; كيف تقرأ رسائل الإمام البنا وتفهمها وتشرحها؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف تقرأ رسائل الإمام البنا وتفهمها وتشرحها؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 19-يونيو-2010

مشاهدات 68

نشر في العدد 1907

نشر في الصفحة 38

السبت 19-يونيو-2010

الكتابة امتداد طبيعي للقراءة ولكي يحسن الإنسان الكتابة عليه أن يقرأ كثيرًا وقد كان الإمام البنا موسوعيًا في اطلاعه.

كان يحفظ أكثر من ثمانية عشر ألف بيت من الشعر ومثلها من النثر عندما تقدم للاختبار التقويمي في دار العلوم.

قرأ أكثر من ثلاثين كتابًا من أمهات كتب الفقه حتى يكتب الأصول العشرين.

الرسائل اتسمت بالتجربة الميدانية وبالإلحاح والعاطفة وذلك الذي أعطاها هذا الصدق الذي تجد أثره بين الناس.

الشيخ مصطفى المراغي: البنا رجل مسلم غيور على دينه يعرف الوسط الذي يعيش فيه ويفقه أسرار الإسلام ويضع يده على الأدواء في جسم الأمة الإسلامية.

هو بلاشك مجدد سبعة قرون خلت كما يقول أبو الحسن الندوي في مقدمة كتاب «الدعوة والداعية»

الشيخ الغزالي: لقد امتلك الإمام البنا ثلاث مميزات مهمة.. الفقه المتمكن... حسن الدراية بالمجتمع.. التجربة الميدانية.

ليست مصادفة أن يكون لقبه «البنا».. فقد وهبه الله عبقرية خاصة في بناء الجماعة وتنظيم أفرادها بدءا من الأسرة حتى مكتب الإرشاد.

بقلم: د. صلاح عبد الحق

لما كانت الرسائل تمثل المنطلق الفكر والتربوي لحركتنا، لذا كان من التوجيهات الخاصة بالجانب التربوي: «التركيز على رسائل الإمام البنا لضمان عدم الانحراف فكريًا ودعويًا».

كيف تقرأ الرسائل؟

كيف نقرأ فكر الأستاذ الإمام البنا وعقله كذلك؟ ولكي يتحقق هذا الهدف: 

١- علينا أن نلم بالظروف التاريخية التي كتبت فيها هذه الرسائل.

٢- وعلينا أن نعرف القواعد التي اتبعها الأستاذ الإمام البنا في كتابتها.

٣- ثم مقارنة هذه القواعد بالتوجيهات المطروحة في الكتابة الحديثة التي يتكلمون عنها في العصر الحديث.

٤- وقد صدرت هذه التوجيهات في الكتابة الحديثة عن إحدى جامعات «إنجلترا»، وقد أنشئت كلية فيها تسمى «كلية الرواية»، يدخلها أناس ليس عندهم دراية بالكتابة، فيدرسون تقنية الكتابة والسرد، ويتخرجون منها روائيين على مستوى جيد، قد يصل إلى العالمية.

٥- تبقى الكتابة فنًا، وتبقى الموهبة هي التي تمنح الخلود.

٦- أصبحت الكتابة نوعًا من التقنية التي يمكن تعلمها.

٧- هذه الكلية أصدرت عدة مقالات، عن القواعد التي جعلتهم يحسنون الكتابة، وأننا لو تحدثنا عن هذه التوجهات، نستطيع فعلًا من خلالها أن نقرأ رسائل الإمام، ونستطيع كذلك أن نعيش في ظلالها.

توجيهات «كلية الرواية» وإسقاطها على واقع الأستاذ الإمام البنا:

١- الكتابة امتداد طبيعي للقراءة، فالإنسان لكي يكتب عليه أن يقرأ كثيرًا، ويطالع كثيرًا، حتى يحسن الكتابة، والجوهر الخلاق للكتابة هو القراءة، كما أن الأفق الحقيقي للكتابة هو اكتشاف القراءة في سن مبكرة.

