ في١/١/١٩٥٦م، كما اقترح نواب جماعة الإخوان في المجلس النيابي بجعل دراسة القضية الفلسطينية مادة دراسية مستقلة.
على أن أشد أنواع الخلط قول من يقول: إن الأنظمة لا تريد السلام، لأن السلام يسقط ذرائعها القمعية من جيوش جرارة، وأحكام طوارئ، وتقييد للحريات، وتقتير في الإنفاق على ميزانية الخدمات مقابل الإغداق على الأجهزة الأمنية البوليسية المتغولة، وتوظيف الطاقات في المجهود الحربي المزعوم، إذن فليأت السلام ولتسقط كل دعاوى المتاجرين بالحروب، وهذه دعوى ظاهرها انتقاد الأنظمة، وباطنها الاستقالة من فلسطين، ومن معركة مصيرية مفروضة طويلة الأمد، عميقة الأبعاد، لا يمكن التخلي عنها، وإن تلاعب بها المتلاعبون.
إن الهرب من المسؤولية باب واسع، أوله إلقاء التبعة كلها على الآخرين، وأخره اصطناع الفلسفات المغرية بالخروج من التاريخ والاجتماع والسياسة والحياة أيضاً.
مما يعيدنا إلى مربع المسؤولية والبحث عن دور مجد لكل منا، تذكر بالتصحيح الجديد الذي جاءت به مدرسة المقاومة الفلسطينية والانتفاضتان المباركتان إلا وهو إعادة التقدير للسلاح الفردي الذي هو بمعنى من المعاني الجهد الفردي من حجر إلى سكين إلى زجاجة مولوتوف، وحتى تفجير النفس بالأعداء.
ولعل ذلك من أشد أنواع الأسلحة فتكاً بالمعتدين، وبالمقابل، فإن من يستخف بالعمليات الاستشهادية، وبعدها انتحارية أو عدمية. مدعو إلى مراجعة الحسابات، أو التخلي عن النظريات المستوردة المعلبة، ثم إلى تفقد حس المسؤولية الذي ضمر إلى درجة الاستكثار على الآخرين المقتنعين بالتضحية، أن يجودوا بأغلى ما لديهم، إذا كنت أنت لا ترغب بالشهادة، فلا تمنع غيرك منها، ولا تسقط عليه عقمك أو بخلك أو شيئاً لا نسميه. أما إذا كنت أصلاً، لا ترغب في تقديم أي إسهام أو تضحية، فتلك هي المأساة، وذلك هو السؤال لكل شيء ثمن، وكلماً كان الهدف غالياً كان ثمنه غالياً. أهوى أهو البطولة إنما غيري البطل.
بعد كل حرب خاسرة مع العدو الصهيوني منذ نكبة ١٩٤٨م... تحدث موجة من الانقلابات العسكرية أو التحولات السياسية والفكرية والاجتماعية في العالمين العربي والإسلامي الأسباب عدة منها قضية فلسطين، والنتيجة زيادة الوعي العام والتضامن الشعبي من جهة وازدیاد تصلب قبضة الاستبداد والقمع السلطوي العسكري من جهة ثانية، فما العمل ومن يكسر هذا الاقتران في. هذه السلسلة. غير الذهبية أيضاً؟!.
نحن نقدر أن استشعار المسؤولية فردياً وجماعياً، شعوباً وأحزاباً وأنظمة، والتصميم على القيام بمقتضيات هذه المسؤولية بروح المبادرة الخلاقة، والتضحية التنافسية، هو الذي سوف يسرع عملية الوعي والتضامن والتغيير الجذري وقلب الموازين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل