; لبنان.. الزواج المدني: صراع سياسي يرتدي ثوبًا اجتماعيًا | مجلة المجتمع

العنوان لبنان.. الزواج المدني: صراع سياسي يرتدي ثوبًا اجتماعيًا

الكاتب هشام عليوان

تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1998

مشاهدات 69

نشر في العدد 1295

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 07-أبريل-1998

▪ الوزراء والنواب المؤيدون لمشروع الزواج المدني لم يعودوا يمثلون المسلمين لأن المشروع يعد خروجًا عن الإسلام

من زوبعة في فنجان العام الفائت، لم يعبأ بها أحد، إلى عاصفة هائجة هذا العام، تكاد تقلب أسس الوفاق الوطني اللبناني، والقضية هي اقتراح قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، يفتح ثغرة خطيرة في نظم الأحوال الشخصية التابعة للطوائف المعترف بها قانونًا، بحيث يحرض على الهروب من قوانين الطوائف إلى قانون اختياري ابتداء، إلزامي في نهاية المطاف، وذلك المشروع يناقض الإسلام تمامًا، ويسحب البساط من «المحاكم الروحية المسيحية» المختلفة، وإن كان يتوافق مضمونًا مع كثير من الأنظمة القانونية المسيحية، المعمول بها لبنانيًا وأوروبيًا.

وصاحب المشروع ليس سوى رئيس الجمهورية إلياس الهراوي «الماروني»، المتحالف مع رئيس مجلس النواب في هذه النقطة، «شيعي وزعيم حركة أمل»، والتحالف المفاجئ بين الرجلين، له أبعاد أخرى غير التوافق على أسس علمانية، بل له علاقة مباشرة بمعركة الأحجام في السياسة والحكم، وله استهدافات بعيدة مرتبطة بطموحات سياسية ولا سيما عند نبيه بري.

هذا التحالف الغامض أحدث انقلابًا في القوى والموازين داخل الحكومة، مما سمح بتمرير لـ المشروع عبر التصويت، ونال أكثرية الثلثين (۲۱ وزيرًا من أصل ثلاثين)، وتمت مقايضة بين الرئيسين، هي أيضًا غامضة وغير متوازنة كذلك ففي مقابل تأييد نبيه بري لمشروع القانون المقترح من بعث رئيس الجمهورية برسالة إلى رئيس المجلس النيابي، يدعوه إلى تشكيل الهيئة الوطنية المكلفة تدارس الوسائل الكفيلة بإلغاء الطائفية السياسية مع العلم أن هذه الرسالة ليست بذات قيمة حقيقية، ذلك أن مجلس النواب ملزم حكمًا بتشكيل هذه الهيئة، حسب ما تقتضيه التعديلات الدستورية التي أجريت عام ۱۹۹۰م، والتأخير في هذا الإطار يعود أساسًا إلى عدم ملاءمة الظروف، وإلى المعارضة المسيحية الشديدة، بخاصة بعد تقلص صلاحيات رئيس الجمهورية، ومن المعلوم أن الطائفية السياسية المعمول بها منذ الاستقلال ضمنت للموازنة امتيازات ومواقع مهمة في الدولة منها رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش، ومواقع ومراكز حساسة في المؤسسات، وبعد اتفاق الطائف الذي أوقف الحرب، تضاءلت صلاحيات رئيس الجمهورية، فلم يعد موضوع إلغاء الطائفية السياسية بالأمر الملح، وبخاصة أنه قد أصبحت السلطة التنفيذية بيد مجلس الوزراء مجتمعًا.

▪ صدمة لدى المسلمين

على أي حال، تسبب التحالف بصدمة لدى المسلمين عمومًا، لأن التجمع الشيعي بعيد جدًا عن التوجهات الأخيرة لنبيه بري حتى قاعدة حركة أمل هي في الأصل ذات توجه إسلامي معروف، ثم إن التحالف بشكله، آثار نعرات طائفية ومذهبية كانت مكبوتة، ولا سيما بين المسلمين وبينهم وبين الطوائف النصرانية، ويجدر التركيز على التفاوت بين الطوائف في رفض أو تأييد مشروع الهراوي، فكل الإحصاءات في هذا المجال، تؤكد أن أكثر اللبنانيين تأييدًا للزواج المدني هم من النصارى وأكثرهم رفضًا المسلمون السنيون، والأسباب معروفة ومشهورة، فالقوانين الشخصية النصرانية تتشدد في الطلاق، وبسبب الانحلال الأسري المتفشي تزداد قضايا الطلاق العالقة دون حل، وهناك قضية أخرى، ذات بعد معقد سياسي، وديني، تثير حنق النصارى، هي زواج المسلمة من النصراني، ولأن الإسلام يحرم هذا الزواج، يضطر النصراني إلى دخول الإسلام ولو وكان يمكن أن تمر المسألة من دون ضجيج، لولا أن الحسابات الديموغرافية والسياسية في لبنان تجري في غير مصلحة النصارى، فسلطاتهم تتضاءل وكذلك أعدادهم بسبب الهجرة الكثيفة إلى الخارج، وبسبب تناقص الزيجات والولادات ويكون حل هذه المعضلة الوطنية برأي أصحاب المشروع، بتمييع الأحكام الشرعية الإسلامية، وإفساد أكبر عدد ممكن من المسلمين الشبان تحت ذريعة الانصهار الوطني ومكافحة الطائفية البغيضة، وما إلى ذلك من شعارات لذلك وجد القادة المسلمون أن مشروع الهراوي يستهدفهم مباشرة وقبل غيرهم، ومن هنا تمظهر الرفض بأشد أنواعه لدى المسلمين خاصة فيما اختبأ رجال الدين النصارى خلف عبادة مفتي الجمهورية لأنهم عاجزين أصلًا عن مواجهة القاعدة الشعبية النصرانية المتطلعة إلى التخلص من الكنيسة.

▪ مفتي.. رأس حربة

ومن المفارقات- المفيدة طبعًا- أن يتحول مفتي الجمهورية الحالي الشيخ محمد رشيد قباني إلى رأس حربة في وجه مشروع رئيس الجمهورية، وقد استعاد المنصب بذلك شيئًا من رونقه وهيبته، بعدما تلاعب به طويلًا رجال السياسة، وتأمروا عليه لإضعافه وحذفه.

الربط غير المحكم بين إقرار الزواج المدني الاختياري وتشكيل الهيئة الوطنية لتدارس سبل إلغاء الطائفية السياسية، أسهم في مزيد من الرفض النصراني، وأعطى تبريرًا أقوى لهذا الرفض، مما لو أتي المشروع عاريًا عن القضية المثيرة للجدل، أي إلغاء الطائفية السياسية، والحقيقة أن تداخل العوامل والدوافع في طرح المشروع، انسحب أيضًا إلى المواقف، فبعض المؤيدين للمشروع، هم أساسًا ضد الزواج المدني، وبعض المعترضين عليه، متزوجون زواجًا مدنيًا، مثل بعض وزراء الحريري، وكان التأييد والرفض داخل الحكومة كان لرئيس دون آخر.

لا للمشروع عينه، وكأن المواقف خارج الحكومة ترتبط بمعركة الرئاسة الأولى المفترض حسمها في الأشهر القليلة القادمة، فمن يزيد التمديد للرئيس الحالي يجاريه في مشروعه ومن يرفض التمديد له يرفض كذلك مشروعه.

وتزداد الصورة تعقيدًا بإضافة عنصر آخر عليها، وهو المناورات الإسرائيلية الأخيرة فيما خص تطبيق القرار الدولي رقم ٤٢٥ والقاضي بالانسحاب من جنوب لبنان من دون قيد أو شرط وقد يبدو هذا العنصر غريبًا بالكلية عن التجاذب الداخلي حول مسألة خاصة جدًا، لكن شرح الملابسات يزيل العجب، فمن المعروف أن رئيس الحكومة رفيق الحريري متحمس أكثر من غيره التطبيق القرار الدولي تحت السقف التوافقي بين دمشق وبيروت، إلا أن المخاوف السورية تظل قائمة، فالانسحاب من جنوب لبنان يضعف سورية في مفاوضات التسوية المتعثرة، ويتركها وحيدة أمام الضغط الإسرائيلي الأمريكي المشترك، أما رئيس الحكومة الممسك بملف الاقتصاد فلا يجد وسيلة للخروج من المأزق الاقتصادي الحالي إلا بإخراج لبنان من الصراع المزمن بين (إسرائيل) والمنطقة، حتى تتدفق الاستثمارات على لبنان، الذي سيتحول برأي الحريري إلى جنة اقتصادية.

▪ تحجيم الحريري

وهكذا يندرج مشروع الأحوال الشخصية في سياق تحجيم الحريري وإضعافه وبخاصة في هذه المرحلة، لشل تفكيره وتحركه، وهذا يفقد المشروع صفته المباشرة، ويصبح وسيلة بحد ذاتها لأغراض سياسية استراتيجية، وقد يكمن الرئيس الهراوي استغل الفرصة لتمرير مشروعه الذي بنادي به منذ أكثر من ٣٥ عامًا، أي منذ أن كان نائبًا في المجلس النيابي، والواقع أن اغتنام الفرصة مع فتور القيادات الإسلامية، كان يمكن أن يؤدي إلى إقرار المشروع، وإحداث الانقلاب الخطير في المجتمع اللبناني، لولا أن الحركات الإسلامية كانت واعية الخطورة الموقف إضافة إلى المؤسسات الرسمية عن دار فتوى ومحاكم شرعية وأوقاف.

وقد توفقت الجماعات الإسلامية في انتهاج سبيل هادئ ومؤثر في آن واحد فلم تلجأ إلى العنف والتظاهر، وهو أمر محظور في قرارات الحكومة، بل اكتفت في الآونة الراهنة، بالمواقف العلنية القوية، وبالاعتصامات في المساجد ودار الفتوى، كما عملت المشاورات واللقاءات مع القيادات الدينية الإسلامية والمراجع النصرانية على رفع وتيرة الرفض إلى الحدود التي أزعجت واضعي المشروع ومؤيديه، وشكلت ضغطًا معنويًا- لا يمكن رده- على الوزراء والنواب المسلمين خاصة ولا سيما أن التصريحات المتكررة، شددت على مقولة الخروج عن الإسلام لمن يؤيد ويطبق الزواج المدني، وعلى عدم جواز تمثيل المسلمين من قبل النواب والوزراء المؤيدين للمشروع.

رئيس الحكومة نفسه أصبح في موقف صعب، فهو من جهة ملزم بتوقيع المرسوم دستوريًا، ومن جهة أخرى هو عاجز عن توقيعه، حتى لا يفقد مشروعيته كرئيس سياسي للمسلمين السنة في لبنان، فهو بالأحرى بين قطبي الرحي، لذلك من غير المستغرب أن يلجأ إلى الصمت ما أمكنه ذلك، وإلى ترك الأمور تتفاعل من ورائه، وتقطيع الوقت حتى يأتي الظرف المناسب لتسوية ما بين أركان الحكم، وربما بإرسال المشروع إلى مجلس النواب، ليدفن هناك في إحدى لجانه المختصة.

وأمام مشروع الزواج المدني عقبات قانونية كأداء، فالدستور في مقدمته ينص في مادته التاسعة على أن حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب، وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها، على ألا يكون في ذلك إخلال في النظام العام، وهي «الدولة»، تضمن للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية».

وهذه المادة لم تتغير منذ دستور عام ١٩٢٦م، رغم التعديلات الجوهرية التي طالت مواد أخرى، بل يمكن القول إن القضاء الشرعي الإسلامي بقي مستقلًا في ذاته وجزءًا لا يتجزأ من النظام القضائي الرسمي، استنادًا إلى التوافق الذي أدى إلى استقلال لبنان عام ١٩٤٣م، فالمسلمون لم يرضوا بالانفصال عن سورية، ولم يقبلوا إلا بشروط وضمانات، وكانت المحاكم الشرعية إحدى الأمور التي أصر المسلمون على بقائها على حالها، كما كانت أيام الدولة العثمانية، بل إن الأحكام الإسلامية كانت مصدرًا أساسيًا من مصادر التشريع، في بعض المواضع، ولا سيما في حصر الإرث وتقسيمه، وهي كذلك حتى اليوم لدى بعض الطوائف النصرانية.

وينص قرار المفوض السامي الفرنسي عام ١٩٣٦م رقم «60» على تسمية الطوائف المعترف بها في لبنان، وهي ۱۷ طائفة أصبحت ۱۸ بعد الاعتراف بالأقباط وقراره كالقانون تمامًا في لبنان هذا القرار يعترف بالعقود المدنية المعقودة خارج لبنان، إلا أن الرفض الإسلامي دفع بالفرنسيين إلى استثناء المسلمين، وصدر بذلك قرار بعد ثلاث سنوات من القرار الأول، وعليه، فكل زواج أحد طرفيه مسلم، لا يصح شرعًا وهو باطل قانونًا.

ثم إن التعديلات الدستورية الأخيرة عام ۱۹۹۰م أعطت رؤساء الطوائف حق الاعتراض لدى المجلس الدستوري عند انتهاك الأحوال الشخصية الخاصة بكل طائفة، وهكذا تتوافر الحصانة القانونية والقضائية الكاملة، وإذا أريد المشروع الزواج المدني الاختياري أن يمر، فيجب تعديل الدستور والقوانين المعنية، حتى يصح العمل به مع أن إقراره يوجد ازدواجية عبثية بين القوانين التي تتناول مجالًا واحدًا.

والمشروع باختصار، يلغي موانع الزواج من رضاعة واختلاف دين «بين المسلمة وغير المسلم»، ويبيح التبني، ولا يبقي الطلاق بيد الرجل، ولا يعطيه للمرأة، بل للقاضي الذي سيصبح صاحب الكلمة الفصل، ويحظر تعدد الزوجات، إنه يضع تشريعًا أوروبيًا لبلد عربي شرقي العادات والتقاليد، إسلامي الثقافة والتراث، ومن يدري، فقد يكون لبنان مختبر المشاريع الهدامة، فلو نجح المشروع فربما يجري تعميمه على دول أخرى في المنطقة!

▪ مسألة العلمنة في لبنان.. والبُعد الإسرائيلي

قد يظن المراقب أن ما يُطرح في لبنان إنما هو نتاج ردة فعل أو ثمار رغبة معينة لدى مسؤولين معينين أو هو درب خلاص الشريحة موجودة في لبنان تريد حلًا لمشاكلها على طريقتها الخاصة، أو معركة حريات فردية في مواجهة الإقطاع الديني كما سماها أحد الوزراء، أو أنها توجه نحو النظام المدني كما يرد في أدبيات بعض الطارحين لهذه المشاريع، أو أنها رغبة في إنهاء الجو الطائفي لمنع نشوب أي خلاف في الملاعب الرياضية، أو أن الزواج اللا ديني لدى البعض وإلغاء الطائفية السياسية لدى البعض الآخر هي قربان الفداء وطريق الخلاص من جلجلة الحروب والفتن، وأنها نقلة إلى رحاب أجواء العدالة وتكافؤ الفرص، إلا أن الحقيقة غير ذلك بالتمام.

إن المفكر السياسي نيكولاي مكيافيلي ينصح أميره بأنه إذا أراد أن يحتل بلدًا ما فإنه يتوجب عليه أن يقضي نهائيًا على مراكز الاستقطاب في ذلك المجتمع، وذلك من أجل ضمانة استمرار احتلاله له دون منازع، أما إذا بقي بعض الأمراء أو من يستطيع أن يحشد حوله الجماهير فإن هؤلاء قد يكونون سببًا في إخراجه من البلاد المحتلة.

وهكذا فإن العدو الإسرائيلي ومن ورائه يريدون أن ينقضوا على المنطقة تحت شعار الصلح والتسوية، ومن أجل ذلك فإنهم يريدون إزالة كل العوائق التي ما زالت تشكل ثوابت ومراكز استقطاب في المجتمع اللبناني، وفي مقدمتها القيادات الدينية المسلمة والنصرانية حتى لا تقف هذه المرجعيات في وجه الدولة الدينية «إسرائيل»، إن هذه الدولة المبنية على الدين لا يمكن أن يقف في وجهها إلا سلاح مجرب من قبل إنه الدين.

إن المشاريع المطروحة اليوم هي واجبة الطرح من قبل من بيدهم (إسرائيل) وذلك كي يتحركوا في المنطقة دون منازع ودون من يعكر لهم بالًا أو يعطل لهم مشروعًا أو خطة، وإلا لو لم يكن ذلك مطلوبًا فأي عاقل يمكن أن يحرك مجتمعه بهذه السرعة ويضربه بعاصفة، لا بل إعصار مدمر.

إن الإعصار المثار في هذا الوقت بالذات ليس لمصلحة أحد في لبنان، وواهم من يظن أنه سيستفيد من ذلك، وعلى دعاة الحرية أن يعلموا أن الحرية لا تطالب بالاستبداد ولا يقهر الشعوب، وأن واحدًا بالألف لا يمثل سمة اجتماعية أو ظاهرة تحتاج إلى تقنين خاص، ثم إن النظام المسمى «مدني» أي مدنية فيه؟ وما المعضلة التي حلها؟ وما الخلاص الذي يقدمه؟

إنه نسخة طبق الأصل من النظام الكنسي في الأحوال الشخصية، وهو الذي كان مدار صراع كبير في الغرب، وهو بجموده الذي بدا في المشروع المقدم وبمواده المتحجرة سيحتاج إلى ثورات لنسفه إذا ما كتب له العيش، إنه مشكلة بذاته تحتاج إلى حلول وحلول، وقد قال عنه أحد النواب النصارى جميل الشماس: «إنه نظام متخلف لا يرقى إلى مستوى ما هو موجود عند المسلمين والمسيحيين».

د. علي لاغا

الرابط المختصر :