٢- لو طبقنا ذلك على الأستاذ الإمام البنا، نجد أنه اهتم منذ صغره بالقراءة، كما عبر عن ذلك في أول رسالة «المؤتمر الخامس»: «طالعت كثيرًا وجربت كثيرًا وخالطت أوساطًا كثيرة، وشهدت حوادث عدة... إلخ»

٣- المعروف أن الأستاذ الإمام كان يحفظ أكثر من ثمانية عشر ألف بيت من الشعر ومثلها من النثر عندما تقدم للاختبار التقويمي في «دار العلوم».

يقول الإمام البنا: «وقد أعددت من الوسائل العملية درسًا طويلًا، سأحاول أن تشهد لي به الأوراق الرسمية، ولقد حفظت كثيرًا من المتون في العلوم المختلفة، فحفظت «ملحة الإعراب» للحريري، ثم «الألفية» لابن مالك، و«الياقوتية»، في المصطلح، و«الجوهرة» في التوحيد، و«الرحبية» في الميراث وبعض «متن السلم» في المنطق، وكثيرًا من متن «القدوري» في فقه أبي حنيفة، ومن «متن الغاية والتقريب» لأبي شجاع في فقه الشافعية، وبعض «منظومة ابن عامر» في مذهب المالكية، وحاولت حفظ «متن الشاطبية» في القراءات.

٤- لكي نفهم الرسائل جيدًا، لابد أن نقرأ كثيرًا حول الأفكار التي طرحتها هذه الرسائل.

٥[ القراءة يجب أن تكون بشكل انتقائي ونقدي، وذلك باستخراج الأفكار المفيدة في الموضوع، فعلينا ونحن نقرأ الرسائل أن نستخرج الأفكار المهمة المفيدة في كل رسالة.

٦- الكتابة أخيلة لا حدود لها، وقد أشار الإمام إلى هذا المعنى عندما قال: «والزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة»، وكذلك عندما كان يتكلم عن «أحلام اليوم حقائق الغد وحقائق اليوم أحلام الأمس»، وكان لا يجعل الخيال يستبد به، وإنما كان يلزمه صدق الحقيقة والواقع.

٧- الكتابة تحتاج إلى ذاكرة جيدة، فكتابة جيدة تعني ذاكرة جيدة، وذاكرة جيدة تعني امتلاكًا لأحداث الواقع ولتجاربه ولوقائعه الحياتية.

وهذا ينطبق على كلام الأستاذ الإمام الحصيلة الضخمة جدًا التي كما قال: «شهدت حوادث عدة، وخالطت أوساطًا كثيرة»، وخرج من هذه السياحة القصيرة المدى الطويلة المراحل بما استطاع أن يقدمه كتابة للناس».

٨- توظيف هذه التجارب والوقائع والأحداث لخدمة الهدف.

٩- القدرة على الصدق في اختيار الكلمات البسيطة البعيدة عن التعقيد؛ لأنها دليل على صدق الكاتب وعلى ثقته في نفسه، وابتعاده عن الخوف والخجل والكذب وعدم الثقة في النفس، ولذلك كان الأستاذ الإمام يكتب كأنه يتحدث، يتكلم ارتجالًا، حاضر البديهة، متمكنًا من علمه، يسوق الآيات، يدلل بها على ما يقول فتجدها كأنما انزلت في مواضعها.

١٠- القدرة على نقل الإحساس بأحداث الحياة، فكما يقولون: الظلم وحده لا يحدث الثورات إنما الإحساس بالظلم، فالكاتب الجيد هو الذي ينفعل بالأحداث من حوله وتكون لديه القدرة على تجسيد هذا الإحساس والأستاذ الإمام كانت لديه هذه القدرة.

1١- الوحدة الأساسية في النص هي المقطع «الفقرة أو عدة فقرات» وليس الجملة، بحيث تستطيع أن تفهم ما هو مكتوب، فالفكرة يتضمنها مقطع كامل حتى يعين على الوحدة الموضوعية في الكتابة، وهذا الكلام واضح في رسائل الإمام الشهيد.

