; «المجتمع» تكشف الستار عن «أسئلة وهمية» تلفقها إذاعة لندن | مجلة المجتمع

العنوان «المجتمع» تكشف الستار عن «أسئلة وهمية» تلفقها إذاعة لندن

عنوان تمهيدي لا يا إذاعة لندن

الكاتب عطية محمد سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1975

مشاهدات 10

نشر في العدد 260

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 29-يوليو-1975

  • الإذاعة البريطانية تهاجم وحدة الدول الإسلامية وتعلن عدم صلاحية الإسلام للحكم!
  • متى أصبح ديفيد ميتشل مفتيًا في الشؤون الإسلامية؟
  • الجامعة الإسلامية هي البعبع الذي يفزع منه المستعمرون
  • الخلافة الإسلامية ومؤامرات القضاء عليها
  • البعث الإسلامي آتٍ لا ريب فيه

بقلم: عطية محمد سعيد

اتضح أن الأسئلة التي تجيب عليها إذاعة لندن إنما هي نسيج من التلفيق والتدليس والإفك.

وخطتها في ذلك أن تصوغ أسئلة وهمية ثم تجيب عليها؛ لتغطي مناسبات معينة.

فالهجوم على «وحدة المسلمين» عبر برنامج "السياسة بين السائل والمجيب" بث قبيل انعقاد مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية بأيام، والمناسبة- كذكرى- تشد المسلمين إلى معاني الوحدة والتجمع العقائدي الحقيقي.

وإذاعة لندن لا تريد حتى تذكر المسلمين بمعاني الوحدة والتآخي، ولذلك بثت أراجيفها.

الاكتشاف الثاني- وهو الأخطر- أن هذه الإذاعة الاستعمارية تختلق أسئلة من جراب أكاذيبها الخاص!

فالسؤال الذي زعمت أنه جاءها من «مشهور نايف القصراوي».. زعمت أنه جاءها من الصومال وغير الصومال أيضًا.

وقد نسب السؤال الملفق إلى صومالي في كينيا وأذيع يوم الخميس 17 / 7 / 1975 الساعة 5:45.

ومن هنا فإنها كما بثت الإجابة المريبة باللغة العربية بثتها كذلك بلغات أخرى منها لغة صوماليا.

إنها أسئلة طبخت طبخًا، لكي تكون ذريعة لإجابات سياسية مُوَجَّهَة تخدم مصالح الذين يعيشون في دفاترهم القديمة بعد إفلاسهم الشامل!

·         وكانت «المجتمع» في العدد الماضي قد وعدت قراءها بتقديم دراسة ترد فيها على إذاعة لندن، وتقدم الحقائق والمفاهيم السليمة.

وقد كتب هذه الدراسة- مشكورًا- الأستاذ عطية محمد سعيد الكاتب والداعية الإسلامي المعروف، وفيها تعقب مقولات إذاعة لندن وأسقطها واحدة بعد الأخرى.

لا يا إذاعة لندن

الزمن والتاريخ: الساعة الرابعة والدقيقة السابعة والأربعون بتوقيت غرينتش من يوم الاثنين 30 - 6 - 1975

هنا لندن

السياسة بين السائل والمجيب

نقدم في مستهل حلقة اليوم من السياسة بين السائل والمجيب جواب السؤال الذي جاءنا من الأخ مشهور نايف القصراوي من قرية قصرى بلواء نابلس بفلسطين العربية وهو يقول:

هل من الممكن تشكيل دولة إسلامية تضم كافة الأقطار الإسلامية في العالم وتصهرها في دولة إسلامية واحدة بدلًا من كونها دويلات مجزأة تلعب بها أيدي الاستعماريين الغربي والشيوعي السوفيتي فتكون مانعًا عظيمًا في وجه هؤلاء الغزاة المستعمرين لحماية دين الإسلام؟

وهل تستطيع الجامعة العربية المناداة بقيام مثل هذه الدولة الإسلامية؟

وما المانع من جعل مكة المكرمة مركزًا لهذه الدولة الإسلامية؟

هذا ما يتساءل عنه الأخ مشهور نايف القصراوي.

أما المجيب فهو ديفيد ميتشل:

«مما لا شك فيه أن إنشاء دولة إسلامية شاملة فكرة يصبو إليها كثير من المسلمين. ولكن من المؤكد أن الأكثرية الغالبية من المشتغلين بالأنظمة السياسية من جميع الأديان يتفقون على أن اتباع دين منظم لا يكفي من الناحية العملية الواقعية لإيجاد وحدة سياسية بين بلدين.

