; لماذا الحرب على جماعة الإخوان المسلمين؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا الحرب على جماعة الإخوان المسلمين؟

الكاتب د. عودة جمعة سالمين

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1980

مشاهدات 90

نشر في العدد 492

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 05-أغسطس-1980

الجزء الأول

  • حركة الإخوان تجسيد لأعمال الإسلام وعقائده في فاعلية وتطبيق.
  • الإسلام لا يقر الجهل أو الاستسلام أو الفوضى.. وهو دين شامل لشؤون الحياة كلها.
  • لماذا هذا العداء والحقد على هذه الدعوة الناصعة المباركة؟!
  • الإخوان المسلمون لم يداهنوا حاكمًا ولم تصدهم عن الحق لومة لائم!

إبان سقوط الخلافة الإسلامية سنة 1924م على يد الذئب الأغبر مصطفى كمال أتاتورك؟! انطوت صفحات آخر خليفة إسلامي كان يحكم المنطقة بالشريعة الإسلامية، وتم فصل الدين عن الدولة، وسادت المنطقة حقبة من الزمان عاش فيها المسلمون حالة من الفوضى وانعدام الوزن أدى إلى فقدان المنطقة لهويتها الإسلامية وكيانها الذي تميزت به طوال القرون السابقة منذ ظهور الإسلام...

وبعد أن صحا الناس من غيبوبة الدهشة التي اجتاحتهم أثر هذا التغيير المفاجئ نتيجة لسقوط الخلافة، قام الدعاة والمصلحون برفع أصواتهم ينادون الأمة إلى العودة إلى شرع الله والاحتكام إليه أملًا في استعادة الخلافة الضائعة.. وأنشئ أثر ذلك العديد من الجماعات والمنظمات الإصلاحية، أتحدت في بعض الأهداف الجزئية ولكنها اختلفت وتباينت في الأهداف الرئيسية وفي منهاج العمل والحركة. ولذا لم يكن الأمل معقودًا عليها في إعادة الخلافة وإقامة الدولة الإسلامية من جديد. 

وفي سنة 1928م، وفي شهر مارس بالتحديد، كان اجتماع الشيوخ الستة في منزل الإمام حسن البنا- رحمه الله- يصف الإمام أمثال تلك الاجتماعات قائلًا «ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة، وما وصلت إليه... ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء..».. فكانت البيعة العظيمة التي شهد لها التاريخ فيما بعد، وكان غرس البذرة الأولى لفكرة الإخوان المسلمين في أرض طيبة من هذه القلوب الستة، آمنوا بها وعاهدوا الله على الجهاد في سبيلها، وكان ذلك التوفيق والنجاح الذي حالف الدعوة وقائدها فيما بعد.

وبعد فترة قصيرة من عمر الزمن، فاجأ الإمام البنا- رحمه الله- العالم أجمع بكتائب الإخوان وطلائعه الشابة وقد انتشرت في كل بقعة، ولم تترك مجال عمل إلا وكان لها نصيب فيه واتجهت الأنظار والأفئدة نحو تلك الجماعة الناشئة ترقبها بدهشة وعجب، فهي لم تعهد من قبل هذا التكامل في الفهم والتناسق في الأداء من قبل جماعة إسلامية «إصلاحية» شملت في دعوتها جميع مرافق الحياة، وفهمت الإسلام وتعاليمه فهمًا أصيلًا كما فهمه الصحابة والتابعون، لا كما يفهمه دعاة العزلة والصوفية، أو كما يفهمه دعاة الجدل والفلسفة والكلام.

ولنستمع إلى الإمام البنا- رحمه الله- وهو يعرف الإسلام قائلًا «إن الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا. فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون، أو علم وقضاء. وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء»- رسالة التعاليم- ووفق هذا الفهم الشامل العظيم المعاني الإسلام، انطلقت كتائب الإخوان تصيح وتهتف، فتتردد في جنبات الكون صدى هتافاتها «الله غايتنا... والرسول قدوتنا... والقرآن دستورنا.. والجهاد سبيلنا.. والموت في سبيل الله أسمى أمانينا».. وحملت هذه الحركة الإسلامية الضخمة بنور الدعوة لتنشرها في بقاع الأرض، وها نحن نرى اليوم تلك البذور وقد اتسقت وأينعت وأتت أكلها بإذن ربها. فلا نكاد نرى بقعة من الأرض إلا وللإسلام فيها صوت يجلجل، أو يد تعمل، أو قوة تناهض الباطل وتحاربه. كل ذلك بفضل الله تعالى ثم بفضل إخوان لنا سبقونا بالإيمان، لا نملك إلا الدعاء لهم بالخير، وإكمال المسيرة التي ابتدأوها.