١٢- أصعب شيء في الكتابة هو الخواتيم، فإنهاء الكتابة بخاتمة جيدة من أصعب الأشياء، وكان الأستاذ الإمام موفقًا في ذلك، فتجد أن الخاتمة لديه ملخص لأفضل ما طرح وأهم ما كتب في الرسالة، فأنظر إليه مثلًا في «رسالة التعاليم» حيث يقول ختامها: «أيها الأخ الصادق: هذا مجمل لدعوتك، وبيان موجز لفكرتك، وتستطيع أن تجمع هذه المبادئ في خمس كلمات: الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن شريعتنا، والجهاد سبيلنا، والشهادة أمنيتنا، وأن تجمع مظاهرها في خمس كلمات: هي البساطة والتلاوة، والصلاة، والجندية، والخلق.

فخذ نفسك بشدة بهذه التعاليم وإلا ففي صفوف القاعدين متسع للكسالى والعابثين».

فالنهاية قوية جدًا ومركزة وهكذا كانت خاتمة كل رسالة..

أسلوب الإمام في كتابة الرسائل

يقول الشيخ الغزالي: «أهم ما يمكن أن تصف به الأستاذ الإمام البنا يرحمه الله، أنه فيه ثلاث مميزات مهمة جدًا:

١- الفقه المتمكن.

٢- حسن الدراية بالمجتمع الذي يعيش فيه.

٣- التجربة الميدانية.

وأكثر الأدلة على ذلك «رسالة التعاليم»، وبخاصة «الأصول العشرين» للفهم، فقد قرأ الإمام أكثر من ثلاثين كتابًا من أمهات كتب الفقه حتى يكتب «الأصول العشرين» وهذا ليس غريبًا، فقد قرأ الإمام محمد عبده خمسة وعشرين كتابًا حتى يفسر آية واحدة، فكان الأستاذ الإمام موسوعيًا في اطلاعه. 

أما عن حسن الدارية، فإنه ما من أحد يقرأ رسالة من رسائل الإمام إلا ويقع في حسه أنه يقرأ لشيخ عاش الأحداث وفهمها وفقهها وحاول إصلاحها، وانظر إليه عند حديثه عن المشكلة الاقتصادية المتعلقة بالأفراد في رسالة «المؤتمر السادس». 

ثم حسن الدراية بواقع الإسلام في العالم من حوله، فكان عنده حسن الدراية بالواقع من حوله محليًا وعربيًا وعالميًا... 

أما عن تجربته الميدانية التي كانت تتميز بها رسائله، فأبلغ شيء على ذلك هو «مذكرات الدعوة والداعية» التي رصد فيها كل تجربته منذ نعومة أظفاره حتى أقام هذا الصرح الشامخ، وقد وقف وقفات طويلة جدًا عند بعض المنعطفات المهمة في حياته، مثل:

- مدرسة الرشاد.

- مدرسة المعلمين وحفظ المتون.

- وقفته عند أستاذه في دار العلوم- محمد عبد المطلب- الذي تعلم منه التوسع والاستطراد.

- موقفه عند الصوفية كموقف مهم في حياته.

- انتقاله إلى الإسماعيلية.. إلخ.

فرسائل الإمام اتسمت بالتجربة الميدانية، كما اتسمت بالإلحاح والعاطفة، ذلك الذي مع أعطاها هذا الصدق، الذي تجد أثره في السمع.. وهذا هو الأسلوب العام لكتابة الرسائل.

لم يتحدث عن الظروف التاريخية التي نشأ فيها، وكان من أهم الأحداث في عهده:

١- الاحتلال ووقوع العالم الإسلامي في قبضة الغاصب الأجنبي.

٢- سقوط الخلافة الإسلامية.

 وكان هناك في هذا العهد الخصوم الأقوياء والجيل المخضرم الذي تأثر بالحضارة الغربية والاتجاه العلماني التغريبي، الذي أراد أن يدفع الأمة عن مغافلة منها لا إلى ما يريد بل إلى ما ألف.

وكان هناك ردود الفعل الباهتة الضعيفة للنخب الحائرة التي تمثلت في رجال الدين من ناحية مثل الشيخ يوسف الدجوي، وفي المثقفين الملتزمين من ناحية أخرى، مثل أحمد تيمور باشا.

كانت ردود فعل باهتة انتجت في النهاية حالة من الجمود ومن الواقع البئيس، كما قال أبو الحسن الندوي: «أصبح العالم الإسلامي طبعة واحدة من كتاب واحد، تشابهت نسخه، أو مسرحية من فصل واحد أحكم إخراجها، فلا قلق ولا اضطراب ولا طموح ولا استشراف».