وصحيح أن اشتراك بلدين في دين واحد يعتبر عامل وحدة ثقافية تراثية ويسهل على كل من البلدين فهم البلد الآخر.

لكن وحدة الدين في حد ذاتها لا تيسر للبلدين حاجات مشتركة ومصالح مشتركة في الحياة السياسية العادية. وأحدث مثال على ذلك وهو مثال بسيط جدًا قضية باكستان التي انفصل شطرها الواحد عن الآخر لوجود أرض شاسعة بينهما يقيم فيها الهندوس ولوجود اختلافات بين شطري باكستان في عدة ميادين ناجمة عن مشاكل اجتماعية واقتصادية مختلفة جدًا. فكان انفصال باكستان الشرقية عن باكستان الغربية وتكوين بنغلادش أمرًا متوقعًا لا بد منه تقريبًا.

والسؤال عن الدولة الإسلامية الشاملة يثير عددًا كبيرًا من المسائل الفرعية التي لا تنتهي.

فلا بد من السؤال: من ذا الذي يحكم مثل تلك الدولة الإسلامية الشاملة؟

هل يحكمها خليفة جديد؟

فإذا وجد لها خليفة فكيف يمكن انتخابه؟

وهل تصلح مكة المكرمة من الناحية العملية الواقعية لإدارة شؤون مثل تلك الدولة الإسلامية الواحدة المترامية الأطراف الشاسعة المساحة؟

وما مقدار الحكم الذاتي الذي تمنحه تلك الدولة للولايات الإسلامية المختلفة التي تتألف منها؟

وما الوسيلة التي يمكن بها للحكومة الإسلامية المركزية أن تضمن طاعة تلك الولايات فيما لو أن الولاية قد استحوذت على ما لا يحق لها من السلطة؟

أولا يوجد خطر من ظهور رجال ذوي طموح ويطمعون في الاستيلاء على السلطة كما حدث دومًا في التاريخ، وكما يحدث اليوم في كل مكان؟

ثم ألا يمكن أن يظهروا داخل دولة إسلامية شاملة فيستروا مطامعهم بثوب ديني ونداءات دينية بدل ثوب الرئاسة ونداءات السياسة التي نراها اليوم؟

لم يكن الدين في جميع الأوقات عامل وحدة بأي شكل من الأشكال، ويشهد على صحة قولي هذا وجود الفرق المختلفة في كل دين سواء في الإسلام أم المسيحية أم أي دين آخر.

وجامعة الدول العربية لا تعتبر نفسها جامعة دول إسلامية على الرغم من أن الأكثرية الساحقة من سكان دولها هم من المسلمين، فهي تعتبر نفسها جامعة الدول التي تتكلم باللغة العربية وتشعر بشعور العرب.

وصاحب السؤال عن الوحدة الإسلامية الشاملة مفرط في التشاؤم إذا كان يعتقد أن دول أوروبا الغربية والاتحاد السوفيتي تستطيع بسهولة أن تلعب بالدول الإسلامية، فالوضع العظيم الذي تتمتع به الدول الإسلامية والمكانة القوية التي تنعم بها في العالم الثالث وفي منظمة الأمم المتحدة يشكلان حصنًا منيعًا يحميها من أن تلعب بها أي دول أجنبية».

(الكويت- ص.ب 4850- 12 - 7 – 1975م).

إلى المستر ديفيد ميتشل بواسطة السيد حسني العبوشي

مقدم برنامج السياسة بين السائل والمجيب - القسم العربي -

لهيئة الإذاعة البريطانية

بعد التحية:

لقد استمعت صبيحة يوم الاثنين 30 - 6 - 1975 إلى إجابتكم على السؤال الموجه من السيد مشهور نايف القصراوي بقرية قصرى بلواء نابلس بفلسطين العربية، والذي اقترح فيه قيام دولة إسلامية شاملة تضم جميع الدول العربية الإسلامية وتكون عاصمتها مكة المكرمة.

وقد توليتم الإجابة على ذلك السؤال..

اسمحوا لي أن أبدي لكم الملاحظات الآتية:

1 - أن مسألة الإمامة أو الخلافة فريضة إسلامية وعقيدة دينية تؤمن بها أكثر من ثمانمائة مليون مسلم في العالم، وحكمها كحكم سائر الفرائض الإسلامية كالصلاة والصيام والحج...إلخ.

وتناولكم لها بهذه الصورة فيه إساءة بالغة لمشاعر المسلمين واستخفاف بمعتقداتهم الدينية.

2 - أنكم لستم أهل الاختصاص في الشؤون الإسلامية حتى تتولوا الإجابة على هذا الموضوع الخطير؛ لأن معرفتكم بالشؤون العربية لا تؤهلكم بأي حال من الأحوال للخوض في المسائل الإسلامية.

3 - أن إجابتكم على هذا السؤال الخطير كانت مجافية للمنطق السليم والأمانة العلمية التي تقتضي تجرد الباحث عن النظرة الضيقة التي يدفع إليها الهوى وسوء القصد، وتوجب عليه أن يتحرى الحقائق المجردة سواء اتفقت مع وجهة نظره ومصلحته «الإمبراطورية» أم اختلفت.

4 - أن العالم الإسلامي قد أخذ يستيقظ من سباته العميق وبدأ يفكر جديًا في أمر الجامعة الإسلامية، وعما قريب سيقف على قدميه قويًا متحدًا ليؤدي دوره في التاريخ المعاصر كما فعل ذلك في ماضيه المجيد.

5 - أرفق لكم مع هذا تعقيبًا مفصلًا على ردكم على هذا الموضوع الهام بقصد توضيح وجهة النظر الإسلامية وإبراز الحقائق المجردة لبحث مسألة الجامعة الإسلامية.

وستجدون في ثنايا هذا التعقيب أقوال طائفة من كبار المستشرقين الذين تخصصوا في الدراسات الإسلامية في هذا الموضوع.

6 - أرجوكم التكرم بتصحيح الأخطاء التي ذهبتم إليها في ردكم السابق من نفس المنبر الذي أعلنتم فيه رأيكم عن الخلافة وهو برنامج السياسة بين السائل والمجيب بالإذاعة البريطانية.

وتفضلوا بقبول تحياتي

عطية محمد سعيد- من السودان - زائر للكويت

مفهوم الدين في الإسلام:

قبل أن نبدأ في التعقيب على إجابتك يا مستر ميتشل عن موضوع الدولة الإسلامية الشاملة، أحب أن نحدد المفاهيم المقصودة من كلمة الدين؛ لأن المفهوم الذي تتحدث عنه أنت وتصفه بأنه لا يصلح ولا يكفي لإنشاء وحدة بين بلدين هو قطعا مفهوم يختلف تماما عن المقصود بكلمة «دين» في الإسلام. ذلك لأن الدين في الإسلام يعني تصريف كل شؤون الحياة من عبادات ومعاملات وأحكام وقوانين وشرائع وأحلاف ومعاهدات وفق إرادة الله الممثلة في شرعه الذي أرسل به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم وتضمنه القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة.

من هنا يختلف مفهوم الدين في الإسلام عن مفهومه في اليهودية أو المسيحية أو أي دين آخر، وقد أدرك هذه الحقيقة كبار المستشرقين الذين كتبوا عن فلسفة الأديان أو الأديان المقارنة.

قال هاملتون جيب في كتابه «المجتمع الإسلامي والغرب»: «والشريعة الإسلامية من الناحية النظرية تتناول كل شيء، فلم تكن كالقانون الكنسي في المسيحية مجرد قانون ديني يقوم إلى جانبه مستقلا عنه قانون مدني لتنظيم بعض الشؤون الدنيوية، عندئذ صار واضحا أن الإسلام لم يكن مجرد عقائد دينية فردية، وإنما استوجب إقامة مجتمع مستقل له أسلوبه في الحكم وله قوانينه وأنظمته الخاصة به».

وقال الدكتور شاخت: «إن الإسلام يعني أكثر من دين.. إنه يمثل أيضا نظريات قانونية وسياسية.. وجملة القول: إنه نظام كامل يشمل الدين والدولة معًا».

وقال المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي: «في الإسلام يتحد العنصران (الدين والدولة) في كيان وحدة عضوية».

وقال جوزيف هل: «ومثلما أيقظ الإسلام في نفوس أتباعه الحاجة إلى الحضارة، وبعث فيهم الشعور بحب الخير وشكل حياتهم العامة والخاصة على السواء، فإن الفن الإسلامي الذي بدأ أصلا في المسجد احتضن كذلك الحاجات الدنيوية لحياة الناس الخاصة والعامة».

