العنوان كيف يعيش المهاجرون؟
الكاتب د. نجيب الرفاعي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1983
مشاهدات 46
نشر في العدد 644
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 08-نوفمبر-1983
الحلقة الخامسة
أرى نفسي أصغر من أن أتحدث مع رجال يتكلمون بأفواه البنادق!
كيف يشفي الأطفال وهم يعانون من قلة الطعام والكساء والرعاية الصحية؟
رغم الفقر والحاجة إلا أن عزة الإيمان والإسلام بادية على وجودهم.
التقيت بالشيخ أحمد القطان الذي كان مدعوًّا لإلقاء محاضرة عامة دعا لها الاتحاد الإسلامي للمجاهدين الأفغان وحضرها ما يقارب من ألف مجاهد سألته عن انطباعه عن المحاضرة والزيارة التي قمنا بها لأحد مخيمات المهاجرين فقال: لقد كنت انتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر إذ كنت عقدت النية منذ انطلاقي من الكويت أن أسعى على الأرملة واليتيم والمسكين لقوله- صلى الله عليه وسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» وفي الصباح الباكر انطلقنا مع الأخ المجاهد أحمد شاه في سيارة المجاهدين إلى أحد مخيمات المهاجرين وقد كنت أرسم في خيالي صورًا توقعت أن أراها وذلك أقصى ما استطاع خيالي أن يرسمه من البؤس والجوع والعري ولكن لما عانيت واقعهم الأليم تلاشى الخيال وبقى الواقع الذي تعجز العبارة عنه هذا الواقع الذي يشكو إلى الله ظلم الطواغيت ويصيح بأعلى صوته بالمترفين: أن تعالوا وشاهدوا ما نحن فيه لتعلموا قدر نعمة الله عليكم كانت سيارتنا تنهب الطريق وبين الحين والحين تتوقف تمامًا لتسير ببطء على جسر جرف السيل بعضه أو لعبور عربة الحصان وانعطفت بنا السيارة عبر خيام بالية أهدابها ممزقة أكلتها عوامل التعرية من رياح وأمطار ليس لها لون معين؛ إنها بلا لون، وانكسر قلبي يوم أن رأيت عشرات الأطفال العرايا يلعبون ببراءة حول مستنقعات المياه العفنة من مخلفات الأمطار وقد ظهر الطفح الجلدي على أجسادهم، وجوههم شاحبة، عيونهم حائرة أجسادهم نحيفة شعث الرؤوس غبر الأقدام فر بعضهم خوفًا من السيارة لأنهم ما اعتادوا أن يدخل أحد عليهم وكم تمنيت أن أنزل والسيارة تسير بنا لأمسح على رؤوسهم واحدًا واحدًا ولم أتمالك وأنا أرى أيديهم تمتد إلينا ولا يوجد في يد أحدهم ما في يد أطفالنا من ألعاب وحلويات حتى فاضت عيناي بالدموع وتخيلت بناتي الخمس بينهن في مثل هذه الحال وأخيرًا وصلنا إلى بناء طيني على شكل سور وإذا بداخل السور بئر محفور بعمق أربعين ذراعًا ولم يصلوا إلى الماء بعد وعلى جانب السور بنيت عدة غرف كلها من الطين وأخشاب الشجر لا نوافذ لها وبجانبها حفرة في الأرض عظيمة وسألنا عن سبب وجود هذه الحفرة التي امتلأت بماء المطر فأجابنا مرافقنا: إننا لا نملك قيمة الطين وقيمة المواصلات لإحضاره من الخارج مما جعلنا نأخذ من طين الأرض التي نبني عليها فسألناه عن تكلفة بناء هذه المدرسة فقال إنها تعتبر من أبسط أنواع المدارس عندنا وتكلفتها تقدر بخمسين ألف روبية «أي ما يعادل 1063 دينار»