جاء الإمام الشهيد ففاجأ العالم الإسلامي بشخصيته الفذة التي جمعت فيها محاسن تفرقت في غيره، وقد استفاد من تجارب كل من سبقوه، وهو بلاشك مجدد سبعة قرون خلت كما يقول أبو الحسن الندوي في مقدمة كتاب «مذكرات الدعوة والداعية».

أقام هذا الرجل الأستاذ الإمام مهمة دعوته على أصول ثلاثة:

أولها: إعادة الثقة في صلاحية الإسلام، وخلود الرسالة، وعلى هذا المحو تدور رسائل الإمام البنا بين أبناء هذا الجيل الذي كان قد تأثر بالاتجاه العلماني التغريبي. 

ثانيها: مقاومة مركب النقص وعقدة الدونية، وهي الهزيمة الداخلية التي ليس هناك هزيمة أبشع منها. 

ثالثها: معالجة روح الميوعة والاستهتار والانسياق تحت ربقة الشهوات والآثام، وأن يستبدل بذلك الرجولة والجد، التي تعني الوقار والرزانة والعبوس والخشونة.

هذه هي القواعد الأساسية التي بنى عليها الأستاذ الإمام دعوته وكتب من أجلها رسائله.

وتحدث الشيخ مصطفى المراغي عن الأستاذ الإمام الشهيد وهو يتكلم عن خصائص الداعية الفذ، فقال: «والشيخ حسن البنا رجل مسلم غيور على دينه يعرف الوسط الذي يعيش فيه، ويفقه أسرار الإسلام، ويضع يده على الأدواء في جسم الأمة الإسلامية، وقد اتصل بالناس اتصالًا وثيقاً، وشغل نفسه بنواحي الإصلاح على النحو الذي كان عليه سلف الأمة الصالح».

هذه الصفات الفذة التي كانت تنتظرها دعوة الإسلام في القرن الرابع عشر الهجري، «فكل دعوة تنتظر صاحبها»، فجاء الإمام البنا مجهزًا بهذه الصفات. 

وهذا مجمل الحديث عن الأستاذ الإمام البنا والظروف التي كتب فيها الرسائل، وبالله التوفيق.

شهادة سيد قطب يرحمه الله.

في بعض الأحيان تبدو المصادفة العابرة كأنها قدر مقدور، وحكمة مدبرة في كتاب مسطور.. حسن البنا.. إنها مجرد مصادفة أن يكون هذا لقبه... ولكن من يقول: إنها مصادفة، والحقيقة الكبرى لهذا الرجل هي البناء، وإحسان البناء، بل عبقرية البناء؟

لقد عرفت العقيدة الإسلامية كثيرًا.. ولكن الدعاية غير البناء.. وما كل داعية يملك أن يكون بناء، وما كل بناء يوهب هذا العبقرية الضخمة في البناء.

هذا البناء الضخم.. «الإخوان المسلمون» إنه مظهر هذه العبقرية الضخمة في بناء الجماعات، إنهم ليسوا مجرد مجموعة من الناس، استجاش الداعية وجدائاتهم، فالتفوا حول عقيدة... إن عبقرية البناء تبدو في كل خطوة التنظيم.. من الأسرة إلى الشعبة، إلى المنطقة، إلى المركز الإداري، إلى الهيئة التأسيسية، إلى مكتب الإرشاد.

هذا من ناحية الشكل الخارجي، وهو أقل مظاهر هذه العبقرية، ولكن البناء الداخلي لهذه الجماعة أدق وأحكم، وأكثر دلالة على عبقرية التنظيم والبناء.. البناء الروحي.. هذا التنظيم الذي يربط أفراد الأسرة وأفراد الكتيبة وأفراد الشعبة، هذه الدراسات المشتركة، والصلوات المشتركة، والتوجيهات المشتركة، والرحلات المشتركة، والمعسكرات المشتركة.. وفي النهاية هذه الاستجابة المشتركة والمشاعر المشتركة التي تجعل نظام الجماعة عقيدة تعمل في داخل النفس قبل أن تكون تعليمات وأوامر ونظامًا.

