العنوان كيف جعل الإسلام العصاة أئمة للهدى؟!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 05-يونيو-2010
مشاهدات 62
نشر في العدد 1905
نشر في الصفحة 39
السبت 05-يونيو-2010
كان الإمام الفضيل بن عياض العالم الزاهد إمام الحرمين رجلًا من قطاع الطريق، فحوله الإيمان بعد التوبة إلى عابد عالم زاهد، وكان سبب توبته؛ أنه كان يتسلق جدران أحد المنازل بالليل: فسمع صوتًا يتلو قوله تعالى: ﴿ ۞ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (الحديد: 16)
فلما سمعها قال: بلى يا رب قد آن، ثم قال: اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام.. لقد جعل مظاهر توبته مجاورته لبيت الله حيث الرحمة والبركة، يدعو الله ويستغفره، ويندم على ما فرط في حقه.
فنواصي العباد بيد الله، وهو يضل من يشاء، ويهدي إليه من أناب.
قال الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء» :(8/ 423):
قال أبو عمار الحسين بن حريث، عن الفضل ابن موسى قال: كان الفضيل بن عياض شاطرًا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران ليراها ثم يسرق البيت الذي تقطنه.
فطلع سلمًا على جدار يريد أن يسرق، فأطل ونظر إلى صاحب البيت فإذا هو شيخ كبير، وعنده مصحف، ففتحه واستقبل القبلة على سراج صغير عنده ويقرأ في القرآن ويبكي -انظر الفرق بين الحياتين: هذا يقطع السبل، لا صلاة ولا صيام ولا عبادة ولا ذكر ولا إقبال، وهذا يتلو آيات الله:
﴿ ۞ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الرعد: 19)
وقال تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 9)
جلس الفضيل ووضع يده على السقف وظل ينظر إلى ذلك الرجل العجوز الذي يقرأ القرآن ويبكي، وعنده بنت تصلح له العشاء، وأراد أن يسرقه وهو بإمكانه؛ لأن ذلك الرجل قوي، وهذا الشيخ لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، فمر الشيخ بقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ ۞ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: 19)
فنظر الفضيل إلى السماء وقال: يا رب إني أتوب إليك من هذه الليلة، فأواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح فإن فضيلًا على الطريق يقطع علينا.
قال: ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ها هنا، يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام.
ثم ذهب فاغتسل ولبس ثيابه وذهب إلى المسجد يبكي، فتاب الله عليه، فجعله إمام الحرمين في العبادة، هذا السارق أولًا أصبح إمام الحرمين الحرم المكي، والحرم المدني.
وقول الله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: 56)
قال الإمام الذهبي تعليقًا على القصة: وبكل حال فالشرك أعظم من قطع الطريق، وقد تاب من الشرك خلق صاروا أفضل الأمة.
ورعه وزهده: وكان الفضيل إذا خرج في جنازة مع الناس، يعظهم ويذكرهم بالآخرة، حتى إذا وصل إلى المقبرة، جلس في حزن شديد، وظل يبكي ولا ينقطع بكاؤه، سأله الخليفة «هارون الرشيد»: ما صفات المؤمن أيها الزاهد؟ فقال له الفضيل: صفات المؤمن؛ صبر كثير، ونعيم طويل، وعجلة قليلة، وندامة طويلة.
ومر الفضيل بن عياض على جماعة أغنياء، فوجدهم يلعبون ويشربون ويلهون؛ فقال لهم بصوت عال: إن مفتاح الخير كله هو الزهد في الدنيا، وقد سأله أحدهم وما الزهد في الدنيا؟ فقال: القناعة والرضا وهما الغنى الحقيقي، فليس الغنى في كثرة المال والعيال، إنما الغنى غنى النفس بالقناعة والرضا في الدنيا، حتى نفوز في الآخرة، ثم توجه إلى الله داعيًا: اللهم زهدنا في الدنيا، فإنه صلاح قلوبنا وأعمالنا وجميع طلباتنا ونجاح حاجتنا.
وحج هارون الرشيد ذات مرة؛ فسأل أحد أصحابه أن يدله على رجل يسأله؛ فدله على الفضيل، فذهبا إليه، فقابلهما الفضيل وقال للرشيد: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا أناسًا من الصالحين فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء «يعني الحكم» فأشيروا علي.. فعد عمر الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة، فبكى الرشيد، فقال له صاحب الرشيد: ارفق بأمير المؤمنين، فقال الفضيل: تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا؟ «يقصد أن عدم نصحه كقتله» فقال له الرشيد : زدني يرحمك الله.
فأخذ يعظه وينصحه، ثم قال له: يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي ﷺ قال: «ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة» «متفق عليه»، فبكى هارون وقال له: أعليك دين أقضيه عنك؟ فقال: نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه، والويل لي إن ناقشني، فالويل لي إن لم ألهم حجتي، قال: إنما أعني من دين العباد. قال: إن ربي لم يأمرني بهذا؛ أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره، فقال الرشيد: هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادة ربك فقال الفضيل: سبحان الله، أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا، سلمك الله ووفقك، ثم صمت فلم يكلمنا؛ فخرج الرشيد وصاحبه، وكان الفضيل شديد التواضع، يشعر دائمًا بأنه مقصر في حق الله، رغم كثرة صلاته وعبادته.
وتمضي الأيام، وتتقدم السن بالفضيل بن عياض، وذات مرة كان بعض الناس جلوسًا عنده، فقالوا له: كم سنك؟ فقال:
بلغت الثمانين أو جزتها
فماذا أؤمل أو أنتظر؟
علَتْني السنون فأبلينني
فدق العظام وكل البصر
ومرض الفضيل، فسمع يقول: ارحمني بحبي إياك، فليس شيء أحب إلي منك، وأقام الزاهد العابد الفضيل بن عياض بـ «مكة» حتى توفي عام ۱۸۷هـ وأطلق عليه هناك «شيخ الحرم المكي».
فانظر يا رعاك الله كيف فعل الإيمان بالعصاة؟! وكيف أصلح بهم وهداهم وجعلهم أئمة يهدون الناس ويذكرون بالخير في التاريخ، ويكونون مثلًا في الأمة.. فهل نعي ذلك ونفهم هذا في زماننا هذا، ونعرف أن الإسلام هو الحل؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل