; التربية الذوقية (٤) كن كالشجر يقذفه الناس بالحجر. فيجود بأطيب الثمر | مجلة المجتمع

العنوان التربية الذوقية (٤) كن كالشجر يقذفه الناس بالحجر. فيجود بأطيب الثمر

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 22-أغسطس-2009

مشاهدات 114

نشر في العدد 1866

نشر في الصفحة 26

السبت 22-أغسطس-2009

dr_samiryounos@hotmail.com

(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد.

حادي عشر: الامتناع عن مجاراة السفهاء والجهلاء:

مازال الحديث متواصلا عن مجالات الذوق، ففي المقالات الثلاث الماضية تناولت عشرة مجالات هي: ذوق المظهر العام وذوقيات الزوج مع أهل بيته والذوقيات مع الخدم، ثم مع الحارس، فذوقيات الزوجة في بيتها، وذوقيات المراسلة، ثم الزيارة، وذوقيات الأماكن العامة والمواصلات، وذوقيات المضيف وأخيرا ذوقيات المحادثات.

واستكمالا لما سبق تناوله فإن من مجالات الذوق البالغة الأهمية في حياتنا ما يلي:

قد تبتلى بالسفيه أو الجاهل في أي مكان في الطريق، أو في العمل، أو في السفر. وغير ذلك، وربما يؤذيك بسفاهته وجهله، فليس من الذوق أن تجاريه وتستثيره تجنبا لما يخرج منه من قول سيئ؛ لذا كان التوجيه القرآني في هذا الشأن، حيث وصف رب العزة عباد الرحمن بقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾(سورة الفرقان: أيه رقم63)

ولله در الشاعر، إذ يقول:

لا ترجعن إلى السفيه خطابه ***  إلا جواب تحية حيالها

فمتى تحركه تحرك جيفة *** تزداد نتنا إن أردت حراكها

ومن الذوق تجنب مجاراة السفيه أيضًا حتى لا تكون مثله، يقول أبو تمام:

 إذا جاريت في خلق دنيا *** فأنت ومن تجاريه سواء

ثاني عشر: التسابق في خدمة الزملاء

قد تسافر مع بعض زملائك وتغترب للدراسة أو لأي غرض، ويتطلب الموقف أن تخدموا أنفسكم بأنفسكم، فإذا كانوا بصدد إعداد طعام مثلا فيجب أن تكون سباقا ومن الذوق أن تشارك مشاركة فعّالة في خدمتهم، فخادم القوم سيدهم، بيد أن بعض الناس للأسف ينتظر غيره ليخدمه، ولا يشارك بأي مجهود، وتلك قلة ذوق، فبأي منطق يجلس البعض متكئين، لا يشارك إلا في التهام الطعام، ويمتنع عن إعداده، أو وضعة على المائدة أو رفعه من عليها.

ثالث عشر: تجنب السخرية والتشفي من الغير:

هناك شخص توصف نفسيته في علم النفس بـ«نفسيه الصراع» فهو دائم الهمز واللمز خالفوه، وقد حذر القرآن الكريم من ذلك وشدد فيه، وتوعد صاحبه بقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾(سورة الهمزة: أيه رقم1)

فمن الذوق أن نقدر الناس، وأن نحترم مشاعرهم، وأن نستوعب عاهاتهم، ونقدر ابتلاءاتهم، فربما يكون أحدهم مبتلى بداء يصعب الفكاك منه، فإذا سخر منه الآخرون فتحوا بذلك مداخل الشيطان في إيغار صدره، وإثارة أحقاده على غيره.

ومن الذوق أيضًا أن نرقى بأنفسنا عن الضغائن، وألا نبحث عما قاله غيرنا في حقنا من مساوئ أثناء غيابنا، حتى لا نعيش في أجواء كلها صراعات، فيذهب هدوؤنا وترحل سكينتنا، ويضعف إيماننا.