والعبقرية في استخدام طاقة الأفراد، طاقة المجموعات، في نشاط لا يدع في نفوسهم ولا يدعهم يتلفتون هنا أو هناك، يبحثون عما يملؤون به الفراغ أن مجرد استثارة الوجدان الديني، لا يكفي.. وإذا قصر الداعية همه على هذه الاستثارة فإنه سينتهي بالشباب خاصة  إلى نوع من الهوس الديني، الذي لا يبني شيئًا، وإن مجرد الدراسة العلمية للعقيدة لا تكفي، وإذا قصر الداعية همه على هذه الدراسة، فإنه سينتهي إلى تجفيف الينابيع الروحية التي تكسب هذه الدراسة نداوتها وحرارتها وخصوبتها، وإن مجرد استثارة الوجدان والدراسة معًا لا يستغرقان الطاقة، فستبقى هنالك طاقة عضلية وطاقة عملية، وطاقة فطرية أخرى في الكسب، والمتاع والشهوة والعمل والقتال. 

وقد استطاع حسن البنا أن يفكر في هذا كله.. أو أن يلهم هذا كله، فيجعل الأخ المسلم يمتد وهو يعمل في نطاق الجماعة، إلى هذه المجالات كلها، بحكم نظام الجماعة ذاته، وأن يستنفد الطاقات الفطرية كلها، في أثناء العمل الجماعي، وفي مجال بناء الجماعة.. استطاع ذلك في نظام الكتائب، ونظام المعسكرات، ونظام الشركات الإخوانية، ونظام الدعاة، ونظام الفدائيين الذي شهدت معارك فلسطين ومعارك القنال نماذج من آثاره تشهد بالعبقرية لذلك النظام.

وعبقرية البناء في تجميع الأنماط من النفوس، ومن العقليات ومن الأعمار، ومن البيئات.. تجميعها كلها في بناء واحد، كما تتجمع النغمات المختلفة في اللحن العبقري.. وطبعها كلها بطابع واحد يعرفون بها جميعًا، ودفعها كلها في اتجاه واحد.. على تباين المشاعر والإدراكات، والأعمار والأوساط، في ربع قرن من الزمان.

ترى أكانت مصادقة عابرة أن يكون هذا لقبه؟ أو أنها الإرادة العليا التي تنسق في كتابها المسطور بين أصغر المصادفات وأكبر المقدورات في توافق واتساق؟

ومضى «حسن البنا» إلى جوار ربه، يمضي وقد استكمل «البنا» أسسه، يمضي فيكون استشهاده على النحو الذي أريد له: عملية جديدة من عمليات البناء... عملية تعميق للأساس، وتقوية للجدران، وما كانت ألف خطبة وخطبة، ولا ألف رسالة للفقيد الشهيد لتلهب الدعوة في نفوس الإخوان، كما ألهبتها قطرات الدم الزكي المهراق. 

إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة.

وحينما سلط الطغاة الأقزام الحديد والنار على الإخوان، كان الوقت قد فات، كان البناء الذي أسسه «حسن البنا» قد استطال على الهدم، وتعمق على الاجتثاث، كان قد استحال فكرة لا يهدمها الحديد والنار، فالحديد والنار لم يهدما فكرة في يوم من الأيام، واستعلت عبقرية البناء على الطغاة الأقزام، فذهب الطغيان، وبقي الإخوان. 

ومرة بعد مرة نزت في نفوس بعض الرجال من الإخوان – نزوات.. وفي كل مرة سقط أصحاب هذه النزوات كما تسقط الورقة الجافة من الشجرة الضخمة، أو انزوت تلك النزوة، ولم تسطع أن تحدث حدثًا في الصفوف.

 ومرة بعد مرة، استمسك أعداء الإخوان بفرع من تلك الشجرة يسحبونه عميقا في كيانها، فإذا جذبوه إليهم جذبوا الشجرة، أو اقتلعوا الشجرة، حتى إذا آن أوان الشد خرج ذلك الفرع في أيديهم جافًا يابسًا كالحطبة الناشفة لا ماء فيه ولا ورق ولا ثمار.

إنها عبقرية البناء، تمتد بعد ذهاب البناء.

الرابط المختصر :