واليوم.. يلحظ المراقب للساحة الإسلامية حربًا شعواء تمارسها أطراف عدة ضد هذه الحركة الفتية، وهذه الحرب تختلف في أساليبها وتتباين جبهاتها، ولكن نتائجها السلبية تكاد تكون واحدة.. ويتساءل البعض: لماذا الحرب؟، ولماذا العداء؟ بالرغم من نصاعة هذه الحركة، ونزاهة غاياتها وأساليبها في العمل؟ ثم لماذا الحرب على هذه الحركة بالذات.. دون غيرها؟! تساؤل يطرح نفسه، ونكل الإجابة عليه إلى رجل الدعوة الأول، ذلك الرجل الملهم الذي خصه الله بأفق واسع رحب استطاع من خلاله أن يتوقع ما ستلقاه هذه الحركة من صعوبات وعداوات.. يقول- رحمه الله- في رسالته «بين الأمس واليوم» ص 228 «أحب أن أصارحكم أن دعوتكم ما زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية.. وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات وسيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين- «لاحظ كلمة علماء» - من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء- «وكأنه الواقع تمامًا»- وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم، وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة. وأن يظهروها للناس في أبشع صورة ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (الصف:8).

ونرى اليوم تلك الكلمات الملهمة وقد تحولت إلى واقع منظور، فها هي ذي أيدي الخصوم تتناوش الدعوة من كل مكان.. ساعة بالتشويه والشائعات.. وساعة بالقمع والتنكيل.. وساعة بالتحرش والمضايقة. ويتجرأ.. بعضهم.. على هذه الحركة فيصفها بالطيش والتسرع، والاعتماد على الشعارات البراقة دون التربية والتركيز، وآخر يصفها بالبطء والتثاقل، وثالث يصفها بالتبعية والعمالة.. ولا نملك إلا أن ندعو لهم بالمغفرة وبمزيد من الوعي والتعقل.

  • أسباب العداء:-

بعد بحث وتحليل لمعطيات الواقع والمشاهدة نستطيع أن نحدد أسباب هذا العداء الواضح للحركة الإسلامية ورجالها ونلخصها بالنقاط الثلاث التالية:-

أولًا: طبيعة المنهج الحركي عند الجماعة: هذا المنهج الشامل المتكامل قد لا يستوعبه بعض الجهلة من الناس، فيعتقدون في هذا المنهج البدعة والخروج عن الإسلام، والتناقض التام بينه وبين منهج السلف الصالح- رضوان الله عليهم.. وقد يثير هذا المنهج التحفظ عند بعض العلماء «التقليديين»- أو الرسميين- فهم يفهمون الإسلام فهما قاصرًا، ويحصرونه في زاوية ضيقة لا تتسع لشمولية المنهج عند أصحاب الحركة الإسلامية... يقول الإمام البنا- رحمه الله- في رسالة- المؤتمر الخامس- ص 250: «ومن هنا كان كثير من مظاهر أعمال الإخوان يبدو أمام الناس متناقضًا وما هو بمتناقض، فقد يرى الناس لماذا الحرب على جماعة الإخوان؟ الأخ المسلم في المحراب خاشعًا متبتلًا يبكي ويتذلل، وبعد قليل يكون هو بعينه واعظًا مدرسًا يقرع الأذان بزواجر الوعظ، وبعد قليل تراه نفسه رياضيًا أنيقًا يرمي بالكرة أو يدرب على العدو، أو يمارس السباحة، وبعد فترة يكون هو بعينه في متجره أو معمله يزاول صناعته في أمانة وإخلاص.. هذه مظاهر قد يراها الناس متنافرة لا يلتئم بعضها ببعض، ولو علموا أنها جميعًا يجمعها الإسلام ويأمر بها الإسلام ويحض عليها الإسلام لتحققوا فيها مظاهر الالتئام ومعاني الانسجام». 

وفي كلام البنا- رحمه الله- رد مقنع، وتوضيح شامل للواقع الذي يجب أن يزاوله الداعية المسلم حتى يعيد إلى الأذهان ذلك العصر الذهبي، عصر السلف الصالح- رضوان الله عليهم، حين كانوا رهبان الليل وفرسان النهار يحج أحدهم عامًا ويجاهد عامًا، سادوا أهل الدنيا بإيمانهم، ولم يتركوا للدنيا في قلوبهم مكانًا، فعاشوا سادة وماتوا سادة، رحمهم الله أجمعين.

ولعل الحصر الشامل الذي حصر به الإمام كل معاني الإصلاح في دعوته يعطي صورة مشرقة للتناسق التام في منهج الحركة.. حيث يقول- في رسالة المؤتمر الخامس ص 248- «وتستطيع أن تقول ولا حرج عليك أن الإخوان المسلمين دعوة سلفية.. وطريقة سنية.. وحقيقة صوفية.. وهيئة سياسية.. وجماعة رياضية.. ورابطة علمية ثقافية.. وشركة اقتصادية.. وفكرة اجتماعية..».