وما أروع قول الشاعر العلاء بن الحضرمي وهو صاحبي جليل معروف-حيث أنشد:

وحي ذوي الأضغان تسب قلوبهم *** تحية ذي الحسنى فقد ترقع النقل

فإن دحسوا بالشر فأعف تكرمًا *** وإن كتموا عنك الحديث فلا تسل

فإن الذي يؤذيك منه سماعه *** وإن الذي قالوا وراءك لم يقل

وقد تكون واحدًا في فريق عمل، فتجد مجموعة من هواة العيش في أجواء ساخنة تشبه الصراعات بين الجشعين من تجار الدنيا ويتكتلون ضدك، ويكونوا ما يسمى «اللوبي» وتضيع منهم الموضوعية في تقييمك وتقيم أدائك، لأن لديهم اتجاهًا عدوانيًا تجاهك وتجاه كل أعمالك وأفكارك، وهؤلاء ليس لهم نصيب من الذوق وضعيفو الإيمان؛ لأن نفس المؤمن الصافية تتعب عندما تعيش في هذه الأجواء المليئة بالتآمر والتعصب والعنصرية والخصومة والغيبة.

يقول الإمام النووي: «قال بعضهم: ما رأيت شيئًا أذهب للدين، ولا أنقص للمروءة ولا أضيع للذة، ولا أثقل للقلب من الخصومة، وكم من كلمات الغيبة التي يزينها الشيطان تحت رونق النصح ومعرفة الواقع، بينما هي في الحقيقة نفثات مصدور وتمضمض بالأعراض، يكر على الحسنات فيفنيها «الإمام النووي:الأذكار».

رابع عشر: التفسح في المجالس

فقد تكون في مجلس علم أو غيره، ويأتي غيرك ليجلس فلم يجد مكانا، فهنالك لابد أن تفسح له، وأن تسعه معك كأن توسع الدائرة، أو تقترب من جارك في المجلس على يمينك أو على يسارك حتى يجد مكانا له، وقد أكد القرآن الكريم هذا الذوق الرفيع في قوله سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾(سورة المجادلة: أيه رقم11)

ويقول الأصمعي: «كان الأحنف إذا أتاه إنسان وسع له، فإن لم يجد موضعا تحرك ليريه أنه يوسع له «عيون الأخبار».

خامس عشر: تجنب النكت والطرائف غير اللائقة:

جمعني قدر ربي في حين من الدهر بشخص كان زميلي في العمل، هذا الرجل لا يكف عن إلقاء النكت غير اللائقة، ولا يمل أبدًا، ويكثر من الحديث عن النساء ويختلق في ذلك الأقاويل، ويفني من عمره الكثير، ليدخل على الإنترنت ويجمع النكات الهابطة!!

والأدهى من ذلك والأمر فساد ذوقه وعدم تمييزه بين ثقافات الناس ومناهجهم في الحياة، فهو لا يفرق حين يلقي طرائفه «الممسوخة» بين شخص متدین ملتزم محترم لا يحب سماع هذا الهراء، وبين شخص مستهتر غير منضبط مثله!!

لا تجاور السفهاء وتجنب الطرائف غير اللائقة وتسابق في مساعدة الزملاء

وذات يوم قلت: لأكلمنه بيني وبينه بأسلوب لطيف كما أمر رب العزة: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾(سورة النحل: أيه رقم125)

وبعد أن هيأت الجو لذلك، وحاولت أن أهز فيه النخوة وأذكره ببعض آبائه وأجداده من العلماء الأفاضل وببعض آيات القرآن الكريم وهدي رسولنا الحبيب ، فكان رده: «كل الناس يلقون تلك النكت وأنت متشدد». فقلت له: فلنحتكم إلى خالقنا وهو أعلم بنا وهدي رسولنا ، ولا نحتكم إلى الناس ولا إلى ما أقوله أنا، فكان رده إن كان ما أقوله إساءة فقد كررته في سنوات عمري الماضية!!

