; لا لفوكلاند... نعم لمالقيناس | مجلة المجتمع

العنوان لا لفوكلاند... نعم لمالقيناس

الكاتب إسماعيل درويش

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1982

مشاهدات 64

نشر في العدد 568

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 27-أبريل-1982

على إثر احتلال القوات الأرجنتينية لجزر مالقيناس أو كما تسميها إنجلترا بـ«فوكلاند» تأزمت العلاقات بين الدولتين، وهددت بريطانيا بحسم المشكلة عسكريًّا إن لم تنسحب الأرجنتين فورًا. ولم تأبه الأرجنتين بتهديدات إنجلترا، بل عززت قواتها التي احتلت الجزيرة استعدادًا لاحتمال المجابهة العسكرية مع بريطانيا. والسؤال المطروح هنا: لماذا تصر أجهزة أعلامنا العربية كافة على تسمية الجزر كما تحب بريطانيا وتشتهي، وهو اسم فوكلاند.. لا كما تسميها الأرجنتين «مالقيناس» Malvina؟ لماذا هذا التضامن المعنوي مع بريطانيا ذلك المستعمر البغيض  إلى قلوبنا جميعًا؟ أنسينا الأيادي السوداء لبريطانيا التي لا تزال بصماتها حتى  اليوم ظاهرة بارزة في الجسد الإسلامي الكبير؟ أنسينا مشكلة المسلمين الأولى في العالم أجمع وهي مشكلة فلسطين التي أوجدتها بريطانيا، فمكنت  اليهود من رقاب المسلمين فيها؟

أنسينا هذه المأساة الحزينة التي أسفرت عن تشريد ثلاثة ملايين فلسطيني في مشارق الأرض ومغاربها هائمين على وجوههم، لا معين لهم ولا نصير إلا الله رب العالمين وكفى به نصيرًا. وأسفرت كذلك عن تدنيس المسجد الأقصى من قبل أحفاد القردة والخنازير من يهود. هذا المسجد الذي أصبحنا حكامًا ومحكومين نتباكى عليه كبكاء النساء المعازيل، أم  أننا نسينا جرائم الإنجليز التي كانت لا تغيب عنها الشمس ضد إخواننا المسلمين في كل مكان. أنسينا الأعراض التي هتكت أم  الدماء التي سالت على أيديهم القذرة الملطخة دومًا بدماء الشعوب في بلاد الرافدين في العراق الشقيق، أم  تلك التي كانت في أرض الكنانة، أم  تلك التي كانت في باكستان والهند ودول إفريقيا لا نحصي لها عددًا؟ أنسينا كل هذا بين عشية وضحاها وأصبح الإنجليز لنا أحباء وأصدقاء؟!

إن هذا النسيان أو التناسي ما هو إلا جرح جديد يضاف  إلى هذا الجسد المهترئ للأمة الإسلامية الذي ما بقي فيه من شبر إلا وفيه طعنة رمح أو شكة سهم أو ضربة سيف، بعد أن تداعت عليها الأمم كما تتداعى الأكلة  إلى قصعتها.

فلا يجوز ولا ينبغي لنا أن ننسى ما أسلفت بريطانيا بحقنا جميعًا، فالدول المأجورة والتافهة التي لا مكان لها إلا على هوامش الأمور هي التي تنسي سيئات الآخرين تجاهها، أما الدول التي تنشد الحياة الكريمة الحرة فهي التي تحفظ ذلك جيدًا لتثأر من أعدائها وتنزل بهم قصاصها الذي يذهب غيظ قلوبها.

ولو نظرنا لقضية جزر مالقيناس لرأينا أن الأرجنتين أحق بها من بريطانيا، فهذه الجزر لا تبتعد عن الأرجنتين إلا «٥٠٠» كم في حين تبعد عن بريطانيا حو إلى  «۱۲» ألف كم. فـأي الفريقين أحق بالجزر إن كنتم تعلمون؟

إنها الأرجنتين التي تقع الجزر على مرمى بصرها، وإذا كانت بريطانيا تدعي بأنها في الجزر فيها منذ «٢٠٠» عام، فهذا الادعاء لا يكفي «لبريطانيا» الجزر وإلحاقها بالتاج البريطاني المتداعي، وإذا ما أشبع استعمال هذا المنطق الإنجليزي الأعوج بين الدول فإنه سيثير حربًا عالمية ضروسًا بكل تأكيد؛ لأن كثيرًا من الدول القائمة  اليوم كانت بالأمس مملوكة من قبل دول أخرى مكثت فيها مئات السنين، فالخريطة السياسية للعالم  اليوم تختلف تمامًا عما كانت علية قبل ٥٠ سنة، وهي أشد اختلافًا مما عليه الآن قبل ١٠٠ سنة أخرى.

وإنني أسأل الإنجليز هؤلاء أتراهم يوافقوننا ويقفون  إلى جانبنا  اليوم لو طالبنا بإسبانيا التي مكثنا فيها ٨٠٠ عام كما مكثت هي ٢٠٠ عام؟ بكل تأكيد لا؛ لأنه الاعوجاج المتأصل في النفسية الإنجليزية المعقدة تجاه الآخرين، وخاصة المسلمين منهم.

وثمة أمر آخر غير العامل الجغرافي للجزر يدعونا لأن نقف  إلى جانب الأرجنتين، فصراعها مع طغمة بريطانيا حول الجزر أنها إن لم تكن قد أحسنت  إلى العرب في صراعهم مع إسرائيل فهي لم تسئ  إلى هم بعد، وبالتالي  فهي أولى بأن ندعمها ضد بريطانيا.

ثم أود لفت أنظار بني قومي  إلى هذا التزلف  إلى بريطانيا بمجاراتها والوقوف  إلى جانبها ضد الأرجنتين لا يقربنا منها زلفى؛ بل يزيدنا مقتًا وخسارًا، فلا يحلمن أحدنا يومًا ما بلغته سامية من المسز ثاتشر.

ثم لعل في حركة الأرجنتين هذه ما تثير حوافز زعمائنا لاتباع سنة الأرجنتين واتباع نفس السبيل الذي سلكته من أجل انتزاعنا حقنا الأبلج المغتصب في فلسطين.. وإن المرء منا ليشعر بمزيد من الإحباط عندما يشاهد حتى دول العالم الثالث أصبحت تبحث في زوايا التاريخ لعلها تجد لها حقًّا ضائعًا فتسترده، فهذه الأرجنتين وجدت لها في إحدى زوايا التاريخ قبل مائتي عام مجموعة من الجزر التافهة كانت قد مكثت بها يومًا ما عشرين عامًا، فمتى نفكر نحن باسترداد دیار مكثنا فيها ٨٠٠ عام؟ بل متى نفكر جديًّا باسترداد فلسطين التي لم يعرف لها التاريخ أهلًا سوانا؟ قل عسى أن يكون قريبًا، وما ذلك على الله بعزيز.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 251

86

الثلاثاء 27-مايو-1975

لعمر الحق كيف يلتقيان؟

نشر في العدد 334

70

الثلاثاء 25-يناير-1977

مصر بعد لبنان