الدين ووحدة الشعوب

إنك تقول يا مستر متشل: «لم يكن الدين في جميع الأوقات عامل وحدة بأي شكل من الأشكال، ويشهد على صحة قولي هذا وجود الفرق المختلفة في كل دين سواء في الإسلام أم المسيحية أم أي دين آخر»

هذا القول يا ديفيد متشل بعيد عن الصواب كل البعد، كما أنه مخالف للواقع الذي عاشته البشرية وتعيشه إلى اليوم.

إن الدين عامل من أهم عوامل الوحدة بين الشعوب، وفي كثير من الأحيان كان هو العامل الوحيد، كما هو الحال في وحدة الأمة الإسلامية في مختلف عصورها.

وكما حدث في وحدة العالم المسيحي وتجمعه لضرب الإسلام في الحروب الصليبية.

وكما يحدث اليوم في تجمع اليهود من كل أطراف العالم لإقامة دولة إسرائيل.

هذا ومما تجب الإشارة إليه أن انعدام الوحدة الدينية يعتبر عاملًا من أهم عوامل التفرق والتشتت للأمة الواحدة. ويمكنك متابعة ذلك في أرجاء متفرقة من العالم. خذ مثلًا: حوادث بيروت والمشاكل القائمة بين الموارنة والمسلمين في لبنان.

وحوادث إيرلندا والمذابح الدائرة بين الكاثوليك والبروتستانت، ومشكلة نيجيريا التي تسببت في حرب بيافرا. ومشكلة جنوب السودان التي يدعمها الفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي لفصله عن الشمال المسلم.

أما استشهادك بوجود الفرق المختلفة في الدين الواحد فهو صحيح إلى حد ما، ولكنه لا يمنع من التعاون والعمل المشترك للغايات الكبرى بين أبناء الدين الواحد، فقد تلاشت الفوارق بين الكنيسة الكاثوليكية (إيطاليا وفرنسا) والبروتستانتية (بريطانيا) والأرثوذكسية «روسيا» في سبيل القضاء على الخلافة الإسلامية واقتسام أملاكها بينهم، كما حدث في أعقاب الحرب العالمية الأولى وما سبق ذلك منذ مؤتمر برلين سنة 1878م.

الدولة الإسلامية الشاملة:

لقد كان السؤال الذي طرحه الأخ مشهور نايف القصراوي يتضمن اقتراحًا بتكوين دولة إسلامية شاملة تجمع شتات العالم الإسلامي وتقف سدًا منيعًا في وجوه المستعمرين الغزاة من كلا المعسكرين: الرأسمالي الغربي والشيوعي السوفيتي.

وبما أنك يا مستر (ديفيد) قد بذلت كل ما تملك من حنكة ودهاء سياسي لصرف الأنظار عن قيام هذه الدولة الإسلامية لحاجة في نفس (يعقوب)، فإني - نظرًا لأهمية الموضوع من الناحيتين الدينية والسياسية معًا - قد بذلت جهدي في توضيح الحقائق المجردة حول هذا الموضوع معتمدًا على الوقائع التاريخية والأحداث السياسية والوثائق الرسمية وشهادات المختصين في الدراسات الإسلامية من المستشرقين، وإليك بيان مفصلًا.

الجامعة الإسلامية:

ما شهد التاريخ رابطة تجمع بين الشعوب فتوحد كلمتها وتذيب فوارقها وتصهرها في أمة واحدة قوية البنيان متماسكة الأركان مثل رابطة الإسلام التي جمعت بين الأجناس المختلفة والشعوب المتنافرة، فألفت بين قلوبهم ووحدت أهدافهم وغاياتهم وصنعت منهم أمة الإسلام التي كان لها أثرها الواضح في التاريخ البشري..

قال الدكتور ولفرد كانتول سميث مدير معهد الدراسات الإسلامية بجامعة ماكجيل بمنتريال بكندا: «إن المجتمع الإسلامي ليس متحدًا وحسب بالإخلاص المشترك والتقاليد وبنظام دقيق من القيم والمعتقدات. وليس هو نتاج مثلٍ رائعة وحسب.. إنه ينبض بحيوية اعتقاد شخصي عميق.. اعتقاد ديني حار مليء بالمقاصد بالنسبة إلى العضو الفرد».

وقال: «وكان لتاريخ صدر الإسلام على هذه البسيطة طابع بارز وهو النجاح البين الواضح. وكان هذا النجاح شاملًا ومثيرًا».