فقلت: رحم الله ابن حزم الفقيه الأندلسي الظاهري، حيث يقول: «لم أر لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين القاهما على السنة دعاته، إحداهما: اعتذار من أساء بأن فلانًا أساء قبله، والثانية: استسهال الإنسان أن يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس، أو أن يسيء في وجه ما لأنه قد أساء في غيره» الأخلاق والسير، ص (۳۱).

سادس عشر: ذوقيات الفطرة

شاع بين كثير من الشباب والفتيات وللأسف بعض الرجال الكبار والنساء تقليد أعمى، تجسد في ترك الأظافر حتى تطول، وهم بذلك يخالفون الفطرة، كما أن ثمة سلوكيات وممارسات أخرى تخالف الفطرة، ومن ذلك ترك شعر العانة وتحت الإبطين، وقد يؤدي ذلك إلى عواقب وخيمة فقد يتأفف أحد الزوجين من رائحة الآخر بسبب طول الأظافر أو الشعر، وما يجلبه ذلك من روائح كريهة وعرق، وما يتجمع تحت الأظافر من ميكروبات وجراثيم، والأغرب من ذلك والأقبح أنني أشاهد كثيرا من الناس - عند إلقائي محاضرة أو تنفيذ دورة تدريبية أو تنموية يضعون أظافرهم الموبوءة في أفواههم، وبعضهم يقضمها بأسنانه جاهلا بآثارها الصحية الخطيرة، أو متجاهلا، فنحمد الله تعالى على نعمة الإسلام النظيف، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: من الفطرة حلق العانة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب «رواه البخاري».

 وما أجمل وصايا الإمام النووي في ذلك: «وملازمة الوظائف الشرعية كالتنظيف بإزالة الأوساخ والشعور التي حث الشرع على إزالتها، كقص الشارب، وتقليم الأظفار، وتسريح اللحية وإزالة الروائح الكريهة، والملابس المكروهة»، ويقول في «الغنية»: ويستحب الا يخلي الإنسان نفسه حضرًا وسفرًا من سبعة أشياء بعد تقوى الله والثقة به التنظيف والتزين والمكحلة والمشط، والسواك، والمقص، والمدارة، وقارورة الدهن».

سابع عشر: ذوقيات الحلاقة:

مما تراه وتعجب له أشكال من قصات الشعر، وفدت إلينا وقلدناها تقليدا أعمى وليس هذا من الذوق.

إطالة الأظافر والملابس الخليعة وقصات الشعر الغريبة. ليست من ذوقيات المسلم الحقيقي

ومن هذه الصور ما شاع بين كثير من شبابنا حيث يحلق الشباب بعض شعر الرأس ويترك بعضه، وقد ناقشت كثيرًا من -الشباب في هذا الأمر، فوجدتهم يخلطون بين سنة إكرام الشعر وتصفيفه، وقد حث على ذلك رسولنا ، وتجد الشاب يبادر بالرد عليك بأن هذا الذي يصنعه سنة عن رسول الله، وربما لم يطبق من سنة النبي إلا ما وافق هواه وكان في صالحه، وهو في ذلك يشبه المنافقين.

إن هؤلاء الذين يحلقون شعرهم بهذه الكيفية يجب أن يعلموا أن النبي «نهى عن ذلك، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي : «نهى عن القزع» «رواه البخاري» والقزع هو حلق بعض الرأس وترك بعضه وهو شبيه بما يعرف بـ «تسريحة المارينز».

وقد تشاهد امرأة عجوزا تفعل بشعرها وجسدها وملبسها الأفاعيل، وتلبس ألوانًا لا تناسب سنها، وذا وذلك أيضا من فساد الفطرة، وهذا أيضا يحدث من الرجال.