وإنها تكون صالحة للعمل لمدة عشر سنوات مع الترميم المستمر بسبب دلوف ماء المطر من سقفها وجدرانها فقلنا له: يا أخانا الكريم اعتمد من الآن بناء عشرين مدرسة على نفقة بعض المحسنين من أهل الكويت الذين أبوا أن نذكر أسماءهم إلا أن امرأة أحبت أن تسمي إحدى هذه المدارس باسم ولدها ناصر تفاؤلًا باسمه لعل الله ينصر المجاهدين ويقيم دولة الإسلام، وقد تصدقت بستة آلاف دينار وسنبني بها خمس مدارس إن شاء الله، ووجدت كثيرًا من الشباب في مخيمات المهاجرين عاطلين عن العمل لأنهم في بلد فقير واليد العاملة فيه كثيرة وبعضهم الآخر يذهب بعيدًا في الغابات ليقطع الأشجار ويبيعها لتستخدم في البناء ومع الأسف الشديد لا يؤذن للمهاجرين أن يمارسوا الزراعة في أرضهم بل إن الأرض التي أعطيت لهم لكي يسكنوها أشبه ما تكون بسطح القمر لما فيها من المنخفضات والمرتفعات والمعوقات وإنك لترى السيول وقد جرفت كثيرًا من الخيام وأخرجت أهلها منها، وقد كان طبيب الأطفال المرافق لنا في رحلتنا الدكتور زيدان المزيدي يقول: إنه يعالج كل يوم مائة طفل وكنا نعجب من هذا العدد الكبير؟ ولكن كيف يشفى الأطفال وهم يعانون من قلة الطعام والكساء والرعاية الصحية؟ .... إنهم في العراء تحت المطر وفي الطين!! وهل يشفى طفل ثيابه من طين؟ .... وإنك لترى النساء يحملن على رؤوسهن الماء لمسافات طويلة من البئر الوحيد الذي يشربون منه ويطبخون ويغسلون ثيابهم ويسقون دوابهم وهذا الماء يفتح كل يوم في ساعة معينة، ثم يغلق وإذا كانت ربة الأسرة مريضة فمن يحمل لها الماء وزوجها هناك في الجهاد؟ أو استشهد في ساحات القتال؟ إنها والله لمأساة القرن العشرين. ومررنا على سوقهم... فرأينا عيدانًا واقفة ترفع مظلة الحصيرة وتحتها أناس أمامهم قفاف فيها أشياء ما تدري ماهي لعلها بعض البطاطا الهندية وبعض الأطعمة كالبطيخ ولكنك لا تجد أحدًا يشتري إلا أطفالًا يتجمعون حول البائع يسرقون بأنظارهم لون الطعام ومع وجود هذا الفقر إلا إنك تلاحظ أثر التعاون بينهم فهم يتعاونون على ترقيع الخيام العالية وإحاطتها بسور طيني ليمنع دخول المطر وبعضهم استطاع بتعاون مع جيرانه أن يبني له غرفة إذا قمت فيها أصاب السقف رأسك وإذا نمت فيها أصابت قدماك الجدار وهذا يعتبر بالنسبة لصاحب الخيمة من ساكني القصور، وهم يخافون من كثرة الأمطار لأنها تأكل جدرانهم الطينية وتهدم الدار.