وتحسبًا لأن تثير كلمة «صوفية» نوعًا من الحساسية عند البعض كان لزامًا لأن نستمع إلى الإمام وهو يشرح مقصده من ذلك قائلًا: «لأنهم يعلمون- أي الإخوان- أن أساس الخير طهارة النفس ونقاء القلب، والمواظبة على العمل، والأعراض عن الخلق، والحب في الله، والارتباط على الخير».

ويفهم من ذلك أن الإمام كان يقصد «بالصوفية» طهارة النفس وصفاء الروح وشفافية القلب، والسمو بالنفس إلى مراتب الروحانية العالية.. بعيدًا عن كل البدع والشطحات المستحدثة. والأعمال الفاسدة التي يقوم بها بعض المنحرفين.. ولعل كلمة «الزهد» تشمل المعنى المقصود...

ونؤكد كذلك أن نقف قليلًا أمام كلمة «دعوة سلفية» لنشهد حقيقة واضحة جلية قد يغفل عنها «البعض» إما جهلًا أو تجاهلًا، تلك الحقيقة هي أن دعوة الإخوان قامت على منهج الله تعالى متخذة الكتاب والسنة أصولًا ثابتة لا تحيد عنها أبدًا.

أما منهجها الحركي والتنظيمي فلم يخرج أبدًا عن إطار الشرعية، وبذلك تكون قد التزمت نفس الخط الذي سار عليه سلفنا الصالح- رضوان الله عليهم، دون انحراف فصل أو بدعة منكرة.. ولنا في ذلك شواهد ودلائل عدة، لا مجال لطرحها الآن.. ولمن شاء الرجوع إليها نقول: تتبع كتابات الإمام البنا- رحمه الله- في رسائله، وتمعن جيدًا في «الأصول العشرين»، وأقرأ رسالة «العقائد» لعلها تكون بعض الشواهد المقنعة.. ونحن إذ نبين ذلك حتى لا يكون في النفس ما يعكر صفاء الفهم والإدراك.

ثانيًا: الحزم والشدة في الحق وعدم المداهنة:-

ولقد كانت- وما تزال- هذه الصفة بضعة سمة الدعوة منذ مولدها وحتى وقتنا الحاضر، لم تداهن حاكمًا، ولم تجامل سلطانًا، ولم يصدها عن الحق لومة لائم، ولم تحاب في يوم من الأيام ذوي السلطة والجاه والوجاهة.. بل كان مسلكها الحق والعدل، رافضة بذلك أنصاف الحلول الذليلة والتنازلات الهزيلة.. فنالت- نتيجة لذلك- من الحكام والزعماء الحقد والكراهية والقسوة

والشدة.. فحكامنا لم يعهدوا من الناس إلا الانكسار والذلة والمداهنة ولم يعهدوا من العلماء «الرسميين» إلا التودد والتقرب وتلك الفتاوي الجاهزة عند الحاجة لتضفي صفة الشرعية والعظمة لذلك الحاكم أو الرئيس! فليس بمستغرب بعد ذلك أن تلقى الجماعة كل هذا التنكيل والكره من قبل تلك الطغمة الظالمة. وهذا يعيد إلى الأذهان قول الإمام- رحمه الله- «وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان..».

إن مواقف الجماعة الصلبة الجريئة أكثر من أن تعد أو تحصر ومواقف العداء والبغض من قبل الحكام والرؤساء تمتلئ بها صفحات التاريخ، وتشهد عليها جدران الزنازين والسجون وتنطق بها دموع الثكالى والأرامل اليتامى، وتئن بها أعواد المشانق وسيوف الجلادين.. وكأن أنات المعذبين في أقبية السجون لعنات يرسلها القدر على طغمة البغي والظلم..

وكلنا يذكر ذلك الموقف العظيم لشهيد الإسلام الأستاذ سيد قطب يوم أن طلب منه الإقرار والولاء لحاكم مصر الطاغية.. انتفض وقال: «إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب كلمة واحدة يقر بها حكم الطغاة».. ومواقف كثيرة كثيرة يضيق المجال لذكرها. نروي تلك الأمثال الصادقة حتى يعلم الناس أن قادة هذه الحركة لم ولن يكونوا في يوم من الأيام مطية الحكام والسلاطين- بل كانوا ولا يزالون شوكًا تقض مضاجعهم حتى يعودوا إلى كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم.

ولنا في حلقة الأسبوع القادم لقاء نستكمل فيه أسباب العداء ثم نبين مؤهلات هذه الجماعة للنجاح والاستمرار بإذن الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 62

115

الثلاثاء 01-يونيو-1971

تركيا..  زلازل طبيعية وصناعية!

نشر في العدد 38

132

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

يوميات المجتمع (38)