وقال: «وكان الطابع الإسلامي هو الذي أعطى المجتمع قوته وصلابته. أما مركز هذه القوة الموحدة فكان الدستور الديني الذي نظم ضمن تياره القوي المحكم كل شيء من شعائر الصلاة إلى حقوق الملكية. وقد منح ذلك الدستور الوحدة للمجتمع الإسلامي من قرطبة إلى الملتان».

وقال المستشرق الألماني آدم متز بعد أن ذكر حدود الدولة الإسلامية التي تمتد من كاشغر في أقصى الشرق إلى السوس الأقصى في الغرب، والتي جمعت تحت رايتها بلاد المغرب والهنود والصينيين والبلغار والأرمن والترك والصقالبة والسودان، قال: «وكان المسلم يستطيع أن يرتحل في داخل هذه المملكة في ظل دينه وتحت رايته، وفيها يجد الناس يعبدون الإله الواحد الذي يعبده ويصلون الصلاة التي يصليها، وكذلك يجد شريعة واحدة وعرفًا واحدًا وعادات واحدة. وكان يوجد في هذه المملكة الإسلامية قانون عملي يضمن للمسلم حق المواطنة بحيث يكون آمنًا على حريته الشخصية أن يمسها أحد».

وقارن آدم متز بين الدولة الإسلامية في القرن الخامس والدولة الألمانية في القرن الثامن عشر فقال: «وقد طاف ناصر خسرو في هذه البلاد الإسلامية كلها في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) دون أن يلاقي من المضايقات ما كان يلاقيه الألماني الذي كان ينتقل في ألمانيا في القرن الثامن عشر بعد المسيح».

وقال فون كريمر يصف أثر الإسلام في وحدة الأمة المسلمة: «لقد جمعت فكرة الدين المشترك تحت زعامة واحدة شتى القبائل في نظام سياسي واحد، ذلك النظام الذي سرت مزاياه في سرعة تبعث على الدهشة والإعجاب».

الوحدة الإسلامية اليوم:

هكذا جمع الإسلام بين الشعوب والأجناس المختلفة في الماضي ووحدهم في أمة واحدة قوية البنيان. فهل لا تزال له القدرة على جمع هذه الشعوب مرة أخرى؟ نعم.. بل إن الوحدة الإسلامية قائمة في قلوب المسلمين وجذوتها حية لم تخمد أبدا، وهم جميعًا يتشوقون إلى الوحدة الكاملة بقيام دولة إسلامية تجمع شملهم وتوحد كلمتهم..

وعندما دعا السلطان عبدالحميد إلى الجامعة الإسلامية تجاوبت معه قلوب المسلمين من كل فج، مما أفزع دول الغرب وجعلها تعمل على إنهاء الخلافة وإزالتها من الوجود.

قال المستشرق لوثروب في كتابه عالم الإسلام الجديد الذي كتبه في أوائل هذا القرن عندما أعلن عبدالحميد دعوته للجامعة الإسلامية، فقال: «لقد مر أكثر من ثلاثة عشر قرنًا فما أوهن مرور هذه القرون من الجامعة الإسلامية جانبًا، وما ضعضع لها كيانًا، بل كلما تقادم عليها العهد وتناسخ الملوان ازدادت الجامعة الإسلامية شدة وقوة ومناعة واعتزازًا، وفي الواقع ليس من دين في الدنيا جامع لأبنائه بعضهم على بعض موحد لمشاعرهم ودافع بهم نحو الجامعة والاستمساك بعروتها كدين الإسلام».

لماذا يحارب الغرب الجامعة الإسلامية؟

إن العالم الغربي لا يفزع من شيء فزعه من الجامعة الإسلامية وقيام الدولة التي تجمع شمل العالم الإسلامي وتقوده على أساس واضح من شريعة الإسلام.

ولذلك بذلت الدول الاستعمارية كل ما في وسعها؛ لإنهاء الخلافة الإسلامية وإزالة آثارها من الوجود ومحاولة وضع الشعارات البديلة كالقومية والاشتراكية والآسيوية والأفريقية وصناعة القادة الذين يتبنون هذه الشعارات.

وقد ذهل العالم العربي في مطلع هذا القرن عندما أعلن السلطان عبد الحميد الدعوة إلى الجامعة الإسلامية فأخذ يعمل- ليل نهار- لقتل الفكرة في مهدها قبل أن يستفحل خطرها.

قال أرنولد توينبي: «لفظة الجامعة الإسلامية المؤثرة.. تلك التي استعملها أول الأمر السلطان عبد الحميد وأصبحت منذ ذلك الحين بعبع الحكام الاستعماريين الغربيين».

وكتب السفير البريطاني في إسطنبول في تقريره السنوي سنة 1907 فقال: «إن بين حوادث العشر سنوات الأخيرة عناصر بارزة في الموقف السياسي أهمها خطة السلطان الماهرة التي استطاع أن يظهر بها أمام ثلاثمائة مليون من المسلمين في ثوب الخليفة الذي هو الرئيس الروحي في الدين الإسلامي، وأن يقيم لهم البرهان على قوة شعوره الديني ببناء سكة حديد الحجاز التي ستمهد الطريق للحج، وقد ترتب على ذلك أنه أصبح حائزًا على خضوع رعاياه له خضوعًا أعمى لم يسبق له مثيل، وهكذا أصبحت إرادة السلطان قانونًا في البلاد».

وقال «هاملتون جب» في كتابه «حيثما يكون الإسلام»: «لا يزال في الإسلام القدرة على جمع الأجناس المختلفة في إفريقيا وشرق آسيا وجزيرة العرب ودمجهم في أمة واحدة».

وقال أرنولد توينبي: «إن الجامعة الإسلامية هاجعة ومع ذلك يجب أن نرتقب يقظة النائم من هجعته».

وقال: «قد يكون لهذا النداء (الجامعة الإسلامية والجهاد) آثار نفسية بالغة في روح الإسلام المجاهدة حتى ولو طالت رقدة هذه الروح طول هجعة أهل الكهف؛ وذلك لأن النداء قد يوقظ في العالم الإسلامي أصداء عهد بطولي، وإذا كان العالم اليوم سيندفع في حرب بشرية عامة فقد يهب الإسلام ليلعب دوره مرة أخرى».

من أجل هذا الرعب والهلع من قيام دولة الإسلام الشاملة عملت الدول الأوروبية كل ما في وسعها من جهود؛ لإطفاء هذه الشعلة وإنهاء الخلافة، وكانت أهم الخطوات التي اتبعت في ذلك:

1- إثارة نعرة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال التي قامت بعزل السلطان سنة 1924 وسلخ تركيا عن الإسلام.

2- إثارة القومية العربية ودفع العرب بقيادة الشريف حسين لحرب الأتراك.

3- تخريب خط سكة الحجاز بواسطة لورانس.

4- تقسيم البلاد العربية بين بريطانيا وفرنسا بموجب اتفاقية سايكس بيكو سنة 1916.

5- وعد بلفور بإقامة الوطن اليهودي في فلسطين وتحقيق ذلك فعلًا منذ سنة 1948.

6- عزل الشريف حسين بن علي عندما طمع في أن يكون خليفة عربيًا للمسلمين سنة 1925.

7- دعم الحكومات والزعماء الذين يناوئون الدعوة الإسلامية.

8- قيام الجامعة العربية التي انبثقت فكرتها من مجلس العموم البريطاني في تصريح وزير الخارجية البريطاني المستر إيدن، يوم 24 فبراير 1943.

9- ضرب الحركات الإسلامية الجادة.

10- نشر الإلحاد والشيوعية والتحلل الخلقي بين المسلمين.

11- الدعوة إلى إحياء التراث الفرعوني والفينيقي والوثني.

12- تقسيم أجزاء الوطن الإسلامي وبذر روح العداوة بينها كتقسيم باكستان والصومال وسوريا ولبنان...إلخ.

13- تدعيم الأقليات النصرانية كحركة الأقباط في مصر والمارون في لبنان وتشجيع الحركات البهائية والقاديانية الكافرة.

بوادر البعث الإسلامي:

بهذه المخططات استطاع أعداء الإسلام أن يضعوا العراقيل في وجه الوحدة الإسلامية الكاملة.. ولكن وعي الأمة الإسلامية الآن قد أدرك هذه المؤامرات وأخذ يعمل لتوحيد صفوفه، وقد بدأت الجمعيات الإسلامية ومجهودات العلماء والمؤتمرات المختلفة التي تعقد لهذه الغاية تعمل جاهدة لتحقيق هذا الغرض السامي.

وما على الزعماء والحكام المسلمين إلا أن يخطوا من جانبهم الخطوة الثانية نحو الوحدة الكاملة، وفي مؤتمر وزراء الخارجية المنعقد الآن في جدة والذي حضره وزراء أربعين دولة إسلامية بارقة أمل في هذا المضمار.

الرابط المختصر :