ومع ما هم فيه من فاقه وحاجة إلا إن عزة الإيمان والإسلام بادية على وجوههم فنساؤهم محجبات يمشين على استحياء لا يقتربن من الرجال وصدق المثل القائل تموت الحرة ولا تأكل من ثديديها أما رجالهم فإن فرحتهم ليست بسبب المال أو التبرعات وإنما منبثقة لحبهم للمسلم العربي إذ يعتقدون أنه من سلالة أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وإحساسهم أنهم ليسوا وحيدين في صراعهم مع العدو وإنما لهم إخوان في الدين والعقيدة يأتونهم من مكان بعيد ليضعوا أيديهم معهم تحت راية لا إله إلا الله وأما عن محاضرتي التي ألقيتها على المجاهدين فما كنت أتوقع أن أرى هذا الحشد الهائل في انتظاري إذ كنت أرى نفسي أصغر من أن أتحدث مع رجال يتكلمون بأفواه البنادق ويقاتلون بأرواح المدافع شعارهم نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا ولكنها كلمة عبد ضعيف يعاني مما يعاني منه المسلمون وألقيت خطبتي فيهم باللغة العربية وكان أكثرهم يفهمها لأن تعلم اللغة العربية عندهم واجب لتلاوة القرآن الكريم في الصلاة وفتح الله علي معاني الجهاد والهجرة ومعاني الأخوة في الله حتى أنني أحسست وأنا أتلو هذه الآية من قوله تعالى: ﴿فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ ﴾ (آل عمران:195) أنها بجميع معانيها وكلماتها وحروفها تنطبق على الشعب الأفغاني المجاهد وأنني لأسمع بين الحين والحين تكبيرًا جماعيًّا ينطلق من حناجرهم فترتج الأرض من حولنا وكأني أسمع الجبال تردد أصداءه وبشرتهم بما للشهيد من أجر في قوله- صلى الله عليه وسلم: «للشهيد سبعة خصال يغفر له عند أول دفعه من دمه ويرى مكانه من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبيعين من أقاربه وفي الختام ودعتهم وعقدت النية على لقاء جديد في كل عام ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
فكرة للجهاد بالمال
قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ﴾ (سبأ:39).
أي قل يا محمد أن ربي يوسع الرزق لمن يشاء من خلقه، ويقتر على من يشاء، فلا تغتروا بالأموال التي رزقكم الله إياها وما أنفقتم من شيء في سبيل الله قليلًا وكثيرًا فإن الله تعالى يعوضه عليكم إما عاجلًا أو آجلًا وهو تعالى خير المعطين فإن عطاء غيره بحساب وعطاؤه تعالى بغير حساب قال المفسرون: لما بين أن الإيمان والعمل الصالح هو الذي يقرب العبد إلى ربه ويكون مؤديًا إلى تضعيف حسناته، بين أن نعيم الآخرة لا ينافي سعة الرزق في الدنيا بل الصالحون قد يبسط لهم الرزق في الدنيا، مع مالهم في الآخرة من الجزاء الأوفى والمثوبة الحسنى بمقتضى الوعد الإلهي. «الصابوني، صفوة التفاسير».
قال- صلى الله عليه وسلم: ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما: «اللهم أعط منفقًا خلفًا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا». أخرجه البخاري ومسلم.
الماء... عنصر من عناصر الحياة على الأرض... فيه الحياة وفيه الحركة وفيه العيش... أدركت ذلك جيدًا حينما كنت في الحج هذه السنة وفي منى بالذات إذ أحيانًا ينقطع عنا الماء فنعيش في حالة لا يعلمها إلا الله.... فكيف بإخواننا المهاجرين؟ ..... الذين حالتهم إذا قيست بحالتنا في منى تعتبر أكثر شدة وقسوة ومعاناة؟!!
شاهدنا نساءهم يحملن قوارير الماء على رؤوسهن لمسافات طويلة إلى منازلهن المبنية من الطين والخيام..
كم كانت فرحة أهل المخيم حينما شاهدونا... تراكضوا إلينا من كل صوب وكان من مطالبهم الضرورية، حفر آبار المياه..
أيها المنفق الكريم، هذا باب من أبواب الخير فتح لك، فمد يدك مبسوطة بما شئت من مال للمساهمة في حفر آبار المياه في مخيمات نضبت خيامها على أرض باطنها امتلأ بالماء وظاهرها شح بالماء تنتظر من يحفر هذه الأرض لتخرج ماء عذبًا، يعيد الحياة والحركة إلى أطفال ونساء المجاهدين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ﴾ (الأنبياء:30). «ترسل التبرعات إلى لجنة الزكاة والخيرات في جمعية الإصلاح الاجتماعي مع ضرورة الكتابة على الظرف الخارجي مشروع حفر آبار المياه للمهاجرين الأفغان».