ثامن عشر ذوقيات المسجد

قد تكون جالسًا في المسجد ساكنًا خاشعًا، فإذا بشخص يتخطى رقاب الناس وكأنه لا يتعامل مع بشر في بيت رب البشر وحسب هذا الشخص أن يسأل نفسه: ماذا لو كان عنده ضيف في بيته، فدخل شخص آخر وأهان ضيفه في بيته؟ ما شعوره ساعتها؟ أليست هذه إهانة؟ فما عاقبة من أهان ضيوف الرحمن وآذاهم في بيته؟!!

 وقد تكون جالسا في بيت الرحمن إذا بشخص متوضئ يتصبب ماء، أو قادم من الخارج يتصبب عرقا، فيأخذ بيده الماء أو = العرق وينثره يمينا ويسارًا على المصلين بعد أن ينزعه من على جبينه ووجهه!!

وفي أثناء استماعك لخطبة الجمعة أو عند الصلاة تفاجأ بصوت الموسيقى ترتفع من الهاتف أو صوت مطرب أو مطربة يعلو في حين يتلو الإمام آية قرآنية أو حديثا شريفا، فيشوش على الإمام والمصلين !! ألم يسأل هذا الشخص نفسه بم يجيب ربه عندما يسأله عن هذا الخطأ؟ وماذا يقول لهؤلاء جميعا وكيف يعتذر إليهم؟ وقد تخرج فلا تجد حذاءك أو تجده قد ديس عليه وأصبح مشوها. وليس ذلك كله من الذوق.

تاسع عشر: ذوقيات قيادة السيارة واستعمالها:

قد تسير في طريقك فتجد من يطاردك ويلتصق بسيارتك من الخلف، ويعطيك أصواتا مزعجة من آلة التنبيه، وربما تسير ليلًا ومعك زوجتك وأولادك، فيقلب أضواء سيارته المرتفعة من خلفك، لأنه يريد أن يسير بسرعة ١٥٠كم في الساعة مثلا في حين أنك تسير بأقصى سرعة يسمح بها الطريق!!

وقد تجد آخر يفتح باب سيارته ويلقي بالنفايات على الطريق، أو يبصق فيه !! وقد تخرج من بيتك في عجالة لتلحق بعملك فتجد من سد الطريق على سيارتك فلا تستطيع الخروج.

العشرون: ذوقيات المائدة:

علمنا الإسلام ذوقيات كثيرة خاصة بالمائدة، أهمها:

1.   التسمية والأكل باليمين والأكل مما يلي الأكل، فقد وجه غلاما رآه لم يلتزم بهذه الذوقيات بقوله: «يا غلام سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك».

2.   تجنب الشره والبطنة، فمن هدي الرسول : «ماملًا ابن آدم وعاء شرا من بطنه».

3.   الأكل من الطعام إن أعجبك، والكف عنه وعن إبراز عيوبه إن لم يعجبك، فذلك من هدي النبي في ذوقيات المائدة.

4.   الانتهاء عن متابعة اللقم والسرعة في الأكل، ولذلك نهى رسول الله عن «القرآن» في التمر كما ورد في صحيح البخاري، و«القرآن» هو أكل تمرتين معا لأنه يدل على النهم والشره وسرعة الأكل.

ومن الطرائف في ذلك وصف الرصافي الشخص أكول، حيث أنشد فيه:

أكب على الخوان وكان خفًا ***  فلما قام أثقله القيام

ووالى بينها لقمًا ضخامًا *** فما مرثت له اللقم الضخام

وعاجل بلعهن بغير مضغ *** فهن بفيه وضع فالتهام

فضاقت بطنه شبعا وشالت *** إلى أن كاد ينقطع الحزام

5.   تجنب النظر لغيرك وهو يأكل، فقد روي أن أعرابيا حضر مأدبة أحد خلفاء بني أمية، فأنشأ يأكل والخليفة ينظر إليه، فرأى الخليفة في لقمة الأعرابي شعرة، فنبهه إليها. فقال الأعرابي: أتنظر إلى نظر من يرى الشعرة في اللقمة؟! والله لا أصبت من طعامك بعد هذا. فقال الخليفة استرها علي يا أعرابي ولك ألف دينار!!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل