العنوان لقطات مهمة من حادثة الهجرة
الكاتب مريم الحجي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-2000
مشاهدات 65
نشر في العدد 1395
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 11-أبريل-2000
أرض المسلم ليست التي ولد فيها بل التي فتح الله بها عليه أبواب الخير
ما أعظمها من رحلة كانت بداية للتاريخ وتفريقًا بين الحق والباطل، وتحولًا في التفكير لأنها غيرت كثيرًا من المفاهيم السائدة وكان المحرم- رأس السنة - ساحتها، وفيه يكسى البيت، ويؤرخ التاريخ، فكان قدوم الرسول هو البداية الحقيقية، وكان انتقاله إلى المدينة هو الفاتحة الجديدة التي فتحت أمام العرب طريق التحول، وكتبت عليهم أن يتحملوا أمانة الرسالة الخيرة ليأخذوا دورهم التاريخي، وينقلوا إلى البشرية مبادئ الإسلام العظيمة.
هذه لفتات من حادثة الهجرة نوجزها فيما يلي: قال تعالى ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 40).
﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ (التوبة: 40) فأهل مكة هم أهل بلده ووطنه، وأرضه الذين عانى منهم الرسول الله الكثير ولم يرد الله تعالى للإسلام، ورايته، ولا الدولة الإسلام أن تقوم بعصبية أعداء الله تعالى وتلويثهم العقائدي حتى لا يشك أحد أن الإسلام قام على ركيزة من ركائز الكفر.
﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ (التوبة: 40) يقسم رب العباد بنصرته لعبده ووقوفه معه، والنصرة هنا مفهوم واسع فليست هي في المعركة فحسب، فالصبر على البلاء. والحمد في السراء والضراء، ونشر دعوة الله، وإن ضيقت أبوابها ذلك كله نصرة، وما أعظم تلك الجائزة التي أهديت لنبي البشرية وهي نصرة الله.
﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (التوبة: 40) أخرجوه من أرضه عنوة قال الله والله إنك لأحب أرض الله إلى ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت، فحب الأرض المرء ولكن عوض الله محمدًا المدينة يتأصل صل في فأصبحت داره ومأواه، فأرض المسلم ليست التي - ولد بها، بل التي فتح الله بها عليه أبواب الخير.
خرج بعد أن اتخذ كل أسباب الحذر والحيطة ولم ينس في زحمة الهموم أمانات أعداء الله الذين أخرجوه وعادوه وهنا نقف على نقطتين:
أولاهما: أن كل القوى تجتمع على حرب الإسلام والمؤمن الفطن يدرك ذلك، ويبذل جهده النصرة الإسلام.
ثانيتهما: مفهوم الأمانة، فمن لا أمانة له لا دين - له، ومفهومها عظيم، ومن علامات قيام الساعة تضييع الأمانة أمانة الدين والكلمة والعمل ولو - شعر كل الدعاة على الأرض بمفهوم الأمانة لما قر لهم قرار بفراش أو نوم أو ركون، ولبذلوا الغالي والنفيس لتوصيل الأمانة إلى التائهين في الأرض بـ ولأنفقوا من النفس والمال والجهد ما يثبتون به دعائم هذا الدين.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ (التوبة: 40): ما أعظمها من صحبة- منشؤها ومنتهاها لله فلم تجمع بين النبي الكريم وصاحبه تجارة ولا لهو وإطلاق لفظ «الصاحب» على أبي بكر دليل على ما يتمتع به من صفات تؤهله لهذه الصحبة المباركة
ندرك هنا ما للصحبة من أهمية في مسيرة الدعوة، فالأخ مرآة أخيه، يأنس ويسعد به، وهو محطة الراحة التي يأوي إليها إذا تعاصفته الهموم والآلام، ومن لا أخوة له في الدين يعيش مع نفسه دون أن يكون لكل عمل يقوم به ترتيب وتقويم وبالإخوة ينجح العمل.
ثم يرد نبينا الكريم: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ﴾ (التوبة: 40) «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالهما» أمران لا يغيبان عن الأذهان أبدًا.
الأنس بالله هو أنس ينسى به المرء كل المشاق التي تلاقيه وهو يتعامل مع الآخرين، وبالذات الدعاة في الأرض إذا اكتنفتهم مشاق الطريق ووعورته.
المعية لله تعالى: هي معية مباركة وشعور لطيف إذ يعطي الله تعالى للداعي القوة ما دام قد صدق في التوجه إليه.
وكم من أبطال سجلهم التاريخ في حادث الهجرة العظيم، وكان لكل واحد منهم فيه إسهام وما أجملها من إسهامات تلك التي شاركت بها المرأة في الإسلام، فعائشة الفتاة التي تهيئ الأجواء المشاركة أبيها، وأسماء الكتوم التي لطمها أبو جهل وهي تقول: «إني مشغولة في عمل ولا أدري أين أبي»، وتتحمل مشاق الطريق، وتوصل زاد الرحلة إلى النبي الكريم وأبيها.
ويظهر دور الشباب واضحًا، فعبد الله بن أبي بكر لا يبالي بما يمكن أن يتعرض له من الأذى بسبب صحبة أبيه لنبي الأمة، ويظهر لنا من خلال هذا الموقف أهمية الشباب في حماية دولة الإسلام، ونشاطهم في تقصي الأخبار نظرًا لسهولة حركتهم، ولتفاعلهم، وحيويتهم، كما يبرز أهمية الانتباه لدور هذه الفئة الغالية في المجتمع وصدق من قال إذا أردت أن تعرف حضارة بلد فانظر إلى ترنيمة شبابها، فإن كانت الترنيمة لهوًا فهي حضارة اذنة بالانتكاس والهزيمة، وإن كانت ترنيمتها حي على الصلاة حي على الفلاح، فقد حيزت لها الدنيا.
وفي المدينة وأجوائها المتميزة يظهر جليًا ما للمحبة من أثر إيجابي في القلوب ومن ثم في سلوك المرء فلولا المحبة ما ترك الصحابة دنياهم وجاهدوا وأنفقوا، وها هم ينتظرونه وأعينهم من قبل لم تره فلما وصلا إلى المدينة استقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما، فقال الأنصار انطلقا أمنين مطاعين حتى إن العوائق فوق البيوت يتراءين يقلن أيهما هو؟ وهذه المشاعر الأصيلة نجدها في كل من يدخل إلى المدينة، فإنها تورث النفس السكينة والأمان
أما صاحب الجائزة الكبرى فهو سراقة بن مالك الذي أراد أن يأتي برأس الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا القدر قد حبًا له جائزة إيمانية عظيمة. وهكذا انطلق في الصباح جاهدًا في قتلهما، وعاد في المساء يحرسهما، ويصرف الناس عنهما.
وتتزاحم أفواج المحبين لاستقبال النبي الكريم في بيوتهم علهم يحوزون من بركات إقامته الخيرة، ويكتب الله لأبي أيوب الأنصاري بركة تلك الإقامة، ويتحقق وفاء النبي الكريم لأهل المدينة منذ اللحظات الأولى.
ويظهر دور اليهود على مر العصور والأزمان في الخيانة وبث الأقاويل، والأكاذيب والشائعات والمقولات اللئيمة معتمدين على أباطيل السحر، فقد أشاع اليهود أنهم سحروا المسلمين فلا يولد لهم مولود ولم تكد هذه القرية تنتشر حتى كانت ولادة عبد الله بن الزبير، فكان أول مولود من المهاجرين فكان تكبير الصحابة سرورًا منهم بتكذيب الله اليهود فيما قالوا، ثم ولد النعمان بن بشير، فكان أول مولود من الأنصار بعد الهجرة، ويزداد بأس اليهود، وتنحسر شائعاتهم ويكثر اللغط في مجالسهم وهم يرون المسلمين أشد عزيمة، وأقوى شكيمة ويعود الرسول الكريم إلى الصحابة ليحدد مواقفهم من المشركين الذين بدأت تحالفاتهم في الانعقاد بهدف تحجيم الرسالة الإسلامية، والحد من نشاط الدعاة الذين بدأوا يوسعون قاعدتهم، وهنا يظهر واضحًا أهمية أن تستوعب دولة الإسلام والدعاة على وجه الخصوص دور اليهود في القضاء على دولة الإسلام، وأهمية اتخاذ التدابير اللازمة لكشف الاعيبهم، والقضاء عليها قضاء مبرمًا.
وما زالت حادثة الهجرة تحوي الكثير من العبر والمواعظ للدعاة على مر الأزمان والعصور.